سعيد عابد يكتب لـ(اليوم الثامن):

من نيويورك إلى طهران.. صوت إيران الحرة يصل إلى الأمم المتحدة

حمل تجمع الإيرانيين وأنصار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك رسالة سياسية تجاوزت الاعتراض على حضور مسعود بزشكيان اجتماعات الجمعية العامة. فالتظاهرة، التي تواصلت لليوم الثاني في ساحة داغ همرشولد، أكدت أن الشعب الإيراني لا يريد حرباً خارجية، ولا مساومة مع نظام الملالي، ولا عودة إلى حكم الشاه، بل تغييراً ديمقراطياً تقوده القوى المنظمة داخل إيران.

تزامن التجمع مع خطاب بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت تتصاعد فيه الإعدامات وحملات القمع داخل إيران، وتتزايد المخاوف من استخدام النظام المنابر الدولية لإعادة تسويق نفسه. وشارك في الفعالية إيرانيون قدموا من مختلف أنحاء الولايات المتحدة وكندا، إلى جانب شخصيات أميركية بارزة، من بينها السيناتور الأميركي السابق روبرت توريتشيلي، وعمدة نيويورك السابق رودي جولياني، والسفير الأميركي السابق مارك جينسبيرغ.

وفي رسالة وجهتها إلى المشاركين، وضعت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، القضية في إطارها الأوسع، مؤكدةً أن الشعب الإيراني لا يريد الحرب ولا الديكتاتورية، بل يتطلع إلى الحرية وإقامة جمهورية ديمقراطية وامتلاك حقه في تقرير مصيره.

وشددت رجوي على أن المواجهة الحقيقية ليست بين النظام الإيراني وقوى خارجية، بل بين الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة من جهة، والديكتاتورية الدينية من جهة أخرى.

وتوقفت عند التطورات الجارية داخل إيران، مشيرةً إلى تفاقم الضائقة الاقتصادية، واتساع الاحتجاجات الشعبية، وتصاعد الاستعدادات الأمنية للنظام خوفاً من اندلاع انتفاضة جديدة. وقالت إن الحرس الثوري نفذ مناورات عسكرية واسعة في طهران ومدن أخرى، فيما نُشرت عناصر الباسيج في محطات الوقود ومواقع حيوية مختلفة.

وفي المقابل، أكدت أن وحدات المقاومة نفذت خلال الشهرين الماضيين مئات الأنشطة المناهضة للقمع، وأن السجناء السياسيين صعّدوا مقاومتهم من داخل السجون، في محاولة لكسر أجواء الخوف التي يسعى النظام إلى فرضها على المجتمع الإيراني.

وتمثل الموقف الأبرز في رسالة رجوي بتأكيدها خطاً سياسياً واضحاً يقوم على رفض الحرب والمساومة معاً. فالحل لأزمة إيران، وفق رؤيتها، يكمن في إسقاط النظام على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، والاعتراف الدولي بنضال الإيرانيين ضد الحرس الثوري، ودعم إقامة حكومة انتقالية تستند إلى برنامج النقاط العشر الذي طرحه المجلس الوطني للمقاومة.

وتكرر هذا الموقف في كلمات الشخصيات الأميركية المشاركة في التجمع. فقد رفض السيناتور السابق روبرت توريتشيلي اعتبار بزشكيان ممثلاً للشعب الإيراني، مؤكداً أن الثورة الجارية لن تكون أميركية أو أوروبية، بل إيرانية يصنعها أبناء الشعب في الداخل.

وقال توريتشيلي إن التغيير سيقوده الأطفال والطلاب والعمال، وحتى الجنود الذين يرفضون إطلاق النار على أبناء شعبهم، مشدداً على أن مستقبل إيران يجب أن يقرره الإيرانيون أنفسهم.

وانتقد توريتشيلي محاولات إعادة تلميع حكم الشاه، رافعاً موقفاً واضحاً تحت شعار: «لا للملالي ولا للملوك». واختصرت هذه العبارة جانباً مهماً من رسالة التجمع، إذ أكدت رفض استبدال الديكتاتورية الدينية بسلطة وراثية جديدة، والتمسك بقيام جمهورية ديمقراطية تمثل الإيرانيين بمختلف مكوناتهم.

من جانبه، شدد السفير الأميركي السابق مارك جينسبيرغ على أن دعم الإيرانيين لا يعني فرض قيادة عليهم من الخارج. وقال إن الأميركيين لا يستطيعون، ولا ينبغي لهم، اختيار قادة إيران، لأن هذا الحق يعود إلى الشعب الإيراني ومعارضته الوطنية.

ورأى أن دور المجتمع الدولي يجب أن يتركز على مساندة حق الإيرانيين في اختيار نظامهم السياسي وقيادتهم، من دون التدخل في تحديد شكل هذا الاختيار أو فرضه عليهم.

أما رودي جولياني، فركز على تاريخ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية ودورها داخل البلاد، معتبراً أنها استطاعت الصمود أمام عقود من القمع والاضطهاد، وتطورت لتصبح حركة سياسية منظمة تمتلك رؤية واضحة للمرحلة الانتقالية.

وأشار إلى أن المجلس الوطني للمقاومة يطرح تشكيل حكومة انتقالية تتعهد بتنظيم انتخابات حرة خلال ستة أشهر من سقوط النظام، بما يقدم إجابة سياسية ومؤسساتية عن السؤال المتعلق بالبديل ومستقبل الحكم في إيران.

وفي كلمة سونا صمصامي، ممثلة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في الولايات المتحدة، برز ملف الإعدامات والسجناء السياسيين بوصفه واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً. وأشارت إلى أن عشرات المعارضين السياسيين، بينهم أعضاء في منظمة مجاهدي خلق، أُعدموا منذ منتصف مارس/آذار، في حين يواجه عدد أكبر خطر تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم.

وأكدت صمصامي اتساع نشاط وحدات المقاومة داخل إيران، ووصفتها بأنها قوة تعمل على كسر الخوف والحفاظ على جذوة المقاومة المنظمة في مواجهة حملات الاعتقال والقمع والإعدام.

وجمع تجمع نيويورك بين رسائل عدة في لحظة سياسية واحدة: رفض منح ممثلي النظام شرعية دولية، والمطالبة بوقف الإعدامات، ورفض الحرب والتدخل العسكري الأجنبي، ومعارضة المساومة مع نظام ولاية الفقيه، والتصدي لمحاولات إعادة حكم الشاه.

وفي مقابل هذه المواقف، طرح المشاركون بديلاً يقوم على حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره، ودور المقاومة المنظمة، وبرنامج ديمقراطي يتبنى الانتخابات الحرة، والمساواة بين المرأة والرجل، وفصل الدين عن الدولة، وإقامة إيران غير نووية.

وهكذا تحولت ساحة داغ همرشولد إلى منصة سياسية أوصلت صوتاً مختلفاً إلى المجتمع الدولي؛ صوتاً يؤكد أن الأزمة الإيرانية لن تُحل بإعادة تدوير وجوه النظام، ولا باستدعاء ماضٍ سلطوي آخر، ولا بانتظار حرب خارجية.

ويبدأ الحل، وفق رسالة المشاركين، من داخل إيران، ومن شعب يرفض الديكتاتورية بجميع أشكالها، ومن مقاومة منظمة تسعى إلى تحويل هذا الرفض إلى مسار سياسي وديمقراطي واضح.

وكانت رسالة نيويورك مختصرة وحاسمة: لا شاه ولا ملا، لا حرب ولا مماشاة، بل الحرية للشعب الإيراني والاعتراف بحقه في بناء جمهورية ديمقراطية.