رئيس التحرير يكتب:

السعودية ونظرية المؤامرة على مشاريعها التوسعية

تابعت مقابلة الشيخ هاني علي بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، على قناة سكاي نيوز عربية، أكثر من مرة، لعلني أجد فيها مبررا للسعوديين وبعض اليمنيين للتطاول على معاليه، فلم أجد إلا «وقائع وحقائق دامغة لا تقبل الشك أو التأويل».

قدم بن بريك ما يمكن وصفه بأنه ملخص لمخاض عشر سنوات، كان السعوديون يقدمون فيها «محاولات احتواء الحوثي» على كل جهود هزيمته واستعادة الشرعية اليمنية وعودة المركز القانوني للدولة اليمنية إلى صنعاء.

هل أخطأ السعوديون في تقدير الموقف؟

الإجابة قطعا: لا… لم تكن لدى الرياض مشكلة مع الحوثيين، حتى إن المزايدة التي تتكرر دائما، ومفادها أن وزير الدفاع السعودي السابق وولي العهد الحالي زعم أن عدن خط أحمر، لم يكن هذا الموقف داعما للجنوب بقدر ما كان جزءا من صراع بين السعودية والرئيس السابق علي عبدالله صالح.

«عدن خط أحمر»، قالها ابن سلمان لـ«أحمد علي عبدالله صالح»، الذي قدم عرضا للسعوديين بإخراج الحوثيين من صنعاء في غضون أيام قليلة… كان ذلك قبل عاصفة الحزم بأيام قليلة.

لماذا رفض السعوديون «العرض»؟

هل كان عرض جماعة الإخوان المسلمين «أعلى من عرض حزب المؤتمر الشعبي العام»؟ لذلك اختارت الرياض التحالف مع الإخوان والمضي في القضاء على الرئيس السابق وحرمان أقربائه من أي مستقبل سياسي؟

جماعة الإخوان، كما أكد الشيخ هاني بن بريك، لم تعلن تأييد عاصفة الحزم إلا بعد أسبوع من انطلاق العملية. والطريف في الأمر أن من كان يطلق عليهم السعوديون «بقايا الضاحية الجنوبية» أعلنوا تأييدهم ودعمهم لعاصفة الحزم في ساعتها الأولى، مع أن موقفهم كان رافضا للحرب على الجنوب، وحذروا الحوثيين كثيراً، غير ان الجماعة التي أسقطت صنعاء بسهولة ظنت ان الطريق إلى عدن سيكون سالكا، لأن كل وحدات الجيش ستعلن الولاء وتردد الصرخة، بمجرد اقتراب الجماعة من قاعدة العند، لكن كان لرجال القائد الشهيد علي الصمدي كلمة اخرى اكثر حسما.

كيف يمكن تفسير الموقف السعودي؟

نعود إلى بداية الخلاف بين «صالح» والسعودية، والذي بدأ في العام 2002م، حين استعرض الرئيس السابق قوات الجيش اليمني في صنعاء، بأكبر عرض عسكري شهدته البلاد. يومها أزعج هذا العرض ولي العهد السعودي، الملك لاحقا، عبدالله، الذي كان حاضرا في العرض. لذلك بدأت جماعة الحوثيين التمرد على النظام اليمني في العام 2004م. من كان يدعم التمرد؟ هل كانت إيران أم دولة أخرى؟

بحسب شهادة الكثير من اليمنيين، بمن فيهم معتقلون حوثيون، فإن صالح كان يقدم رواية أخرى للإيرانيين بشأن الحوثيين، وكان موقف طهران مختلفا عما هو عليه اليوم. فالرئيس السابق، وفي كل خطاباته خلال الحروب الست، كان يتهم الحوثيين بمحاولة إعادة نظام الإمامة. وهذا ربما يفسر وجود دور سعودي في دعم الإماميين الجدد.

فالمساجد في صنعاء، ومنها الجامع الكبير، كانت ترفع الأذان الشيعي «أشهد أن عليا ولي الله»، وكنا نسمع الأذان عبر تلفزيون اليمن وإذاعة صنعاء.

إذا كانت «عدن خط أحمر»، دعما واعترافا بالجنوب، فإن البعض يرى أنها كانت مغازلة سعودية للجنوبيين، خاصة أنهم كانوا قد بدأوا قبل شهر بمواجهة الحوثيين عبر عمليات في أبين «مكيراس»، والضالع وكرش وغيرها، ولاحقا في محيط مطار عدن الدولي، حين أعلنت القوات اليمنية الولاء للحوثيين.

لم تكن لدى السعوديين مشكلة في أن يسيطر الحوثيون على شمال اليمن، لكنهم كانوا يرون في الحرب فرصة لتحقيق أحلام توسعية قديمة، تتمثل في السيطرة على المهرة وحضرموت وشبوة، والوصول إلى بحر العرب. لذلك، ومع الساعات الأولى لانطلاق عملية عاصفة الحزم، سحب حليف السعودية العسكري، علي محسن الأحمر الفارّ من صنعاء، القوات الموالية له، وهي ألوية من الفرقة الأولى مدرع كانت ترابط في ساحل حضرموت، خشية أن يعلن بعض قادته موالاتهم للحوثيين. وكان البديل «تنظيم القاعدة أو أنصار الشريعة»، بقيادة الأمير السابق خالد باطرفي، سعودي الجنسية.

ظل التنظيم يتحكم بحضرموت ومواردها لأكثر من عام، دون أي تدخل، ولا حتى بضربة جوية من الطيران السعودي، إلى أن جاء الدور الإماراتي المساند للسلطة المحلية في بداية العام 2016م، فتم تحرير المكلا وساحل حضرموت من عناصر تلك الجماعات، وظل الساحل «آمنا مستقرا» حتى الثاني من يناير الماضي، حين دمر القصف السعودي كل شيء. بمعنى أن سيطرة «القاعدة على حضرموت» لم تشكل أي تهديد للسعودية، لكن تأمين المحافظة وطرد الجماعات الإرهابية من الوادي والصحراء شكّل تهديدا للسعودية، فأطلقت عملية عسكرية بمعادلة صفرية تجاه الجنوب.

لذلك نأتي إلى سؤال: هل لدى السعودية مشكلة مع الحوثيين؟ وهل ستمضي في القضاء على الجماعة حتى القضاء عليهم «نهائيا»؟ والدليل أنه في الوقت الذي كان فيه الحوثيون يمطرون المطارات وشركة أرامكو بالصواريخ والطائرات المسيرة، كان السعوديون يجرون اتصالات وزيارات «معلنة وغير معلنة» للتوسط لدى الإيرانيين من أجل وقف التصعيد الحوثي. وكانت زيارة وزير الدفاع خالد بن سلمان الأخيرة إلى طهران للموافقة على عرض حوثي سابق بوقف التصعيد مقابل الاعتراف السعودي و36 مليار دولار تدفع على مراحل، قبل أن يرفع الحوثيون السقف إلى 51 مليار دولار «جبر ضرر وإعادة إعمار»، بحسب تأكيدات الصحافة الأمريكية.

حين قررت السعودية استئناف الحرب ضد الحوثيين، كانت محاولة سعودية لتقليل تكاليف تبعات الحرب، وإجبار الحوثيين على القبول بالتسوية التي هندستها سلطنة عمان، والتي من أبرز بنودها دفع 82% من موارد نفط حضرموت وشبوة للحوثيين. لذلك شكلت السعودية نحو أربعة إلى خمسة تحالفات إقليمية ودولية، وطلبت دعم الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن كل هذه التحالفات تبخرت، ولم تحصل الرياض على أي دعم إقليمي أو دولي في مواجهة الحوثيين. حتى الورقة الدينية التي جرى استخدامها في الحرب على الجنوب في يناير الماضي فشلت في التحشيد الطائفي تجاه الحوثيين. لذلك قد ترتفع شروط الحوثيين مستقبلا بشكل أكبر، وفي حال تمت «الصفقة» وقدمت الرياض كل تلك الأموال، فهذا يعني أن نسخة أشد تطرفا من النظام الإيراني قد أصبحت موجودة في خاصرة الجزيرة العربية، وهو لا يعني انه مزعج للسعودية، لكنه ربما واقع اكبر من قدرتها على مواجهته.

لذلك، حين نرى الهجمة السعودية على تصريحات «الشيخ هاني بن بريك»، ربما تكون تعبيرا عن مخاوف من حالة الفشل التي تعني خسارة كل شيء، ليس بسبب الفشل أو سوء التقدير، ولكن لأن المطامع السعودية التوسعية كانت الهدف الاستراتيجي من التدخل، ولم يكن القضاء على الحوثيين هو الهدف. فعاصفة الحزم، التي كان مقررا لها أن تقضي على الجماعة في العام 2018م بتحرير ميناء الحديدة، سبقها في العام الأول للعملية العسكرية توقيع اتفاقية ظهران الجنوب وغيرها من الاتفاقيات السرية والمعلنة، وزيارات السفير لدى اليمن إلى صنعاء أكثر من مرة.

لذلك، فإن الهجوم والانتقاد لأي تصريحات تفكك أو تحلل المشهدين العسكري والسياسي منذ بداية عاصفة الحزم حتى اليوم، ينظر إليهما السعوديون باعتبارهما مؤامرة على مشاريعهم التوسعية القديمة. وإلا كيف يمكن تفسير حالة «اللا حرب واللا سلم» منذ اتفاقية ظهران الجنوب في فبراير 2016م، حتى قبيل عملية «فجر اليمن» سبتمبر 2026م، التي رفضت أذرع الرياض التي يصرف عليها القتال، لأسباب كثيرة وعديدة، من بينها أن تلك الأذرع تضم من يدينون بالولاء للحوثيين، وأخرى لا تثق بالسعوديين الذين قصفوا الجنوب ودمروا قواته؟

طيب، أين المشكلة اليوم: هل هي في السعوديين أم في خصومهم؟ السعوديون لديهم مشاريع توسعية ومطامع، لكنهم اليوم لا يمانعون أن يكون لإيران موطئ قدم في اليمن، بينما يرون أنهم أحق بالوصاية على الجنوب والهيمنة على موارده.

عبدالرحمن الراشد، أحد كبار الصحافيين السعوديين، قال ذلك حرفيا: لا نريد أحدا في الجنوب. لذلك، هم يرون أن الوصاية والهيمنة لن تتحققا إلا بتقسيم الجنوب وتهديد وحدته.

وموقف السعوديين تجاه الجنوب ليس جديدا، أو نتيجة لعملية حضرموت والمهرة، بل هو موقف قديم. فمنذ سنوات بدأت السعودية بدعم مشاريع جهوية في حضرموت وشبوة والمهرة وعدن، ولكل محافظة يطرحون مشروعا مختلفا عن الآخر، ناهيك عن دعم جماعة الاخوان في السيطرة على شبوة وأبين ومحاولة الوصول إلى العاصمة عدن في العاميين 2019 و2020م.

لكن ما يحدث اليوم هو حصاد هذه المشاريع السعودية التوسعية. لذلك يرون أي صوت جنوبي معارض لمشروع الوصاية مؤامرة على مشاريعهم، وهو ما يفسر الاستنفار الإعلامي والسياسي تجاه حديث الشيخ هاني بن بريك وراجح باكريت وبقية الأصوات الجنوبية الرافضة. أما خلاف السعوديين مع الحوثيين، فحله متعلق بعشرات المليارات من الدولارات التي سوف تدفعها السعودية، وقد تكون موارد النفط في الجنوب جزءا من فاتورة الصفقة، ولكن هذه الصفقة قد تصنّع ايران أخرى اشد تطرفا من نظام طهران في اليمن.