الافتتاحية
السعودية تطلق معركة ضد الحوثيين بالاعتماد على الجنوب والإخوان يخسرون معقلاً مهماً في تعز
لم تحتج الحرب الجديدة إلى وقت طويل كي تكشف تناقضاتها. فمن الرياض، ظهر رشاد العليمي معلناً بدء عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين، ومتحدثاً عن استعادة المناطق الخاضعة للجماعة وبسط سلطة الدولة على كامل البلاد. وعلى الأرض، كانت مدينة التربة، أحد أبرز معاقل حزب التجمع اليمني للإصلاح في جنوب تعز، تسقط في قبضة الحوثيين، وتفتح أمامهم طريقاً جديداً نحو حدود لحج.
بين الإعلان والنتيجة ساعات قليلة، لكنها كانت كافية لتلخيص أزمة المعسكر الذي تقوده السعودية: قيادة تتحدث من الخارج عن حرب شاملة، وتشكيلات محلية متفرقة لا تجمعها غرفة عمليات واحدة، وحزب احتفظ لسنوات بالنفوذ والمال والمعسكرات، ثم خسر واحداً من أهم مواقعه عندما وصل الحوثيون إلى أبوابه.
ليست التربة مدينة عابرة في خريطة الصراع. فهي مركز مديرية الشمايتين، وقلب منطقة الحجرية، وحلقة الوصل بين مدينة تعز ومحافظتي لحج وعدن. كما أنها مثّلت طوال سنوات قاعدة سياسية وعسكرية لحزب الإصلاح، وممراً لإمداد قواته، ونقطة ارتكاز لنفوذه في جنوب المحافظة.
لهذا لا يمكن تقديم سقوطها بوصفه تراجعاً ميدانياً محدوداً أو تبدلاً مؤقتاً في خطوط التماس. ما خسره الإخوان في التربة يتجاوز الأرض إلى المكانة والنفوذ والقدرة على الادعاء بأنهم القوة الشمالية الأكثر استعداداً لمواجهة الحوثيين.
وعندما دخلت الجماعة المدينة، كانت القوات التابعة للإصلاح قد انسحبت نحو طور الباحة ولحج، تاركة خلفها أسئلة أكثر من الإجابات: أين ذهبت الألوية التي ظلت تتمركز في المنطقة؟ لماذا لم تُعزز الجبهات عندما أصبح الهجوم وشيكاً؟ وكيف انهار معقل بهذه الأهمية في الوقت الذي كانت فيه حكومة المنفى تعلن بدء حرب لاستعادة صنعاء؟
قد يقول قادة الإصلاح إن السلاح والذخيرة لم يصلا، وإن السعودية خذلتهم في اللحظة الحاسمة. وربما يكون في ذلك جزء من الحقيقة، فالرياض تدير الحرب منذ أكثر من عقد، وتتحكم بالتمويل والتسليح والتحركات العسكرية. لكنها ليست المرة الأولى التي تخسر فيها تشكيلات الحزب مواقعها أمام الحوثيين، ثم تفسر الهزيمة بانقطاع الإسناد.
المشكلة أعمق من شحنة ذخيرة لم تصل. إنها تتصل بطبيعة قوات جرى بناؤها لحماية النفوذ الحزبي أكثر من إعدادها لخوض حرب طويلة، وبقيادات أظهرت حماسة كبيرة عندما كان اتجاه البنادق نحو شبوة أو أبين أو حضرموت، لكنها لم تظهر الصلابة نفسها عندما اقترب الحوثيون من معاقلها.
وفي الوقت الذي خسر فيه الإخوان التربة، وجدت السعودية نفسها مضطرة إلى النظر مجدداً نحو الجنوب. لم تغير الرياض موقفها من القضية الجنوبية، ولم تعترف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره، لكنها بدأت مغازلة القوى الجنوبية التي سبق أن حاربتها وأقصتها وحاولت تفكيك حضورها السياسي والعسكري.
تدرك السعودية أن الحرب الجوية وحدها لن تستعيد باب المندب أو المخا أو مرتفعات تعز. وتدرك أيضاً أن التشكيلات الشمالية التي اعتمدت عليها لم تثبت قدرتها على مواجهة قوة حوثية منظمة. لذلك عاد الحديث عن قوات العمالقة وعن المقاتلين الجنوبيين، وعن تشكيل قيادة موحدة تستطيع تحويل الغارات السعودية إلى تقدم على الأرض.
هذه العودة ليست اعترافاً صريحاً بالخطأ، بل محاولة للالتفاف على نتائجه. فبدلاً من مراجعة الحرب التي شنتها الرياض على الجنوب مطلع العام، ومعالجة آثارها، والاعتراف بأن إقصاء المجلس الانتقالي أضعف المعسكر المناهض للحوثيين، يجري البحث عن طريقة لإعادة الجنوبيين إلى الجبهات تحت الشعارات القديمة نفسها.
تريد السعودية أن تستفيد من القوة الجنوبية، لكنها لا تزال تتحفظ على مشروعها السياسي. تريد مقاتلي العمالقة في الخطوط الأمامية، لكنها لا تريد الاعتراف بأن هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى شعب له قضية وحدود ومطلب باستعادة دولته. تريد من الجنوب أن يحمي باب المندب ويستعيد الساحل، بينما تصر في خطابها السياسي على إبقائه خاضعاً لوحدة فشلت وتحولت إلى غطاء لحروب متعاقبة.
هذه هي المغازلة السعودية في صورتها الحالية: حديث عن بطولات القوات الجنوبية، واتصالات بقياداتها، وتلميحات إلى منح بعض الشخصيات مواقع متقدمة في مجلس القيادة، من دون تقديم التزام سياسي واضح تجاه مستقبل الجنوب.
ويدخل اسم قائد قوات العمالقة عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي في هذا السياق. فالدفع به إلى واجهة السلطة، أو الحديث عن توسيع صلاحياته، قد يبدو إنصافاً لقائد جنوبي يمتلك قوة ميدانية فاعلة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى وسيلة لاستخدام اسمه وقواته في حرب تقررها الرياض، ثم تحميله مسؤولية نتائجها.
لا يحتاج الجنوب إلى من يمنحه مقعداً في مجلس عاجز، بقدر حاجته إلى اعتراف واضح بحقه في إدارة أرضه وتحديد مستقبله. ولا ينبغي تحويل أي قائد جنوبي إلى غطاء لاستدعاء عشرات الآلاف من المقاتلين نحو الشمال، بينما يبقى القرار العسكري والسياسي في يد السعودية.
لقد جُرّب هذا المسار من قبل. قاتل الجنوبيون الحوثيين منذ اللحظة الأولى، وحرروا عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة، وأسهموا في تأمين باب المندب والساحل الغربي. كما خاضت القوات التي بنتها ودربتها الإمارات معارك ناجحة ضد تنظيمي القاعدة وداعش، وأعادت الأمن إلى المكلا ومدن أخرى.
لكن تلك النجاحات لم تتحول إلى مكاسب سياسية للجنوب. فكلما انتهت معركة، عاد الخطاب الرسمي إلى الحديث عن الوحدة، وتأجلت القضية الجنوبية، وأُعيد توزيع السلطة لمصلحة القوى التي تراجعت أمام الحوثيين أو تجنبت مواجهتهم.
وحين تحرك المجلس الانتقالي لتثبيت مشروعه، لم تتعامل معه السعودية بوصفه شريكاً قدم التضحيات، بل بوصفه تهديداً ينبغي تفكيكه. وشنت في مطلع العام حرباً أخرجت الإمارات من المعادلة، وأقصت المجلس، وسمحت بإعادة توطين خصومه السياسيين والعسكريين داخل مؤسسات السلطة.
لم تؤد تلك الحرب إلى تقوية الجبهة المناهضة لإيران، بل حدث العكس. خرجت القوة الإماراتية التي كانت أكثر فاعلية في بناء التشكيلات المحلية، وتراجع الدور الجنوبي، وتُرك الساحل لتشكيلات منقسمة ومتعددة الولاءات. وعندما بدأ الهجوم الحوثي، ظهرت النتائج سريعاً في المخا وميون وباب المندب، ثم في جنوب تعز.
لهذا ليست مغازلة الجنوب اليوم خياراً سعودياً مريحاً، بل اعترافاً غير معلن بأن الرياض لا تستطيع خوض الحرب الجديدة من دون القوات التي حاولت إبعادها.
غير أن الجنوب الذي تخاطبه السعودية اليوم ليس جنوب عام 2015. فقد راكم تجربة قاسية مع الوعود المؤجلة، ودفع ثمناً باهظاً في الجبهات، ثم وجد نفسه محروماً من القرار السياسي ومن حقه في إدارة أرضه. كما أن حرب يناير/كانون الثاني أحدثت شرخاً عميقاً في العلاقة مع الرياض، ولا يمكن تجاوزه باتصال أو تعيين أو حزمة دعم مؤقتة.
جاء إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي العربي التعبئة الشعبية العامة في هذه اللحظة ليضع حداً فاصلاً بين أولويتين مختلفتين. حكومة المنفى تدعو إلى النفير لاستعادة مناطق الشمال وتنفيذ خطة تقودها السعودية، بينما يدعو المجلس الانتقالي إلى التعبئة دفاعاً عن الجنوب وقضيته وحدوده.
الفرق ليس لغوياً. فالتعبئة الجنوبية ترتبط بمشروع سياسي معلن، وبحماية الأرض من الحوثيين والتنظيمات الإرهابية ومحاولات فرض الوصاية. أما دعوة رشاد العليمي، فلم تحدد من يقود الحرب، ولا أين تبدأ، ولا ما الذي سيحصل بعد استعادة المناطق، ولا موقع القضية الجنوبية في أي تسوية مقبلة.
وتحمل رسالة عيدروس الزبيدي إلى القوات الجنوبية المرابطة في الجبهات والحدود المعنى نفسه. فقد أكد الثبات على العهد للشهداء والشعب والوطن، وتحدث عن وقت مناسب لتلبية نداء الشعب. لم يضع قوات الجنوب تحت إمرة الحرب السعودية، ولم يعلن رفض مواجهة الحوثيين، بل ربط أي تحرك بالقرار والمصلحة الجنوبيين.
وهذا هو الموقف الذي ينبغي البناء عليه. فالخطر الحوثي حقيقي، وسقوط التربة يقرب الجماعة من لحج، ويضع طريق هيجة العبد وطور الباحة تحت ضغط مباشر. كما أن السيطرة على المرتفعات المحيطة بالحجرية تمنح الحوثيين قدرة أكبر على مراقبة خطوط الإمداد والاقتراب من الأراضي الجنوبية.
ليس من مصلحة الجنوب ترك الحوثيين يتقدمون حتى حدوده، لكنه ليس مطالباً أيضاً بتحرير صنعاء نيابة عن حكومة تعيش في الرياض، ولا باستعادة معاقل حزب الإصلاح بعد أن استخدم الحزب قواته ونفوذه مراراً ضد المشروع الجنوبي.
يمكن للقوات الجنوبية أن تحمي حدودها، وتعزز مواقعها في لحج والضالع وأبين وشبوة، وتمنع أي اختراق نحو عدن وباب المندب، من دون أن تتحول إلى قوة احتياط سعودية. ويمكنها أن تتعاون في مواجهة الحوثيين ضمن شراكة واضحة، لا في إطار أوامر تصدر من الخارج ولا تعترف بحق الجنوب في تقرير مصيره.
أما الإخوان، فعليهم أن يواجهوا حقيقة خسارتهم في تعز. فالتربة لم تسقط بسبب قوة الحوثيين وحدها، بل بسبب هشاشة منظومة عسكرية ظلت مرتبطة بالحسابات الحزبية، وانشغلت سنوات بصراعات جانبية واستنزفت خصومها في المعسكر المناهض للجماعة.
كان يفترض أن تكون الحجرية نموذجاً لقدرة الإصلاح على إدارة منطقة وحمايتها، لكنها تحولت إلى مثال جديد على اتساع الفارق بين حجم النفوذ السياسي والقدرة القتالية. وحين جاءت لحظة الاختبار، تراجعت القوات، وانتقلت المعركة إلى أبواب الجنوب.
هذه الخسارة ستدفع السعودية إلى زيادة الضغط على القوات الجنوبية. وقد تستخدم المال والمناصب وإعادة هيكلة مجلس القيادة وسيلة لإقناع بعض القيادات بالعودة إلى الحرب. لكن أي قبول جنوبي ينبغي أن يرتبط بشروط واضحة، لا بمجاملات أو وعود لا تعيش أطول من المعركة.
على الرياض أن تعترف أولاً بأن سياستها أضعفت جبهة مواجهة الحوثيين، وأن حربها على الجنوب لم تخدم سوى الجماعة وإيران. وعليها أن توقف استخدام حزب الإصلاح والمجالس المصطنعة أدوات لمحاصرة القضية الجنوبية، وأن تتعامل مع المجلس الانتقالي باعتباره ممثلاً لقوة سياسية وشعبية لا يمكن تجاوزها.
كما يتعين أن تكون مهام القوات الجنوبية محددة: حماية الجنوب، وتأمين باب المندب، ومواجهة أي خطر يهدد أراضيه ومياهه. أما إرسالها إلى حرب مفتوحة في عمق الشمال، فيجب ألا يحدث من دون اتفاق سياسي يحدد طبيعة الشراكة ومستقبل الجنوب وضمانات تنفيذ ما يتم التوافق عليه.
لقد بدأت السعودية حرباً جديدة وهي في أضعف وضع ميداني منذ سنوات. فقدت مواقع مهمة في الساحل، وتعرضت منشآتها ومدنها للهجمات، وخسر حلفاؤها في الإصلاح معقلاً رئيسياً في تعز. وفي الوقت نفسه، لا تزال واشنطن وتركيا وباكستان تبتعد عن المشاركة القتالية المباشرة، تاركة الرياض أمام حاجتها إلى قوة برية محلية.
ولهذا عادت السعودية إلى مغازلة الجنوب. لا لأنها حسمت موقفها لمصلحة قضيته، بل لأنها اكتشفت أن الحرب لا تُخاض بالبيانات والغارات وحدها، وأن التشكيلات التي راهنت عليها لم تستطع الصمود، وأن القوة التي حاولت إقصاءها هي نفسها التي تحتاج إليها اليوم.
لكن الجنوب ليس مطالباً بإنقاذ السياسة السعودية من أخطائها مجاناً. وإذا أرادت الرياض شريكاً حقيقياً، فعليها أن تقدم شراكة حقيقية. أما إعادة تدوير الوعود القديمة، واستبدال اسم بآخر في مجلس القيادة، ثم إرسال الجنوبيين إلى الجبهات، فلن تكون سوى محاولة لفتح فصل جديد من الاستنزاف.
السعودية أمام فرصة أخيرة لتصحيح علاقتها بالجنوب: الاعتراف بقضيته، واحترام قراره، والتوقف عن توظيف خصومه، وبناء تعاون يقوم على المصالح المتبادلة. والجنوب أمام مسؤولية لا تقل أهمية: حماية حدوده، وعدم السماح للحوثيين بتحويل خسارة الإخوان في التربة إلى بوابة للتقدم نحو لحج وعدن.
وبين الحاجتين تبقى الحقيقة الأوضح: من خسر التربة لا يستطيع أن يقود معركة استعادة صنعاء، ومن حارب الجنوب لا يستطيع أن يطلب قواته بمجرد أن تضيق به الخيارات.


