افتتاحية العدد (182)
بعد خروج الإمارات.. السعودية تخسر أول اختبار عسكري أمام الحوثيين
انكشف الدور السعودي في اليمن على نحو أكثر وضوحاً بعد خروج الإمارات العربية المتحدة من المعادلة العسكرية، وإبعاد المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الجنوبية عن دوائر القرار والتأثير. ففي أول مواجهة حقيقية تخوضها الرياض بعد هدنة طويلة مع الحوثيين، ظهرت فجوة واسعة بين حجم القوة التي تتحدث عنها السعودية وبين قدرتها الفعلية على إدارة الحرب وتحقيق أهدافها.
بدأت المواجهة الجديدة بوصول طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء وما أعقب ذلك من قصف، قبل أن يرتفع الخطاب السعودي إلى مستوى الوعيد بالوصول إلى صنعاء وتغيير موازين المعركة. وكما حدث في محطات سابقة، سبق الضجيج الإعلامي الفعل العسكري، وطغت لغة الاستعراض والمبالغة على التقدير الواقعي لقدرات الخصم وطبيعة الميدان.
لكن الحوثيين لم ينتظروا طويلاً. تحركوا باتجاه التحشيدات التي جمعتها السعودية، واستهدفوا مواقع تضم قوات يمنية وعناصر سعودية، ثم وسعوا هجومهم على الأرض. وخلال فترة قصيرة، سقطت مديريات ومواقع متتابعة، قبل أن يصل التقدم إلى المناطق الاستراتيجية المحاذية لباب المندب، بما وضع أحد أهم الممرات البحرية في العالم أمام تهديد عسكري مباشر.
كانت تلك التطورات كافية لكشف الخلل في الإدارة السعودية للحرب. فالقوات التي دفعت بها الرياض إلى الجبهات تعرضت طوال نحو شهر لقصف مكثف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، من دون أن يوفر الطيران السعودي إسناداً حاسماً يوقف الهجوم أو يحمي المواقع المستهدفة. وفي الساحل الغربي، انهارت أجزاء من قوات الحرس الجمهوري التي راهنت عليها السعودية، وسقطت مواقعها تباعاً أمام الحوثيين.
ولم تكن مشاهد انسحاب بعض الضباط السعوديين من مواقعهم، وتركهم تجهيزاتهم وحتى طعامهم، تفصيلاً هامشياً في المعركة. فقد تحولت تلك الصور إلى مادة للتندر، لأنها اختصرت بصورة قاسية الفارق بين خطاب القوة وسلوك الميدان. فالقيادة التي توعدت بالوصول إلى صنعاء لم تتمكن من تثبيت قواتها في مواقعها أو منع خصمها من التقدم نحو باب المندب.
أعقب الهزيمة تبادل للاتهامات بالخيانة والتقصير، ومحاولات لتحميل القيادات اليمنية المحلية مسؤولية الانهيار. غير أن كثرة الاتهامات لا تغير النتيجة الأساسية: السعودية كانت صاحبة القرار العسكري والسياسي، وهي التي أعادت ترتيب القوى والقيادات ومصادر التمويل والتسليح، ولذلك لا تستطيع التنصل من حصيلة السياسات التي فرضتها.
لقد تولت الرياض إدارة الملف اليمني بعد خروج الإمارات، وأقصت القوى التي امتلكت حضوراً ميدانياً وخبرة قتالية حقيقية، ثم أعادت بناء المشهد وفق حسابات الولاء السياسي لا وفق متطلبات المعركة. وعندما جاء الاختبار، ظهر أن التشكيلات المتعددة التي صنعتها أو أعادت توزيعها لا تملك قيادة موحدة ولا عقيدة قتالية واضحة ولا قدرة مستقلة على الصمود.
أما الإمارات، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى هدف دائم للحملات السعودية والإخوانية، فقد أثبت غيابها حجم الدور الذي كانت تؤديه. فقد ساهمت أبوظبي في بناء قوات جنوبية وساحلية منضبطة، وشاركت في تحرير عدن والمكلا وباب المندب وأجزاء واسعة من الساحل الغربي. وكانت تلك القوات تمثل الجدار البري الأكثر فاعلية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة.
وبعد خروج الإمارات وتفكيك كثير من ترتيباتها العسكرية، لم تقدم السعودية نموذجاً بديلاً، بل استبدلت بالشريك الفاعل منظومة مرتبكة من القيادات التابعة والقرارات المتناقضة. ولهذا لم تكن الهزيمة نتيجة نقص في الأموال أو الأسلحة، وإنما نتيجة غياب الرؤية وسوء إدارة الحلفاء وتغليب الحسابات السياسية الضيقة على متطلبات الحرب.
واليوم، تحاول الرياض التعامل مع آثار الهزيمة عبر تغييرات محتملة في مجلس القيادة الرئاسي، بدلاً من مراجعة أسباب الفشل العسكري والسياسي. ويجري الحديث عن إزاحة رشاد العليمي واستبداله بعضو المجلس وقائد قوات العمالقة عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي، في محاولة تبدو موجهة إلى إعادة استدعاء القوات الجنوبية إلى المعركة وتحميلها مسؤولية إصلاح ما أفسدته الإدارة السعودية.
هذا السيناريو يحمل قدراً كبيراً من الانتهازية السياسية. فالسعودية التي خاضت حرباً ضد الجنوب في مطلع العام، وقصفت قواته وأقصت قياداته وأعادت توطين خصومه السياسيين داخل مؤسسات السلطة، تريد الآن من الجنوبيين أن يعودوا إلى الجبهات للدفاع عن مشروع لم يعترف بحقوقهم ولم يقدم لهم أي أفق سياسي.
وتكمن خطورة الدفع بأبو زرعة المحرمي إلى واجهة السلطة في أن الغاية قد لا تكون منحه صلاحيات فعلية، بل استخدام اسمه وثقل قوات العمالقة لاستدعاء الجنوبيين إلى حرب جديدة شمالاً. وبهذه الطريقة، تتحول القيادات الجنوبية مرة أخرى إلى غطاء محلي لمعركة تقررها الرياض، فيما يتحمل الجنوب كلفتها البشرية والأمنية والاقتصادية.
غير أن الموقف الشعبي في الجنوب تغير كثيراً. فالتجارب السابقة، ولا سيما حرب يناير/كانون الثاني وما أعقبها من قصف وإقصاء وتدهور للخدمات، صنعت وعياً واسعاً بأن استنزاف القوات الجنوبية خارج حدود الجنوب لا يخدم القضية الجنوبية، ولا يوفر ضمانة سياسية لمستقبل شعبه.
ولذلك يبدو الانكفاء الجنوبي عن المعركة مفهوماً، بل ضرورياً في نظر قطاعات واسعة من الشارع. فليس من المنطق مطالبة الجنوب بتحرير صنعاء، بينما ترفض الرياض الاعتراف بحقه في تقرير مصيره، وتضع وحدة اليمن في مقدمة أولوياتها بعد أن كان هدف «عاصفة الحزم» المعلن إنهاء الانقلاب الحوثي وإعادة الحكومة إلى العاصمة.
ويبدو الحوثيون واعين لهذه المعادلة. فالجماعة تتجنب، حتى الآن، تجاوز الحدود باتجاه الجنوب على نحو قد يستدعي القوات الجنوبية إلى المواجهة. وهي تدرك أن فتح جبهة مع الجنوب سيغير طبيعة الحرب، ويوحد قوى ميدانية تملك خبرة في قتالها، بعدما استفادت من بقائها خارج المواجهة الأخيرة.
وفي المقابل، تواصل الجماعة الضغط على السعودية ومهاجمة مواقعها ومنشآتها، وتوظف تقدمها في الساحل وباب المندب لتعزيز موقعها التفاوضي. فهي تريد إبقاء المعركة سعودية–حوثية، ومنع الرياض من إعادة تشكيل تحالف بري جنوبي قادر على إيقافها أو استعادة المناطق التي سيطرت عليها.
أما التغييرات السياسية التي بدأت مؤشراتها في الظهور، فلا تبدو منفصلة عن الإخفاق العسكري. فقد أُرسل عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالله العليمي، المحسوب على جماعة الإخوان والمقرب من السعودية، لإلقاء كلمة اليمن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بدلاً من رشاد العليمي. ويحمل هذا التبديل دلالة تتجاوز الترتيبات البروتوكولية، خصوصاً مع تزايد الحديث عن إعادة هيكلة مجلس القيادة وتقليص عدد أعضائه.
وتكشف هذه التحركات أن الرياض تبحث عن واجهة سياسية جديدة أكثر التزاماً بتوجهاتها، لكنها لم تقدم حتى الآن جواباً عن السؤال الأهم: هل تستطيع التغييرات في الأسماء معالجة أزمة صنعتها طبيعة الإدارة السعودية نفسها؟
المشكلة ليست في رشاد العليمي وحده، ولا في قائد عسكري بعينه. المشكلة في منظومة قرار خارجية حوّلت مجلس القيادة والحكومة إلى أدوات تفتقر إلى الاستقلال، ثم أدارت القوات المحلية بمنطق التجزئة وتعدد الولاءات، قبل أن تطالبها بالصمود في معركة لا تملك قرارها ولا تعرف أهدافها النهائية.
ويأتي ذلك وسط مؤشرات إلى استعدادات لمعركة أوسع. فقد أُوقفت الدراسة الحضورية في الرياض لمدة أسبوع، واستُعيض عنها بالتعليم عن بُعد، وسط قراءات تربط هذا الإجراء باحتمال شن السعودية غارات واسعة على صنعاء، وما قد يتبعها من رد حوثي يستهدف العاصمة السعودية.
وبصرف النظر عن الأسباب الرسمية لتعليق الدراسة، فإن حالة الاستنفار تعكس حجم القلق داخل المملكة من انتقال الحرب إلى عمقها السياسي والاقتصادي. فالرياض تدرك أن أي حملة جوية على صنعاء قد تستدعي رداً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وأن الحوثيين باتوا قادرين على تهديد المطارات ومنشآت الطاقة والمدن الكبرى.
وتجد السعودية نفسها اليوم أمام الخيارات التي حاولت تأجيلها طوال سنوات: إما خوض حرب واسعة بإمكاناتها وتحمل كلفتها من دون ضمان الانتصار، وإما العودة إلى التفاوض مع الحوثيين من موقع أضعف، وإما محاولة جر القوات الجنوبية إلى مواجهة جديدة من دون معالجة القضية السياسية التي دفعتها إلى الابتعاد.
أما التعويل على الولايات المتحدة أو تركيا أو باكستان أو الصين، فقد أثبتت الأحداث محدوديته. تستطيع هذه الدول توفير السلاح والمعلومات والوساطة والتطمينات، لكنها لا تبدو مستعدة لخوض حرب نيابة عن السعودية. حتى واشنطن، التي تمضي في صفقات تسليح ضخمة مع الرياض، لا تريد الدخول في مواجهة مفتوحة قد تمتد إلى إيران وتهدد أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر: السعودية التي قادت تحالفاً عربياً واسعاً عام 2015، وأعلنت أنها ستعيد الحكومة إلى صنعاء، أصبحت بعد أكثر من عقد تبحث عن تدخل أمريكي ودعم استخباراتي إسرائيلي ووساطة صينية وتعاون تركي وباكستاني لحماية أراضيها وممراتها البحرية.
لقد انتهت مرحلة الشعارات. ولا تستطيع الرياض إخفاء نتائج الحرب خلف البيانات أو تحميل الوكلاء المحليين مسؤولية كل انتكاسة. فهي التي امتلكت القرار والمال والسلاح، وهي التي غيرت التحالفات وفككت القوى الميدانية وأقصت الشركاء، ثم وجدت نفسها وحيدة عندما حانت لحظة الاختبار.
ولا يمكن قراءة الفشل الراهن بعيداً عن غياب الإمارات. فقد مثل الدور الإماراتي الجانب الأكثر فاعلية في «عاصفة الحزم»، ليس بسبب الخطاب الإعلامي، بل بسبب النتائج الميدانية التي تحققت في عدن وحضرموت وشبوة والساحل الغربي. وعندما خرج هذا الدور، ظهرت حقيقة الإدارة السعودية عارية من الغطاء الذي وفرته نجاحات أبوظبي وشركائها المحليين.
الأيام المقبلة تبدو مرشحة لمزيد من التصعيد. وقد تحاول السعودية تعويض هزيمتها بحملة جوية واسعة، أو بإعادة تشكيل مجلس القيادة، أو بإغراء بعض القيادات الجنوبية بالسلطة والتمويل. لكن أي معركة جديدة ستظل معرضة للفشل إذا استمرت الرياض في تجاهل أصل المشكلة: لا يمكن إدارة اليمن من الخارج، ولا يمكن بناء جيش من جماعات متنافسة، ولا يمكن مطالبة الجنوب بالتضحية من أجل وحدة فُرضت عليه بالقوة وحُرم باسمها من دولته وقراره.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي طلعة جوية أو تغيير سياسي: هل تستطيع الرياض، بالإدارة نفسها التي قادتها إلى هذه الهزيمة، أن تخوض معركة ناجحة؟ وهل يمكن لمن فكك القوة البرية الأكثر فاعلية، وخسر ثقة الجنوب، وأهدر شراكته مع الإمارات، أن يستعيد باب المندب أو يفرض شروطه على الحوثيين؟
حتى الآن، تقول الوقائع إن السعودية خسرت أول اختبار حقيقي خاضته منفردة بعد خروج الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي من المعادلة. وما لم تعترف بأسباب الهزيمة وتعيد بناء سياستها على شراكة حقيقية مع القوى التي تملك الأرض والشرعية الشعبية، فإن أي حرب مقبلة لن تكون طريقاً إلى صنعاء، بل جولة جديدة في مستنقع يتسع كلما حاولت الرياض إنكار عمقه.


