د. مصطفى عبدالقادر يكتب لـ(اليوم الثامن):

عدالة بلا حصانة: جنيف واختبار المحاسبة الدولية لجرائم النظام الإيراني

تشهد الساحة الإيرانية تصعيداً غير مسبوق في وتيرة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي تتطابق مؤشراتها مع الذعر المتزايد لأركان السلطة في مواجهة المد الشعبي المتصاعد. فخلال السنوات الأخيرة، شهد منحنى الإعدامات قفزات هائلة؛ إذ ارتفع الرقم من 646 حالة عام 2022 ليصل إلى أكثر من 2200 حالة، مترافقاً في عام 2026 مع سوابق خطيرة تمثلت في إعدام العشرات لأسباب سياسية بحتة – في سابقة لم تتكرر منذ مجزرة السجناء عام 1988 – وبقاء المئات رهن الانتظار لتنفيذ الأحكام. وتؤكد هذه الأرقام المفزعة، بالتوازي مع حصيلة الاعتقالات الهائلة في انتفاضات أعوام 2017 و2019 و2022 وصولاً إلى هبة يناير 2026، أن الآكِلة القمعية للنظام تعتمد على الإعدام الممنهج كأداة وحيدة لترهيب مجتمع يغلي بالرفض الجذري للاستبداد.

صفقات المصالح وسقوط العدالة: شهادات قضائية من الذاكرة الأوروبية

في سياق تفكيك أبعاد التغاضي الدولي عن هذه الانتهاكات، تبرز بوضوح طبيعة التخاذل السياسي الذي مارسته بعض الحكومات الغربية لعقود خلت. وفي هذا السياق، كشفت الشهادة التاريخية التي أدلى بها قاضي التحقيق الفرنسي السابق لمكافحة الإرهاب، مارك تريفيديك، عن كواليس الصفقات الدبلوماسية والاقتصادية التي عُقدت مطلع الألفية؛ حيث سعت أطراف غربية لتوقيع عقود مربحة في قطاعات النفط والغاز مع طهران، مقابل استغلال القضاء لأغراض سياسية وملاحقة المعارضة وتلفيق التهم بحقها. وتوضح هذه الوقائع كيف ساهم الصمت الدولي طويلاً في توفير مظلة إفلات من العقاب شجعت النظام على التمادي في ارتكاب جرائمه الممنهجة.

الاعتراف الدولي بتصنيف "الجرائم ضد الإنسانية"

على خط مقابل، تحولت التقارير الصادرة عن المنظمات والمقررين الدوليين إلى وثائق إدانة حاسمة؛ إذ وثّق المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران، جاويد رحمن، مجزرة عام 1988 باعتبارها جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية، وهو ما تكرر في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقارير بعثة تقصي الحقائق ومنظمة العفو الدولية لعامي 2024 و2026. هذه التطورات الحقوقية البارزة تعكس تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي، حيث انتقلت الانتهاكات في إيران من إطار المخالفات المحلية إلى مصاف "الجرائم ضد الإنسانية" التي توجب التحرك الفوري وفق القوانين والمواثيق الدولية.

خريطة طريق محاسبة الاستبداد وآلية العدالة الدولية

في ظل هذا المشهد، تقدمت المعارضة الديمقراطية الإيرانية، عبر المقترحات الموجهة لمؤتمر حقوق الإنسان في مقر الأمم المتحدة بجنيف، برؤية عملية لتفكيك الحصانة الممنوحة لطغمة الحكم. وترتكز هذه الخطة على أربع ركائز أساسية:

  1. الإحالة الأممية: رفع ملف حقوق الإنسان وملف مجزرة 1988 إلى مجلس الأمن الدولي لضمان عدم إفلات المسؤولين من العقاب.
  2. الرقابة الميدانية: إلزام السلطات بقبول زيارات لجان تحقيق دولية مستقلة للسجون.
  3. الولاية القضائية العالمية: تفعيل الملاحقة القضائية بحق رموز النظام المتورطين في جرائم ضد الإنسانية خارج الحدود.
  4. اشتراط العلاقات: ربط أي اتفاقيات سياسية أو اقتصادية مع طهران بوقف عقوبة الإعدام فوراً.

الخاتمة: حتمية المساءلة وبناء الجمهورية الديمقراطية

إن محاصرة النظام الإيراني دولياً وقضائياً لم تعد مجرد مطلب حقوقي، بل هي ضرورة أمنية وأخلاقية لإيقاف آلة الموت والبطش التي تستهدف تطلعات الشعب الإيراني نحو الحرية. إن تضافر الجهود الدولية لإرساء آليات العدالة المحاسبية، إلى جانب نضال وحدات المقاومة في الداخل، يرسمان ملامح المرحلة القادمة؛ مرحلة تتهاوى فيها حصون الديكتاتورية لتفسح المجال أمام إرساء جمهورية ديمقراطية مستقلة تقوم على سيادة الشعب واحترام حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي