رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):
واشنطن وطهران… من يكسر أولاً؟ معركة الإرادات التي تهدد الشرق الأوسط
ثمة لحظات في السياسة الدولية لا تحتمل الأنصاف. إما تصعيد كامل، أو تراجع يُحسب على صاحبه إلى الأبد. وهذه هي اللحظة التي تعيشها العلاقة الأميركية الإيرانية اليوم.
لم يعد الحديث عن “أزمة نووية” كافياً لوصف ما يجري. فالملف الإيراني تحوّل إلى معركة نفوذ شاملة، تتقاطع فيها العقوبات مع النفط، والدبلوماسية مع الردع العسكري، ومضيق هرمز مع مستقبل الاقتصاد العالمي بأسره.
منطق القوة لا منطق الحوار واشنطن، في عهد ترامب، لا تتعامل مع طهران بلغة التفاهمات المتبادلة، بل بلغة الإنذارات. الرسالة الأميركية بسيطة وقاسية في آن: إما تنازل حقيقي وشامل، أو استمرار في عزلة اقتصادية خانقة. لم يعد المطلوب توقيع اتفاق يُرضي الجانبين، بل اتفاق ينهي القدرة الإيرانية على المناورة نهائياً.
وفي المقابل، تجد طهران نفسها في موقع من لا يملك رفاهية الاختيار. اقتصاد منهك، عملة متهاوية، صادرات نفطية مضطربة، وشارع داخلي بدأ يسأل: إلى متى نتحمل ثمن معركة لا نرى نهايتها؟
ورقة هرمز… السلاح الأخير حين تضيق الخيارات أمام أي طرف، يلجأ إلى أقوى ما يملك. وإيران تملك الجغرafia. مضيق هرمز ليس ممراً مائياً عادياً، إنه شريان حياة لأسواق الطاقة العالمية. ومن هنا، فإن أي اهتزاز فيه لا يبقى شأنا ثنائياً بين طهران وواشنطن، بل يتحوّل فوراً إلى أزمة تطال الخليج وآسيا وأوروبا معاً.
هذه هي المعادلة التي تراهن عليها طهران: أن تجعل كلفة الضغط عليها كلفة على العالم كله، لا عليها وحدها.
من يتحمل الانتظار أطول؟السؤال لم يعد “من الأقوى عسكرياً؟”، بل “من يصمد اقتصادياً وسياسياً لفترة أطول؟”. فالتاريخ علّمنا أن العقوبات وحدها نادراً ما تُركع الأنظمة؛ أحياناً تدفعها إلى التشدد أكثر، لا إلى التفاوض.
وهنا يكمن الفخ الحقيقي أمام واشنطن: إن نجحت في تحويل الضغط الاقتصادي إلى تنازل سياسي، فهي رابحة. أما إن فشلت، فستجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: حرب استنزاف مفتوحة، أو عودة إلى طاولة تفاوض بشروط أضعف مما بدأت به.
خط النهاية غير مرئي المشكلة اليوم ليست في غياب الوسطاء، بل في أن سقف المطالب ارتفع أكثر مما تحتمله أي تسوية سريعة. والثقة بين الطرفين لم تعد موجودة أصلاً لتُبنى عليها مفاوضات جادة.
وفي مناخ كهذا، يكفي حادث عسكري عابر، أو خطأ في الحسابات، لتنفجر المنطقة بأكملها.
الحقيقة الصعبة التي يتجاهلها كثيرون: لا واشنطن قادرة على فرض إرادتها بلا ثمن، ولا طهران قادرة على الصمود إلى الأبد بلا انهيار داخلي. وبين الطرفين، يقف الشرق الأوسط، كعادته، رهينة صراع لم يُستشر فيه أحد.


