د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

استراتيجية الاستنزاف ومأزق التغيير

   تشهد السياسة الإقليمية والدولية تحولاً في المقاربات المتعلقة بالملف الإيراني؛ حيث بات السؤال لا يتمحور حول "ماذا يريد النظام؟" فحسب بل "كيف يفكك النظام أزماته البنيوية؟".. وفي ظل التوترات المتصاعدة في عام 2026 تبرز تحذيرات استراتيجية من أن طهران لا تسعى فقط إلى تعزيز نفوذها بل تتبع استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تهدف إلى إنهاك القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، في صراعات لا تُحسم عسكرياً فحسب بل تستهلك أيضاً الموارد والإرادة السياسية.

عقيدة الاستنزاف.. الحرب أداةٌ للبقاء

التحليلات الراهنة التي تعززها أُطروحاتٍ لمراقبين مثل كاظم كازرونيان تُشير إلى أن حرس النظام الإيراني يتبنى فلسفة قتالية غير متكافئة.. هذه الفلسفة لا تقوم على تحقيق انتصارات تقليدية في ساحات المعارك بل على تعظيم التكاليف على الخصم الدولي.. فبينما تُنفذ عمليات التخريب أو التهديدات العسكرية بتكاليف مادية زهيدة تُجبر القوى الغربية على إنفاق مليارات الدولارات في إطار استراتيجيات الدفاع أو الردع.

هذا التكتيك ليس مجرد خيار خارجي بل هو أيضاً أداة قمع داخلي؛ إذ تستغل القيادة في طهران حالة "الحرب المستدامة" لفرض قيود صارمة على المجتمع، وتقديم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية كضريبة ضرورية لـ "المواجهة مع الاستكبار" مما يسمح لها بامتصاص الضغوط الشعبية وتأجيل استحقاقات التغيير الديمقراطي.

تصدعات الداخل.. ومؤشرات الضعف البنيوي

خلف الصورة المتماسكة التي يحاول نظام الملالي تصديرها تعاني السلطة في إيران من تصدعات هيكلية بدأت تطفو على السطح بشكل أكثر وضوحاً في العام الجاري.. وإن الاستقالات المتوالية في الصفوف الأولى وتضارب القرارات، وحالة التخبط في مواجهة الأزمات تشير إلى أن قيادة النظام الحاكم في إيران تعيش حالة من الهستيريا في بنيتها المؤسساتية.

يحاول هذا النظام الفاشي يائساً ترميم هذه التصدعات؛ فلجأ إلى تكثيف سياسات القمع الدموي بما في ذلك زيادة وتيرة الإعدامات التي طالت معارضين سياسيين لا سيما أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية وناشطين شاركوا في موجات الاحتجاجات الأخيرة؛ هذا التوجه يعكس قراءة النظام بأن التهديد الوجودي ليس خارجياً بل يكمن في إمكانية تبلور حركة شعبية منظمة قادرة على استغلال لحظة الضعف الناتجة عن تآكل القيادة العليا.

"النقطة العمياء" في السياسة الغربية

تكمن المفارقة في السياسة الخارجية الغربية وتحديداً الأمريكية في التركيز شبه الحصري على المسار النووي والمفاوضات التقنية مع تغييبٍ متعمدٍ للجوانب البنيوية والمطالب الشعبية في إيران، وهو ما يصفه الخبراء بـ النقطة الاستراتيجية العمياء.. فبينما يغرق الغرب في محاولات احتواء طموحات النظام النووية عبر محادثات طويلة الأمد يتجاهل في الوقت ذاته المكون الأكثر حيوية في معادلة القوة داخل إيران وهو المقاومة المنظمة.

إن الرهان على تغيير سلوك النظام عبر الاتفاقيات والمسار الدبلوماسي أمرٌ أثبت محدودية نجاعته على مدار أربعة عقود ونيف.. وفي المقابل تبرز دعوات من قوى المعارضة مثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بقيادة السيدة مريم رجوي إذ تطرح بديلاً ديمقراطياً يرتكز على القدرات المتعاظمة لهذا الائتلاف ودور وحدات المقاومة وما يمكنها تحقيقه داخل البلاد، ويجادل أنصار هذا الطرح بأن أي استراتيجية دولية لا تأخذ في الاعتبار "العامل الشعبي" ستكون بلا مصداقية وستظل قاصرة وعاجزة عن إحداث تحول حقيقي.

نحو إعادة صياغة الاستراتيجية

إن الواقع الاستراتيجي اليوم يفرض على القوى الدولية مراجعة جذور نهجها في التعامل مع الملف الإيراني؛ فسياسة الاحتواء التقليدية قد تكون قد وفّرت قدراً من الاستقرار المؤقت لكنها فشلت في منع النظام من التحول إلى قوة مزعزعة للاستقرار الإقليمي ولم تثبت مصداقيتها فيما يتعلق بدعم المطالب الشعبية بالحرية والديمقراطية وتحسين الظروف الحياتية للشعب الإيراني.

إن البديل المطروح يتطلب التحول من التركيز على "إدارة الأزمة" إلى دعم إرادة التغيير الشعبية، وهذا لا يعني تبني خيار التدخل العسكري المباشر الذي يرى المراقبون أن عواقبه السلبية تفوق مكاسبه بل يعني اعتماد استراتيجية ضغط سياسي متعددة الأبعاد؛ تستهدف رفع تكاليف الاستمرار في نهج النظام الحالي بالتوازي مع فتح مسارات سياسية وتنظيمية تمنح القوى الديمقراطية داخل إيران المساحة اللازمة للتحرك والتأثير.

 إن التغيير الذي ينبع من الداخل يظل هو الخيار الأكثر ديمومة شريطة أن يجد بيئة دولية لا تقايض تطلعات الشعوب بمصالح مؤقتة مع الأنظمة المستبدة.. وفي الختام يظل الموقف الإيراني أمام منعطف تاريخي حيث يواجه نظام الملالي ضغوطاً متصاعدة داخلياً وخارجياً.. وبينما يراهن النظام على "زمن الاستنزاف" تراهن القوى الوطنية المعارضة على "إرادة التغيير".. وما بين هذين الرهانين تبقى الحقيقة الثابتة أن استقرار المنطقة يظل رهناً بمسار تحول سياسي داخلي شامل بعيداً عن وهم الاستقرار الذي تفرضه القبضة الأمنية.

د. سامي خاطرآكاديمي وأستاذ جامعي