عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):
مأسسة "الأبارتهايد الرقمي": هندسة السيطرة عبر الإنترنت الطبقي في إيران
تمثل السياسات الأخيرة التي أقرتها سلطات نظام الملالي في طهران وبإشراف مباشر من المجلس الأعلى للأمن القومي تحولاً جذرياً في عقيدة التعامل مع الفضاء السيبراني.. فمن استراتيجية "الحجب الشامل" التي أثبتت كُلفتها الاقتصادية العالية وفشلها التقني أمام الشبكات الافتراضية الخاصة انتقل النظام إلى مرحلة "الهندسة الطبقية" للوصول الرقمي؛ هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تقييد المعلومات بل إلى إعادة صياغة المجتمع رقمياً وفق تراتبية الولاء والوظيفة فيما يمكن تسميته بـ الأبارتهايد الرقمي الممنهج.
الإنترنت المستقر غطاء اقتصادي لأهداف أمنية
تحت مسمى "الإنترنت الدولي المستقر" تروج اللجنة البرلمانية للصناعة والتعدين بلسان رئيسها رضا علي زاده لمبادرة تمنح حاملي البطاقات التجارية وصولاً متميزاً للشبكة العالمية، ورغم التسويق لهذه الخطوة بوصفها ضرورة لإنقاذ النشاط التجاري من الانهيار إلا أن التحليل العميق يشير إلى أنها آلية لفرز المجتمع إلى فئتين: فئة "مرضي عنها أمنياً" تُمنح حق الاتصال لإدارة دولاب الدولة الاقتصادي، وفئة "عامة الشعب" التي تظل رهينة العزلة الرقمية، وحقيقة الأمر إن هذا الوصول الانتقائي يهدف إلى تحييد الطبقة التجارية والنخب الاقتصادية وفصل مصالحها ووجودها عن المطالب الشعبية بـ التواصل الحر.
هيكلية "الإنترنت الاحترافي" ونظام الولاء
تتبلور ملامح المشروع الجديد فيما يُعرف بـ الإنترنت الاحترافي، وهو نظام اتصال مقيد ومراقب بدقة لا يُتاح إلا بعد فحص أمني مكثف وتوقيع تعهدات رسمية بالالتزام باللوائح القمعية، واستراتيجياً يمثل هذا التوجه السير نحو تحويل الإنترنت من "حق إنساني" إلى "امتياز سيادي" يُمنح مقابل الولاء؛ ومن خلال فرض رسوم باهظة تصل إلى ملايين التومانات سنوياً، يضمن النظام حصر التواصل الخارجي في أضيق نطاق ممكن مع إخضاع كل "جيجابايت" للمراقبة اللحظية مما يجعل من الخصوصية الرقمية ترفاً معدوماً في البيئة الإيرانية الحالية.
العزلة الجماعية كأداة إستبدادية لـ "الضبط الاستباقي"
بينما تنعم الكيانات القانونية بـ "فتات" الوصول المستقر يرزح ملايين المواطنين تحت وطأة انقطاع فعلي تجاوز الخمسين يوماً في بعض الفترات الحرجة.
إن هذا العقاب الجماعي الرقمي يعكس إدراكاً عميقاً لدى النظام الكهنوتي بأن تدفق المعلومات هو الوقود الأول لـ الانتفاضات الشعبية.. لذا فإن سياسة العزلة ليست مجرد إجراء تقني بل هي استراتيجية "ضبط استباقي" تهدف إلى تفتيت الكتلة الحرجة في الشارع ومنع التنسيق الميداني عبر منصات التواصل العالمي مما يحول المجتمع إلى جزر معزولة رقمياً.
تدجين النخب وحصار الفضاء الأكاديمي
لم تتوقف السياسة الطبقية عند حدود التجارة بل امتدت لتشمل الأوساط الأكاديمية؛ فمنح باقات إنترنت خاصة لأساتذة الجامعات بشروط صارمة يهدف إلى "تدجين النخب" ووضع إنتاجها المعرفي وتواصلها الدولي تحت المجهر الأمني.. هذه الخطوة تسعى إلى ضمان عدم تحول الجامعات إلى منصات لتصدير ونشر الوعي بالحقوق المدنية من خلال ربط الامتيازات المهنية بالامتثال التام للخطوط الحمراء التي تضعها أجهزة الاستخبارات.
شبكة وهمية وسيادة أمنية مطلقة
يبقى السؤال الجوهري حول جدوى هذا "الإنترنت المستقر" في ظل استمرار حجب المواقع الكبرى وتعطيل الشبكات الافتراضية الخاصة، وإن هذا الواقع ليؤكد أن هذه المبادرة لا تعني استعادة الحرية الرقمية بل هي "شبكة وهمية" تمنح وصولاً تقنياً لخدمات محددة دون السماح بالانفتاح الحقيقي، والهدف الاستراتيجي هنا هو منع الانهيار الاقتصادي التام مع الحفاظ على السيطرة الأمنية المطلقة في محاولة لخلق توازن مستحيل بين متطلبات العصر وأدوات القمع القروسطية.
مآلات الانقسام الرقمي
إن تكريس الفصل العنصري الرقمي في إيران يؤسس لشرخ مجتمعي سيصعب علاجه مستقبلاً، وقد اعتمد نظام الملالي هذا النهج منذ وصوله إلى السلطة.. وبينما يظن هذا النظام أن هذه السياسة ستحميه من "رصاصة الوعي" فإنها في الواقع تزيد من حالة الاحتقان الطبقي والسياسي.
إن المراهنة على خنق التواصل الحر قد تنجح مؤقتاً في ضبط الإيقاع الأمني؛ لكنها استراتيجياً تعمق العزلة الدولية للنظام وتجعل من الانفجار الشعبي القادم أكثر راديكالية؛ حيث يدرك المواطن الإيراني أن كافة حقوقه ومنها الحقوق الرقمية والسياسية قد أصبحت رهينة نظام يرى في "الارتباط بالعالم" تهديداً وجودياً لبقائه.


