عبدالرحمن كوركي مهابادي يكتب لـ(اليوم الثامن):

إيران.. «علم» النضال ضد الديكتاتورية!

يُسمع هذا الصوت من الشعب الإيراني: «لم نثُر ليكون مصيرنا التبعية والديكتاتورية من نوع آخر». إنهم يقولون: «نحن شعب إيران نملك حق تقرير المصير، وقد انتهى عصر الديكتاتورية في إيران».

نهاية عصر تجاهل الحقيقة الإيرانية

هذا الصوت يحمل معناه ومفهومه للأطراف التي تفقه «العلم» و«المعرفة»، ويدلنا على اتجاه البحث عن الحقيقة الإيرانية؛ الحقيقة التي صاغها صدى نضال دموي استمر لعقود، بل ربما لمئات السنين. لذا، يجب الاستماع لهذا الصوت، فقد انتهى زمن تجاهله.

الهدف من مفاوضات النظام الإيراني

بناءً على الأخبار المنشورة، طلب النظام وقف إطلاق النار والمفاوضات. ورغم أن تشكيلة وفد النظام منذ البداية تعكس «ضعفاً» مطلقاً ومحاولة «خداع» في خضم الحرب، إلا أن أخباراً أخرى تؤكد حقيقة هذا الضعف والخداع. إن دخول عدد من القوات الوكيلة للنظام إلى داخل إيران لقمع الشعب، وتصعيد قمع المعارضين، وتهديدات النظام في المنطقة، والأهم من ذلك رعب النظام من انتفاضة الشعب، كلها تشير إلى حالة من الانكماش ومزيد من «عسكرة» الدولة (الباسدارية). إن الإعدامات الأخيرة لم تكن مجرد أداة في هذا الجهاز، بل أظهرت للجميع العنوان الدقيق لـ «البديل الديمقراطي».

تعتيم القرن

لا يخفى على أي باحث عن الحقائق في المشهد الإيراني أن ما يرعب النظام وأدى إلى «تعتيم إعلامي عالمي» هو سطوع مقاومة الشعب الإيراني وإعلان الحكومة المؤقتة للجمهورية الديمقراطية من قبل السيدة مريم رجوي. الجميع يدرك لماذا تشكل هذا «التعتيم»، ولماذا تتهرب الحكومات ووسائل الإعلام التابعة لها من الاعتراف بهذه الحقيقة.

لهذا السبب، كان دعم المقاومة الإيرانية منذ البداية هو الخيار «الأكثر حظرا»، وإن أي دعم من هذا القبيل يثير ردود فعل هستيرية من النظام أكثر من أي «صواريخ» أو «قنابل»، لأن آثاره تستهدف مباشرة جوهر وبقاء النظام.

الحرب والمهادنة أم السلام والحرية

رغم أن المفاوضات والاتفاقات ووقف إطلاق النار أو استمراره هي مواضيع الساعة فیما یتعلق بِیران، إلا أن أيًا منها لا يمثل الجوهر الحقيقي. فيما يخص النظام الحاكم، فهو يريد «الحرب» و«المهادنة». أما الشعب والمقاومة الإيرانية، وفي النقطة المقابلة تماماً، فيريدون «السلام والحرية». هذه حقيقة لا يمكن إنكارها خلال العقود الخمسة الماضية. نتذكر جميعاً كيف وصف خميني الحرب مع العراق بأنها «موهبة إلهية» وقال إنه سيحارب حتى آخر طوبة! لأن هذا النظام وهذا الفكر يعتاشان على الحرب والمهادنة، كما يعتاشان في الداخل على القمع والإعدام. الحرب مع العراق كانت رغبة خميني ولم يرضخ للسلام أبداً، وحرب الشرق الأوسط أشعلها هذا النظام أيضاً. لذا، الحرب جزء لا يتجزأ من كيان هذا النظام غير الشرعي.

بناءً على ذلك، الشعار الرئيسي للشعب والمقاومة هو «السلام» و«الحرية». وإذا كان النظام لا يزال قائماً حتى اليوم، فليس ذلك بسبب «قوته» أو «مشروعيته»، بل بسبب «ضعفه» و«تعاون» أصحاب سياسة «المهادنة» أو «الحرب الخارجية» معه.

الانتفاضة حتى الإسقاط

«الانتفاضة» ضد الديكتاتورية لها أشكال مختلفة، ولكن ما يقصده الكاتب هو الانتفاضة «النارية» المستمرة منذ سنوات داخل إيران على يد وحدات المقاومة. هذه الانتفاضة ستزيل في النهاية الشوارع والمدن، ثم الحكومة. النظام يدرك رسالة هذه الاستراتيجية جيداً، ولهذا السبب يكمن رعبه الأساسي في «انتفاضة الشعب» والسيطرة على الشوارع. ليس من قبيل الصدفة أنه في خضم المهادنة أو الحرب الخارجية، تصب القوات الحكومية ومسؤولوها غضبهم على هذه القوة ويعدمون سجناءها، لأنهم يعرفون ماذا قال مؤسس نظامهم عام 1980 حين حذر من أن التهديد الحقيقي هم هؤلاء الذين يتواجدون بجانبنا، وليس أمريكا أو غيرها.

من وجهة نظر النظام الحالي، فإن الشيء "الجيد" هو كل ما يضمن بقاء هذا النظام. هذه هي نفس السياسة الماكيافيلية البحتة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 500 عام ويعرفها الجميع. وخلال الحكم الشؤم لهذا النظام الديني، رأى العالم بأم عينه كيف اتبع مسؤولو هذا النظام هذه السياسة، وسعوا بكل وسيلة ممكنة من أجل بقاء حكمهم غير المشروع.

إيران المدمرة

من بين خيانات الأنظمة الديكتاتورية في إيران هو تدمير البلاد. إن حماية الثقافة والحضارة الإيرانية العريقة هي مجرد كذبة محضة في ادعاءاتهم، فهم كانوا ولا يزالون ضد إيران والإيرانيين؛ سواء الديكتاتورية الحاكمة أو ديكتاتورية بهلوي الساقطة. الديكتاتورية الحالية تضرب طبول «الحرب والدمار»، وبقايا الديكتاتورية السابقة يتطلعون إلى حرب خارجية تزيد من الدمار ليصلوا هم إلى السلطة، وهذا يعني التبعية للقوى الكبرى والافتقار للمبادئ الشعبية والجمهورية. القاسم المشترك بينهما هو تدمير بلد يمتد تاريخه لآلاف السنين.

الكلمة الأخيرة

النضال ضد الديكتاتورية في أي أرض هو، قبل كل شيء، «علم» يجب تعلمه، وتجاهله يؤدي بصاحبه إلى الهزيمة. إن إسقاط الديكتاتورية يحتاج إلى قوة مقاتلة ومضحية من أجل الحرية، قوة عملت لسنوات طويلة ومستعدة لدفع الثمن. الحرب الخارجية أو المهادنة ليستا من جنس الحل، بل إن الرابح في أي تحول في هذا السياق هو القوة المناضلة من أجل الحرية.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني