عبد العزيز الخميس يكتب:
ما بعد الحرب: من يكتب قواعد الإقليم؟
ليس السؤال اليوم ما إذا كانت الحرب قد انتهت. هذا سؤال ساذج، أو على الأقل سؤال متأخر. المدافع قد تهدأ، والهدنة قد تُعلن، وبيانات التهدئة قد تتزاحم على الشاشات، لكن ذلك كله لا يعني أن الحرب انتهت بالمعنى الحقيقي. ما انتهى، ربما، هو جولة من القتال. أما الصراع الفعلي، فقد انتقل الآن إلى مستوى أخطر: من الذي سيكتب قواعد الإقليم بعد هذه الحرب؟
هذه هي المسألة الحقيقية.
فالمنطقة لا تقف أمام سلام مستقر، بل أمام لحظة إعادة تشكيل. إيران خرجت من الحرب مثقلة بالخسائر، متراجعة في خطابها، ومضطرة إلى التعامل مع وقائع لم تكن تريد الاعتراف بها. لكنها، رغم ذلك، لن تتوقف عن محاولة إعادة إنتاج نفوذها. وإسرائيل، وقد رسخت تفوقها العسكري في هذه الجولة، لن تكتفي بما تحقق ميدانياً، بل ستسعى إلى ترجمة ذلك إلى قواعد أمنية طويلة المدى. أما الولايات المتحدة، فإنها تبدو معنية بإدارة التهدئة ومنع الانفجار الأكبر، لا ببناء نظام إقليمي عادل ومتوازن. وبين هؤلاء جميعاً، تقف دول المنطقة أمام اختبار بالغ الخطورة: هل ستكون شريكاً في صياغة ما بعد الحرب، أم مجرد متلقٍ لنتائجها؟
الخطر هنا لا يكمن فقط في إيران، بل في الطريقة التي يُعاد بها عادة ترتيب الشرق الأوسط: قوى كبرى تتفاوض، قوى إقليمية تتحرك، ودول الجوار تدفع الثمن ثم تُدعى لاحقاً للتكيف مع ما تقرر فوق رؤوسها. هذه هي المعادلة التي يجب كسرها الآن، قبل أن تُكرَّس من جديد.
لقد كشفت الحرب الأخيرة عن حقيقة لا ينبغي التردد في قولها: الأمن القومي في الخليج والعالم العربي لم يعد يُختزل في حماية الحدود أو صدّ الصواريخ فحسب. الأمن القومي اليوم يعني حماية المضائق البحرية، ومحطات التحلية، والموانئ، وسلاسل الإمداد، ومنشآت الطاقة، والبنية المدنية التي تقوم عليها الحياة اليومية والاقتصاد معاً. بمعنى آخر، الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية؛ كانت اختباراً مباشراً لقدرة دول المنطقة على حماية شروط بقائها واستقرارها.
وهنا تظهر خطورة السلوك الإيراني بصورة أوضح. فطهران لم تتعامل مع الإقليم بوصفه فضاء جوار، بل بوصفه ساحة ضغط. لوّحت بهرمز ثم تراجعت. هددت الملاحة ثم تحدثت عن الترتيبات. رفعت السقف دعائياً، ثم هبطت به تفاوضياً. وهذا التناقض ليس مجرد ارتباك سياسي، بل دليل على أن إيران حاولت استخدام الجغرافيا المشتركة كسلاح ابتزاز. وحين تصل دولة إلى مرحلة تحويل البحر، والطاقة، والممرات، والبنية الحيوية لجيرانها إلى أدوات تفاوض، فإنها لا تخرق فقط قواعد الأمن؛ إنها تنسف أساس حسن الجوار من جذوره.
من هنا، فإن أي حديث عن مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا يبدأ من سؤال التهدئة، بل من سؤال الشروط. ما الذي يجب أن تطلبه دول المنطقة الآن؟ وما الذي ينبغي أن ترفضه بصورة قاطعة؟
أول ما يجب رفضه هو العودة إلى الوهم القديم: وهم أن الملف الإيراني يمكن احتواؤه بمجرد اتفاق يخص النووي وحده. هذه مقاربة ثبت فشلها عملياً وسياسياً. لأن المشكلة لم تكن يوماً في تخصيب اليورانيوم فقط، بل في بنية التهديد كاملة: الصواريخ، المسيّرات، الأذرع، تهديد الملاحة، واستباحة مفهوم السيادة لدى الجوار. أي اتفاق مقبل لا يشمل هذه العناصر ليس اتفاقاً يمنع الحرب، بل اتفاقاً يؤجل الجولة التالية منها.
وثاني ما يجب رفضه هو أن تُختزل دول المنطقة في دور “المتأثر” لا “الشريك”. من يدفع كلفة الهجمات والتهديدات وارتفاع التأمين وتعطل الإمداد وتوتر الأسواق، لا يجوز أن يُستبعد من كتابة قواعد الردع والتعويض والضمانات. هذه ليست مسألة بروتوكول دبلوماسي؛ هذه مسألة سيادة ومصلحة مباشرة.
أما ما يجب المطالبة به، فهو واضح. أولاً، تثبيت مبدأ أن أمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها هرمز، ليس ورقة مساومة إيرانية، بل مصلحة دولية وإقليمية غير قابلة للابتزاز. ثانياً، إدراج الصواريخ والطائرات المسيّرة ووكلاء إيران ضمن أي مسار تفاوضي مقبل. ثالثاً، إنشاء آليات تحقق وضمانات واضحة تمنع تكرار الاعتداءات. ورابعاً، وهو الأهم سياسياً وأخلاقياً، فتح ملف التعويضات بصورة جدية، لأن الدول التي تعرضت منشآتها أو مصالحها أو بناها الحيوية للتهديد أو الضرر ليست مطالبة فقط بالصبر، بل من حقها الطبيعي أن تطالب بالمحاسبة والكلفة.
وما ينبغي أن يفهمه صانع القرار العربي اليوم هو أن الهدنة ليست نهاية الخطر، بل بداية لحظة القرار. فإما أن تُستثمر هذه اللحظة في فرض تصور إقليمي جديد للأمن، يقوم على الردع والتمثيل المباشر والضمانات الملزمة، وإما أن تُهدر كما أُهدرت لحظات كثيرة من قبل، فنعود إلى دورة التهديد نفسها مع بعض العبارات الدبلوماسية المنمقة.
المنطقة أمام مفترق واضح. بعد الحرب لن يكون السؤال: من انتصر في الجولة الأخيرة؟ هذا سؤال دعائي يصلح لبيانات التعبئة. السؤال الجدي هو: من يملك حق صياغة النظام الذي سيحكم الإقليم بعد أن هدأت النار؟ هل ستفعل ذلك القوى التي خاضت الحرب؟ أم القوى التي دفعت تكلفتها؟ هل سيُعاد إنتاج منطق الصفقات الكبرى فوق رؤوس أهل المنطقة؟ أم ستفرض دولها هذه المرة حضورها باعتبارها صاحبة الحق والمصلحة والقدرة؟
لهذا كله، فإن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. لقد انتهت جولة النار، وبدأت جولة القواعد. وهذه الجولة أخطر، لأنها هي التي ستحدد إن كانت الحرب الأخيرة استثناءً عابراً، أم نموذجاً قابلاً للتكرار.
ما بعد الحرب ليس سلاماً. ما بعد الحرب هو صراع على تعريف الأمن، وعلى توزيع النفوذ، وعلى من يملك حق كتابة الشرق الأوسط المقبل.
ولو تركت دول المنطقة هذا الفصل يُكتب من دونها، فلن يكون ما بعد الحرب إلا استراحة قصيرة قبل حرب أخرى.


