محمد حسن الساعدي يكتب لـ(اليوم الثامن):
إسرائيل وإيران.. ولعبة شدّ الحبل في الشرق الأوسط
في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب حين تُطلق أول رصاصة، بل حين تفشل السياسة في إنتاج بديل. ما نشهده اليوم بين إيران وإسرائيل لم يعد مجرد تبادل ضربات محسوبة أو حرب ظل تقليدية، بل تحوّل إلى نمط صراع مفتوح على كل الاحتمالات، محكوم بمنطق الردع المتبادل، ومهدد في أي لحظة بالانزلاق إلى مواجهة واسعة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
جوهر هذا الصراع لا ينفصل عن ملف البرنامج النووي الإيراني، الذي يمثل نقطة ارتكاز في معادلة التوتر. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يشكّل هذا البرنامج تهديدًا لتوازنات المنطقة، بينما تراه طهران امتدادًا لحقها السيادي في تطوير قدراتها. هذه الثنائية، التي تبدو للوهلة الأولى قانونية أو تقنية، هي في حقيقتها صراع إرادات: من يملك تعريف “الأمن” ومن يفرض معاييره على الآخر.
العقوبات الاقتصادية كانت الأداة الأكثر استخدامًا في هذا الصراع، وقد أضعفت الاقتصاد الإيراني، لكنها لم تغيّر سلوك النظام جذريًا. هنا تظهر مفارقة كلاسيكية في إدارة الأزمات: الضغط لا يؤدي دائمًا إلى الانكماش، بل قد يدفع إلى مزيد من التصلب. إيران، بدل أن تتراجع، أعادت تموضعها عبر أدوات غير تقليدية، من الصواريخ إلى الطائرات المسيّرة، ومن توسيع النفوذ الإقليمي إلى إدارة التوتر بجرعات محسوبة.
في المقابل، ترى إسرائيل أن المسألة وجودية، لا تقبل التأجيل أو المجازفة. لذلك، انتقلت من سياسة الاحتواء إلى الضربات الاستباقية، مستهدفة ما تعتبره بنية تحتية عسكرية تهدد أمنها. هذا التحول يعكس قناعة متزايدة بأن الزمن لا يعمل لصالحها، وأن أي تأخير قد يرفع كلفة المواجهة لاحقًا.
المشكلة أن هذا الصراع لا يبقى داخل حدوده الثنائية. الخليج، خصوصًا الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، يتحول إلى ساحة اختبار يومي للرسائل المتبادلة. أي احتكاك هناك لا يُقرأ كحادث معزول، بل كجزء من لعبة أوسع تتعلق بأمن الطاقة العالمي. وهنا، تصبح كل ناقلة نفط، وكل تحرك عسكري، قطعة في رقعة شطرنج إقليمية.
أما الساحات الرمادية مثل العراق وسوريا واليمن، فهي تمثل الامتداد الطبيعي لهذا الصراع. إيران تستخدمها لتعزيز عمقها الاستراتيجي، بينما تسعى واشنطن، عبر تحالفاتها مع دول الخليج وإسرائيل، إلى تقليص هذا النفوذ. النتيجة ليست حسمًا، بل استنزافًا متبادلًا، حيث لا أحد ينتصر بشكل كامل، ولا أحد ينسحب.
في قلب هذه المعادلة، تلعب الولايات المتحدة دور الضابط غير المحايد، الداعم لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا، والساعي في الوقت ذاته إلى منع انفجار شامل قد يخرج عن السيطرة. في المقابل، تحاول روسيا استثمار التوتر لتعزيز حضورها، مقدمة نفسها كبديل أو وسيط، لكن بحدود تخدم مصالحها لا أكثر.
الدول العربية تجد نفسها في موقع بالغ الحساسية. بعضها انخرط في ترتيبات أمنية جديدة، وبعضها يراقب بحذر، مدركًا أن أي مواجهة واسعة ستنعكس مباشرة على أمنه واقتصاده. هنا، لا يعود السؤال: مع من تقف؟ بل: كيف تتجنب أن تكون ساحة للصراع؟
المعضلة الكبرى ليست في التصعيد ذاته، بل في غياب أفق سياسي واضح. المفاوضات النووية متعثرة، وقنوات التهدئة ضعيفة، بينما ترتفع وتيرة الرسائل العسكرية. هذه البيئة تُنتج أخطر أنواع الأزمات: تلك التي لا يريد فيها أحد الحرب، لكن الجميع يقترب منها خطوة بعد أخرى.
إيران تراهن على النفس الطويل، وعلى قدرة تعدد الجبهات في استنزاف خصومها. إسرائيل تراهن على تفوقها النوعي ودعم الغرب، لكنها تواجه سؤالًا داخليًا صعبًا: إلى أي مدى يمكن تحمّل حرب ممتدة على أكثر من جبهة؟ بين هذين الرهانين، يتشكل توازن هش، أقرب إلى حبل مشدود فوق فراغ.
في النهاية، الشرق الأوسط لا يقف فقط أمام احتمال حرب، بل أمام اختبار لنموذج إدارة الصراعات فيه. هل تستمر المنطقة في تدوير الأزمات، أم تنجح في إنتاج تسويات—even مؤقتة—تمنع الانفجار الكبير؟ حتى الآن، المؤشرات لا تمنح كثيرًا من الطمأنينة.
وسط كل ذلك، يبقى الثابت الوحيد أن كلفة هذا الصراع لا تُدفع في غرف القرار، بل في حياة الناس. الأمن، الاقتصاد، والاستقرار… كلها تتحول إلى أوراق ضغط في لعبة أكبر من الجميع. وبين شدّ الحبل هذا، قد لا يسقط أحد فورًا، لكن الجميع يقترب من الحافة.

