نظام مير محمدي يكتب لـ(اليوم الثامن):
مقصلة الملالي: هل تخنق الإعدامات صوت الثورة؟
حين تصل السلطة إلى لحظة تشعر فيها أن الأرض تتحرك تحتها، فإنها لا تبحث عن حلول بقدر ما تبحث عن وقت. في إيران اليوم، يبدو أن النظام اختار أقصر الطرق وأكثرها قسوة: الخوف كسياسة، والإعدام كأداة لإدارة هذا الخوف. ما يجري ليس مجرد تصعيد أمني، بل محاولة واضحة لإعادة ضبط الداخل عبر “الهروب إلى الأمام”، حيث تتحول الأزمات الخارجية إلى غطاء، وتتحول السجون إلى خطوط دفاع متقدمة.
النظام، الذي تأسس بعد الثورة الإيرانية 1979 على فكرة الجمع بين العقيدة والسلطة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار مختلف. لم يعد التحدي في الخارج فقط، بل في الداخل الذي تغيّر. الاحتجاجات لم تعد مجرد موجات عابرة، بل أصبحت تعبيرًا متكررًا عن أزمة أعمق تتعلق بالاقتصاد، والهوية، ومستقبل الدولة. وفي هذا السياق، لم تعد “آلة الإعدام” مجرد أداة قانونية، بل تحولت إلى ما يشبه درعًا سياسيًا يحاول تأجيل لحظة الانفجار.
الإعدامات الأخيرة التي طالت عدداً من المنتمين إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، إلى جانب شبان مرتبطين باحتجاجات مطلع عام 2026، لا يمكن فصلها عن هذا السياق. الرسالة واضحة، لكنها مكشوفة أكثر مما يتوقع صانعوها: الردع عبر الصدمة. غير أن التجارب السياسية تقول شيئًا مختلفًا؛ حين يتحول الردع إلى روتين، يفقد تأثيره تدريجيًا، ويتحول الخوف نفسه إلى عامل تعبئة مضاد.
في العمق، ما يقلق النظام ليس فقط الشارع حين يغضب، بل حين يبدأ في التنظيم. هنا يظهر القلق من أي بنية قادرة على تحويل الغضب إلى فعل مستمر. لهذا، يأتي التركيز على ضرب الشبكات المنظمة، وليس فقط تفريق الاحتجاجات. لكن المفارقة أن هذا النوع من القمع، حين يتصاعد، قد يدفع بعض الأطراف إلى تغيير أدواتها، والانتقال من الاحتجاج إلى أشكال أكثر حدة من المواجهة، وهو مسار يحمل مخاطر كبيرة على الجميع.
في طهران، لم تعد السيطرة تُقاس بعدد الحواجز الأمنية، بل بمدى قدرة الدولة على فرض سرديتها. الاعترافات غير المباشرة من داخل المؤسسات الأمنية تشير إلى أن التحدي لم يعد هامشيًا. حين تبدأ السلطة في اتخاذ إجراءات احترازية داخل أجهزتها نفسها، فذلك يعكس مستوى من القلق يتجاوز الخطاب الرسمي. العاصمة، التي كانت تُقدّم كرمز للاستقرار، تتحول تدريجيًا إلى مساحة اختبار يومي بين الضبط والانفلات.
في المقابل، تحاول أطراف معارضة في الخارج، وعلى رأسها شخصيات مثل مريم رجوي، تقديم نفسها كبديل سياسي منظم، يطرح تصورات لمرحلة انتقالية. لكن السؤال الصعب يظل قائمًا: هل يكفي وجود مشروع سياسي في الخارج لإحداث تغيير في الداخل؟ التجارب المقارنة تقول إن الفجوة بين الداخل والشتات تظل واحدة من أعقد معضلات التحول السياسي.
إقليميًا، يلعب النظام ورقته المعتادة: توسيع هامش الحركة خارج الحدود لتخفيف الضغط في الداخل. لكن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها. التكاليف الاقتصادية والسياسية تتراكم، والشارع الإيراني أصبح أكثر حساسية تجاه ما يعتبره “تبديدًا للموارد” في صراعات لا تنعكس على حياته اليومية. هنا، يتقاطع الداخلي مع الخارجي بشكل حاد، ويصبح كل قرار إقليمي عبئًا داخليًا محتملاً.
في النهاية، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا مما يروج له أي طرف. الإعدام قد ينجح في إسكات صوت، لكنه لا ينجح بالضرورة في إنهاء الفكرة. والنظام، رغم قوته الأمنية، يواجه تحديًا لا يمكن حسمه بالقوة وحدها: كيف يحكم مجتمعًا يتغير أسرع مما تتغير أدواته؟ وفي المقابل، تواجه المعارضة تحديًا موازياً: كيف تتحول من حالة رفض إلى مشروع قادر على إدارة دولة؟
ما بين المقصلة والصوت، لا يبدو أن الصراع يقترب من نهايته، بل من مرحلة أكثر حساسية. مرحلة لا يكفي فيها الخوف لضمان البقاء، ولا يكفي فيها الغضب لتحقيق التغيير. إنها لحظة اختبار مفتوحة، حيث كل الاحتمالات قائمة، وكل الأخطاء مكلفة.

