د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

إعدام السياسة: من قزل حصار إلى استعادة نموذج 1988 – هل يقترب النظام الإيراني من مجزرة جديدة؟

حين يتحول السجن إلى رسالة، لا يعود المكان مجرد جدران، بل يصبح لغة سياسية كاملة. ما جرى في سجن قزل حصار خلال الأيام الأخيرة لا يمكن قراءته كحادثة معزولة، بل كإشارة ثقيلة على تحوّل أعمق في بنية النظام الإيراني. الإعدامات التي طالت عدداً من المعارضين، المنتمين إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، تعكس انتقالاً واضحاً من إدارة الأزمة إلى محاولة كسرها عبر أدوات قصوى، حيث لم يعد القمع رد فعل، بل أصبح خياراً مؤسسياً قائماً بذاته.

المشهد هنا لا يتعلق فقط بالأسماء أو الأرقام، بل بالمنطق الذي يحكم القرار. حين تُنفّذ الإعدامات بوتيرة متقاربة، وفي توقيت حساس، فإن الرسالة تتجاوز الداخل لتطال كل من يفكر في تنظيم نفسه خارج عباءة السلطة. النظام، في هذه اللحظة، لا يعاقب بقدر ما يعيد رسم حدود الخوف. إنه يقول، بصيغة غير مباشرة: لا خطوط حمراء بعد الآن، وكل شيء قابل للكسر إذا اقتضت الضرورة.

هذا النمط يعيد إلى الواجهة ذاكرة ثقيلة لا تزال حاضرة في الوعي الإيراني، وهي ما يُعرف بـإعدامات السجناء السياسيين في إيران عام 1988. استدعاء هذا الحدث اليوم ليس مجرد مقارنة تاريخية، بل قراءة في سلوك يتكرر حين يشعر النظام بأن الأرض تهتز تحت قدميه. في ذلك الوقت، لم تكن الإعدامات مجرد إجراءات قضائية، بل كانت عملية إعادة تشكيل قسرية للمجال السياسي عبر الإقصاء النهائي. اليوم، تتشابه المؤشرات: تسارع في التنفيذ، تضييق في المعلومات، وتصعيد في استهداف المعارضة المنظمة.

في قلب هذه المعادلة، يبرز دور القضاء، الذي يفترض أن يكون حَكماً، لكنه يتحول تدريجياً إلى أداة تنفيذ. وفق ما أعلنته اللجنة البريطانية من أجل إيران الحرة، فإن المحاكمات التي سبقت هذه الإعدامات تفتقر إلى المعايير الأساسية للعدالة، ما يجعلها أقرب إلى إجراءات شكلية تمنح الغطاء القانوني لقرارات سياسية مسبقة. هنا، لا يعود القانون إطاراً ناظماً، بل يصبح جزءاً من منظومة الردع.

الحرب، من جانبها، تضيف طبقة أخرى من التعقيد. في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يجد النظام مساحة أوسع لتبرير إجراءاته تحت عنوان “الأمن القومي”. هذه اللحظة الرمادية، حيث تختلط المخاطر الخارجية بالداخلية، تُستخدم لإعادة ضبط المجال العام، وتقليص المساحات المتاحة للاعتراض. إنها معادلة مألوفة: كلما ارتفع صوت الخارج، خفت صوت الداخل قسراً.

لكن ما يلفت النظر أكثر هو أن الرسالة لم تعد موجهة للداخل فقط. التسجيلات والتصريحات التي سبقت بعض الإعدامات، وما حملته من إشارات دعم لشخصيات معارضة مثل مريم رجوي، تعكس صراعاً موازياً على الشرعية. النظام لا يواجه فقط احتجاجاً، بل يواجه سردية بديلة تحاول تقديم نفسها كخيار سياسي جاهز. وهذا ما يفسر، إلى حد بعيد، شدة الاستهداف.

في المقابل، يقف المجتمع الدولي في منطقة رمادية أيضاً. الإدانات تتكرر، والتقارير تتراكم، لكن الفجوة بين الإدراك والفعل ما تزال قائمة. الدعوات لإنشاء آليات مساءلة دولية لم تتحول بعد إلى خطوات عملية، ما يترك الباب مفتوحاً أمام استمرار هذا النمط دون تكلفة حقيقية. السؤال هنا ليس أخلاقياً فقط، بل سياسي أيضاً: إلى أي حد يمكن لنظام أن يذهب في التصعيد قبل أن يُفرض عليه سقف خارجي؟

في النهاية، تبدو الصورة كأنها سباق بين مسارين: مسار يتجه نحو مزيد من الانغلاق والعنف، ومسار آخر يحاول، بصعوبة، فرض قواعد مساءلة دولية. ما يحدث في إيران اليوم ليس مجرد تصعيد أمني، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام على البقاء عبر الخوف، وقدرة العالم على كسر هذه المعادلة قبل أن تعيد إنتاج مآسٍ ظن كثيرون أنها أصبحت جزءاً من الماضي.