عبدالرحمن كوركي مهابادي يكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران بعد القائمة السوداء: نهاية مرحلة أم بداية تصعيد؟
في صباح الثامن والعشرين من يناير، سقط جدار المهادنة الذي طالما أحاط بالسياسات الأوروبية تجاه طهران، حين اتخذ الاتحاد الأوروبي قراراً حاسماً بإدراج «قوات حرس النظام الإيراني» ضمن قائمة المنظمات الإرهابية. لم يكن القرار مفاجئاً لمن تابع مسار هذه المؤسسة منذ تأسيسها، فهي العمود الفقري الذي حافظ على بقاء النظام لعقود عبر القمع المنهجي في الداخل والتدخلات العابرة للحدود في الخارج. ومع تكرار مطالبات الإيرانيين والمجتمع الدولي بإحداث تغيير حقيقي، لم تتبدل طبيعة هذا الجهاز، بل جرى توسيع صلاحياته ليصبح أداة مركزية في تثبيت السلطة وتمرير سياساتها على الساحة الدولية.
يحمل قرار وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي رسالة سياسية طالما رددتها قوى المعارضة الإيرانية، مفادها أن زمن الجمع بين القمع الداخلي والحصول على شرعية دبلوماسية خارجية قد بدأ يتلاشى. فالتصنيف لا يمثل مجرد خطوة قانونية، بل يعكس تحوّلاً في المزاج السياسي الدولي تجاه بنية النظام ذاته، ويضع الحرس في موقع المساءلة بوصفه لاعباً أمنياً واقتصادياً وعقائدياً يتجاوز إطار المؤسسة العسكرية التقليدية.
ويرى مؤيدو هذا النهج أن الإدراج الأوروبي يشكل نقطة انعطاف في مسار المواجهة مع طهران، خاصة بعدما سبقته إجراءات مشابهة في دول أخرى، إذ لم يعد الحرس يُنظر إليه كقوة نظامية بل كشبكة عابرة للحدود تثير مخاوف أمنية متزايدة. وفي هذا السياق، يقرأ البعض القرار بوصفه اعترافاً بتضحيات المحتجين والسجناء السياسيين الذين ساهموا في إبقاء ملف حقوق الإنسان الإيراني حاضراً على طاولة النقاش الدولي.
اللافت أن هذا التطور أعاد فتح النقاش حول جدوى «سياسة المهادنة» التي سادت لسنوات، والتي رأت فيها بعض الدوائر الغربية طريقاً للتأثير التدريجي على سلوك طهران. غير أن منتقدي تلك المقاربة يجادلون بأن نتائجها الفعلية جاءت عكسية، إذ سمحت للحرس بتعزيز نفوذه الاقتصادي والسياسي، بينما ظل الشارع الإيراني يدفع ثمن الجمود الدولي. في المقابل، ظهرت مشاريع سياسية حاولت تقديم بدائل رمزية للنظام، لكنها لم تنجح في بناء قاعدة واقعية، ما جعلها تبدو أقرب إلى رهانات إعلامية منها إلى مشاريع تغيير حقيقية.
من منظور تاريخي، نشأ الحرس الثوري بعد ثورة 1979 كجهاز موازٍ للمؤسسات الرسمية، ليحل تدريجياً محل أجهزة أمنية سابقة ويصبح لاعباً مركزياً في إدارة الدولة. ومع مرور الوقت، توسع نفوذه ليشمل قطاعات اقتصادية ضخمة وسياسات خارجية حساسة، الأمر الذي جعله، في نظر كثيرين، العمود الذي يستند إليه النظام في البقاء والاستمرار. وقد ساهمت السياسات الدولية المتساهلة في مراحل مختلفة في تكريس هذا الدور، إذ تُركت مساحة واسعة للحرس لتمديد حضوره داخل بنية الحكم وفي محيطه الإقليمي.
اليوم، يقف هذا الجهاز أمام اختبار مزدوج؛ ضغط داخلي ناتج عن الاحتجاجات المتكررة، وضغط خارجي يتجسد في قرارات تصنيف وعقوبات متصاعدة. ويرى بعض المراقبين أن هذه المعادلة الجديدة قد تعيد تشكيل قواعد الاشتباك السياسي داخل إيران وخارجها، خاصة مع تصاعد خطاب المعارضة التي تعتبر أن استهداف الحرس يعني ضرب الركيزة الأهم للنظام. وفي هذا السياق، تُطرح دعوات لاتخاذ إجراءات إضافية تتجاوز التصنيف، تشمل تضييق القنوات المالية والدبلوماسية المرتبطة به.
يبقى السؤال المفتوح: هل يمثل هذا القرار بداية مرحلة جديدة في التعامل الدولي مع إيران، أم مجرد محطة ضمن مسار طويل من الضغوط المتبادلة؟ ما هو واضح أن إدراج الحرس على القائمة السوداء وضع معادلة «الأمن مقابل المهادنة» تحت المجهر، وفرض إعادة تقييم شاملة لسياسات استمرت سنوات. وبينما يرى البعض في الخطوة بداية نهاية لمرحلة سياسية كاملة، يعتقد آخرون أنها فصل جديد في صراع طويل لم تتضح نهاياته بعد، حيث تستمر إيران والمنطقة في التحرك على إيقاع تحولات لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.


