"روى الحكاية الإنسانية للحرب"..
المؤلف المصري محمد هشام عبية.. كيف خاض السباق الرمضاني بـ«صحاب الأرض»؟
خاض تجربة مختلفة في مسلسل رسالة الإمام الذي تناول سيرة الإمام الشافعي، حيث جرى التعامل مع الوقائع التاريخية الأساسية بدقة، مع مساحة درامية في التفاصيل اليومية والعلاقات الإنسانية
المؤلف المصري محمد هشام عبية - أرشيف
يواصل المؤلف المصري محمد هشام عبية حضوره في الدراما المصرية عبر أعمال تقترب من الإنسان قبل أي شيء. في كتاباته يذهب إلى التفاصيل اليومية، إلى المشاعر التي تختبئ خلف الأحداث الكبيرة، وإلى الحكايات التي يعيشها الناس بعيدًا عن ضجيج الأخبار.
في أحدث أعماله «صحاب الأرض»، خاض عبية السباق الرمضاني بمسلسل يدور حول طبيبة مصرية تسافر إلى قطاع غزة ضمن وفد طبي بعد أحداث الحرب الأخيرة. تصل إلى هناك وهي تحمل تصورًا مهنيًا واضحًا لدورها، لكن الواقع الذي تراه يضعها أمام تجربة مختلفة تمامًا. تكتشف حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون، وتصبح علاقتها بإحدى الحالات الحرجة نقطة تحول في مسارها، حيث تجد نفسها أمام مسؤولية إنسانية كبيرة تتجاوز حدود عملها الطبي.
اختار عبية أن يقترب من الجانب الإنساني للحرب بدلًا من الطرح السياسي المباشر. فبعد سنوات من التغطيات المكثفة للأحداث، يرى أن الناس تعرف ما يحدث، لكن ما يظل بعيدًا هو حياة البشر داخل هذه الوقائع. لذلك يركز العمل على المدنيين في غزة وعلى تفاصيل يومهم تحت الحرب.
عنوان «صحاب الأرض» جاء بدلالة أوسع من حدود القصة. الاسم يشير إلى الشعوب المرتبطة بأرضها، وإلى العلاقة التي تجعل الأرض جزءًا من الهوية والذاكرة. الفكرة هنا ليست جغرافيا فقط، بل تجربة عاشتها شعوب كثيرة في أزمنة مختلفة.
ويتضمن المسلسل أيضًا قصة حب تنشأ وسط ظروف قاسية. وجودها داخل الأحداث يعكس تمسك الناس بالحياة رغم كل شيء، ويكشف جانبًا إنسانيًا يظهر عادة في أصعب اللحظات.
الاقتراب من القضايا المعقدة ليس جديدًا على عبية. ففي مسلسل بطلوع الروح قدم رؤية من الداخل لعقلية الجماعات المتطرفة، محاولًا فهم الطريقة التي يعمل بها هذا الفكر، وإظهار أن مواجهته لا تعتمد على القوة فقط، بل على الفهم وكشف التناقضات.
كما خاض تجربة مختلفة في مسلسل رسالة الإمام الذي تناول سيرة الإمام الشافعي، حيث جرى التعامل مع الوقائع التاريخية الأساسية بدقة، مع مساحة درامية في التفاصيل اليومية والعلاقات الإنسانية.
منذ بداياته، اختار محمد هشام عبيه أن يكون قريبًا من الإنسان قبل أي شيء، وأن يجعل من الدراما مساحة صادقة للاعتراف بالحقيقة، مهما كانت موجعة أو مربكة. في أعماله، لا يبحث عن الإبهار السريع، ولا يلهث خلف الشعارات، بل ينحاز دائمًا للتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق، وللمشاعر التي تختبئ خلف الصمت، وللحكايات التي لا تُروى في نشرات الأخبار.
يمتلك عبيه قدرة خاصة على الاقتراب من المناطق الشائكة في المجتمع، سواء في قضايا الحرب أو التطرف أو الدين أو الإشكاليات الاجتماعية، دون افتعال أو مبالغة، واضعًا الإنسان في قلب المشهد، ومراهنًا على وعي المشاهد وذكائه. لذلك تبدو أعماله أقرب إلى شهادات إنسانية حيّة، تعكس الواقع كما هو، وتدعونا للتفكير قبل إصدار الأحكام.
في هذا الحوار، يفتح محمد هشام عبيه قلبه لـ(اليوم الثامن) للحديث عن أحدث مشاريعه، ورحلته مع الدراما، وهواجسه الفنية، ورهانه الدائم على الصدق، وكيف يحاول في كل مرة أن يكتب من موقع الباحث عن المعنى، لا من موقع الباحث عن الضجيج، مؤمنًا بأن العمل الحقيقي هو الذي يصل إلى القلب قبل أن يصل إلى الشاشة.
ماذا عن مسلسل صحاب الأرض الذي تخوض به الماراثون الرمضاني ؟
يتناول مسلسل «صحاب الأرض» قصة طبيبة مصرية تسافر إلى قطاع غزة ضمن وفد من الأطباء عقب أحداث الحرب الأخيرة، حيث تحاول أداء دورها المهني والإنساني في ظروف بالغة الصعوبة، وتواجه واقعًا مختلفًا تمامًا عما كانت تتصوره. ومع مرور الوقت، تكتشف حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون هناك، وترى عن قرب آثار الحرب على حياتهم.
وتتطور الأحداث عندما ترتبط بإحدى الحالات الحرجة، التي تصبح نقطة تحول في مسارها، وتضعها أمام مسؤولية كبيرة تربط حياتها المهنية والإنسانية بمحاولة إنقاذ هذا المريض. وفي مجمله، يسلط العمل الضوء على الجانب الإنساني للحرب من خلال عيون طبيبة جاءت لأداء واجبها، لتجد نفسها أمام تجربة تغيّر نظرتها للحياة، وتكشف لها عمق مأساة الأشقاء في غزة
لماذا فضّلت المعالجة الإنسانية والاجتماعية بدلًا من الطرح السياسي المباشر؟
في الواقع، كنت واعيًا منذ البداية أن الجمهور قد يشعر بالتشبع من المواد السياسية والنشرات الإخبارية، خاصة بعد التغطية المكثفة على مدار العامين الماضيين. لذلك لم يكن هدفي تقديم ما شاهده الناس بالفعل، بل التركيز على ما وراء الأخبار، أي القصص الإنسانية للأشخاص الذين يعيشون هذه الأحداث على أرض الواقع.
حرصت على أن يكون الإنسان محور العمل أولًا، وعلى تسليط الضوء على حياة المدنيين في غزة الذين تأثروا بشكل مباشر بالحرب، بعيدًا عن أي أبعاد سياسية أو أيديولوجية. حقيقة الأمر أن سكان غزة دفعوا الثمن الأكبر، وقصصهم الإنسانية تستحق أن تُروى. هذا التوجه كان حاضرًا منذ مراحل تطوير العمل، وسعيت لتوظيفه بشكل إنساني ودرامي في الوقت نفسه، حتى يصبح المشاهد أكثر قدرة على التفاعل مع الأحداث وفهم أثرها الحقيقي، بعيدًا عن الأرقام والعناوين المجردة التي تقدمها التغطيات الإخبارية
ماذا يرمز لك عنوان «صحاب الأرض»؟ وهل يعكس الفلسطينيين فقط أم كل من يتمسك بالحق والهوية؟
اسم «صحاب الأرض» كان اختيارًا مقصودًا جدًا، لأنه يحمل معنى إنساني يتجاوز حدود القصة نفسها. حتى الترجمة الإنجليزية للاسم تشير إلى «السكان الأصليين» أو «أصحاب الأرض»، وهو مفهوم لا يقتصر على أهل فلسطين أو سكان غزة فقط، بل يشمل كل الشعوب التي ارتبطت بأرضها وواجهت خطر فقدانها أو اضطرت للدفاع عنها في مراحل مختلفة من التاريخ.
أردت من خلال هذا الاسم التأكيد على البعد الإنساني العام، بعيدًا عن أي تصنيفات ضيقة. هناك دائمًا شعوب ترتبط بأرضها ارتباطًا وجوديًا، وتكون هذه الأرض جزءًا من هويتها وذاكرتها. لذلك، الاسم ليس فقط موقع جغرافي، بل يحمل دلالة أوسع عن تجربة إنسانية مشتركة عاشتها شعوب كثيرة عبر العصور.
اختيارك للبطلة المصرية لتقوم بدور الطبيبة هل كان مبنى على شخصية واقعية أم لا ؟
في الحقيقة، القصة مأخوذة جزئيًا من الواقع، خاصة مع وجود وفود طبية مصرية كانت تتوجه إلى غزة بالتنسيق مع الهلال الأحمر المصري لتقديم الدعم الطبي والإنساني في ظل ظروف الحرب الصعبة.
الفكرة جاءت من هذه الرحلات وما شاهده الأطباء هناك من مواقف إنسانية مؤثرة، لكن الأحداث والشخصيات تم تطويرها بشكل درامي، وليست نقلًا حرفيًا لتجربة شخص بعينه.
ككاتب، أردت أن أقدم معالجة درامية تعكس ما يعيشه الطبيب في مثل هذه الظروف، على المستويين المهني والإنساني. العمل قائم على واقع حقيقي، لكنه في النهاية عمل درامي يهدف إلى تقديم رؤية فنية وإنسانية، لا مجرد تسجيل الأحداث.
كيف حرصت على تقديم دور مصر بشكل واقعي بعيدًا عن الشعارات؟
بالفعل، كان دور مصر خلال الحرب على قطاع غزة حاضرًا وملموسًا بشكل كبير، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا الحضور في أحداث العمل. لم نحتاج لاختراع هذا الدور دراميًا، فهو موجود بالفعل على أرض الواقع، سواء عبر الوفود الطبية التابعة للهلال الأحمر المصري، أو قوافل المساعدات الإنسانية، أو الجهود المباشرة لدعم المتضررين.
لكن هدفنا لم يكن مجرد عرض هذا الدور بشكل مباشر أو توثيقي، بل تقديمه في إطار إنساني يرتبط بتجربة الشخصيات وتفاصيل حياتهم. أردنا أن يظهر هذا الحضور بصورة طبيعية وصادقة، تعكس الواقع كما هو، دون مبالغة أو خطاب مباشر، بحيث يشعر المشاهد بتأثيره من خلال القصة نفسها، وليس عبر تقرير جاف.
بالنهاية، كان مهمًا بالنسبة لي أن يكون هذا العنصر جزءًا عضويًا من النسيج الدرامي، ويُقدَّم بطريقة إنسانية قريبة من الناس، لأن جوهر العمل هو نقل التجربة كما عاشها البشر، لا كما وردت في الأخبار فقط
إدخال قصة حب وسط الحرب… هل هي رمز للأمل أم شكل من أشكال المقاومة الإنسانية؟
بالفعل، قصة الحب في ظل هذه الظروف الصعبة تبدو منطقية جدًا، لأن الحب غالبًا يظهر في أصعب لحظات الحياة، أو على العكس يمنح الأمل لتجاوز الصعوبات. الشعب الفلسطيني بطبيعته يحب الحياة، وحبه لأرضه جزء أصيل من هذا الشعور، وهذا ما يجعل المشاعر الإنسانية تتجلى بأشكال مختلفة، سواء في الحب بين الناس أو في الانتماء للوطن.
وجود قصة الحب في هذا السياق يعكس جانبًا إنسانيًا عميقًا، ويمكن أن يكون رمزًا للأمل والصمود. الحب هنا علاقة عاطفية ومقاومة في الوقت نفسه، لأنه يظهر التمسك بالحياة والهوية والأرض حتى في أصعب الظروف. يمنح الإنسان شعورًا بالوجود ويذكّره بأن هناك ما يستحق التمسك به، وأن الأرض والحياة مرتبطة بهذه المشاعر الإنسانية العميقة
قدمت قبل ذلك عقلية الجماعات المتطرفة من الداخل في مسلسل " بطلوع روح " كيف ضمنت فهم المشاهد للفكر دون أن الوقوع في خطأ التعاطف مع بعضهم من قبل الجمهور ؟
في الحقيقة، هدفي من هذا العمل كان التعامل مع فكر بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة، مثل داعش، بطريقة مختلفة عن الصورة النمطية المنتشرة. غالبًا يُظهرون بمظهر الشخصيات الوحشية بلا قلب أو ضعف، وهذا يخدمهم في حربهم ضد كل ما هو إنساني.
لكن بالنسبة لي، كان من المهم أن أُظهر أنهم بشر في النهاية، لديهم مشاعر وضعف إنساني، رغم الانحراف الفكري والسلوكي عندهم. أردت أن أُظهر هشاشتهم الإنسانية وأكسر الأسطورة التي تصورهم كوحوش لا يمكن مقاومتهم إلا بالسلاح. الحقيقة أن المقاومة يمكن أن تكون أيضًا بالفكر والفهم، وليس فقط بالعنف.
حرصت على تقديم هذا الجانب بطريقة درامية منطقية، بحيث يرى المشاهد الصراع الإنساني بداخلهم، ويفهم أن القوة الحقيقية للتصدي للتطرف لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تأتي أيضًا من إدراك هشاشتهم وفهم طبيعتهم البشرية. وهذا جزء من رؤية العمل، وأتوقع أن يلقى رد فعل إيجابي لأنه يمس جوهر الفكرة الإنسانية وراء الأحداث
وهل وصلتك أي رسائل تهديد مباشرة أو غير مباشرة من هذه الجماعات؟
في الحقيقة، لم أتلقَ أي تهديد مباشر من أي جماعات إسلامية داخل البلد، لكن قبل عرض الإعلان الخاص بالمسلسل واجهنا حملات شرسة على العمل من بعض الشخصيات والرموز المرتبطة بهذه الجماعات، سواء على فيسبوك أو منصات التواصل الاجتماعي، وكانت هناك محاولات لإثارة ضجة حوله. الحمد لله، هذه الحملات لم تحقق أي نتيجة، لأن المسلسل كان ملتزمًا جدًا، وفي النهاية ركز على الجماعات الدينية المتطرفة وسلوكها الانحرافي، دون أن يتناول الدين كموضوع عام
ما أكثر اكتشاف صادم عن التطرف خلال بحثك وتجاربك الميدانية؟
إكتشفت أن التطرف يمكن أن يصل لأي شخص، سواء كان غنيًا، أو من طبقة متوسطة، أو حاصل على تعليم جيد. المسلسل حاول أن يوضح أن التحصيل العلمي أو الوضع المادي لا يضمن الحماية من الانجراف نحو التطرف. الفكرة كانت استكشاف الأسباب الإنسانية والاجتماعية التي تجعل الشخص ينجر إلى هذا الطريق، حتى لو كانت حياته تبدو مستقرة ،، وكان هذا الجانب كان مهمًا جدًا بالنسبة لي كمؤلف، لأن المسلسل لا يهدف لعرض التطرف كشر مطلق، بل لمناقشة الظاهرة وطرح أسئلة عن كيف ولماذا يمكن لأي شخص أن يقع في هذا الطريق، مع الحفاظ على معالجة درامية منطقية وواقعية
في مسلسل " رسالة الإمام " كيف وازنت بين الأمانة التاريخية والحرية الدرامية في تقديم الإمام الشافعي؟
في مسلسل الإمام الشافعي، كان لدينا محددات واضحة بين الجانب التاريخي والجانب الخيالي. من الناحية التاريخية، المسلسل يتناول حياة الإمام الشافعي في القرن الثاني الهجري، حيث كان موجودًا في مصر في تلك الفترة، وكان لزامًا علينا تقديم مصر كما كانت وفق ما ورد في كتب التاريخ. بالطبع، كنا قادرين على تغيير بعض التفاصيل للدراما، لكننا قررنا الحفاظ على الدقة في أهم النقاط التاريخية المتعلقة بالإمام والشخصيات المحيطة به، وفي الوقت نفسه منحنا أنفسنا حرية خيالية في تفاصيل حياته اليومية وعلاقاته بتلاميذه في ذلك الوقت، واستحدثنا بعض الشخصيات الرمزية لتحريك الأحداث
هل خشيت وقتها من الوقوع في التقديس أو التبسيط الزائد للشخصية؟
الموضوع كان حساسًا جدًا لأن الإمام الشافعي له قدسية كبيرة في وعي الجمهور المصري، لذلك كان مهمًا أن نقدم شخصيته بطريقة تحترم مكانته، وفي نفس الوقت تظهره كإنسان طبيعي، ليس مثاليًا بلا نقاط ضعف. على سبيل المثال، تركيزه على العلم ونشر الفكر الديني كان له تأثير أحيانًا على حياته الأسرية وعلاقته ببناته، وهذا جزء من إنسانيته
كيف تتعامل مع حساسية تقديم الرموز الدينية أمام جمهور متنوع ثقافيًا ودينيًا؟
هدفي كان تقديم شخصية الإمام الشافعي كبشر له نقاط قوة وضعف، بحيث يستطيع المشاهد فهمه والتفاعل مع حياته، مع الحفاظ على الجوهر التاريخي للفترة الزمنية والبيئة المصرية في القرن الثاني الهجري. كان هذا تحديًا كبيرًا، لكن حاولنا التعامل معه بحساسية ودقة
في مسلسل " صلة رحم " تناولت قضية شائكة وهي ا«إيجار الأرحام» لكنك تناولتها من زاوية نفسية وإنسانية أكثر من كونها طبية فهل كان هذا مقصودا ؟
أنا قصدت تمامًا تناول موضوع تأجير الأرحام من منظور إنساني بحت، بعيدًا عن أي جدل ديني أو سياسي. الفكرة ليست عرض قضية دينية، لأن هذا الموضوع ممنوع في مصر وفي كثير من الدول العربية، وأغلب العلماء يرفضونه، بينما بعضهم يسمح به ضمن ضوابط صارمة جدًا. لو ركزنا على الجانب الديني أو الجدل الشرعي، كنت سأخسر الهدف الأساسي من القصة، وهو النقاش حول البعد الإنساني للموضوع نفسه.
وكان اهتمامي منصبًا على الإنسان وكيف يلجأ لتأجير رحم لتحقيق أسمى غاية عنده، وهي أن يصبح أبًا، وما يترتب على ذلك من تحديات أخلاقية ومشاعرية. المعضلة التي تناولها العمل درامية بحتة، لأنها تركز على الصراعات الداخلية للإنسان والخيارات الصعبة التي يواجهها، بعيدًا عن أي أحكام مسبقة أو جدل خارجي.
وأعتقد أن هذه المعالجة الإنسانية هي التي مكّنت المسلسل من الوصول إلى جمهور واسع وتلقّي ردود فعل إيجابية، لأنها أتاحّت للمشاهدين المجال للتفكير والنقاش حول قضية حساسة، بدلًا من الانشغال بالمجادلات الدينية أو السياسية
هل مازلت تشعر أن بعض القضايا الاجتماعية ما زالت «خط أحمر» للدراما بالرغم من أنك كنت جريئا في تناولك في أعمالك الفنية ؟
هناك قضايا لا تزال حتى اليوم تشكل خطوطًا حمراء في التعامل الاجتماعي، وأحيانًا أشعر أن الخوض فيها يمثل تحديًا، لأن المجتمع نفسه يضع هذه الحدود. مع ذلك، أرى أن بعض هذه الخطوط الحمراء قد تكون مبالغًا فيها أو لا تتناسب مع الواقع، وربما كان من الأفضل إعادة النظر فيها أو تعديلها.
نحن نعمل دائمًا ضمن إطار اجتماعي محدد مرتبط بالقيم والمبادئ السائدة، وهذا يتطلب التعامل مع هذه القضايا بحساسية ودقة. هناك العديد من الموضوعات التي تحتاج إلى نقاش مفتوح وإعادة تقييم، وهدفي من خلال أعمالي هو فتح مساحة للحوار وتسليط الضوء على أبعادها الإنسانية والاجتماعية، ليتمكن الجمهور من التفكير وإعادة النظر في القوالب السائدة بعيدًا عن المواقف المسبقة والمحظورات التقليدية
رغم اختلاف موضوعاتك بين الحرب، التطرف، القضايا الاجتماعية، والدين… ما الخيط الإنساني الذي تبحث عنه دائمًا في كل عمل؟
الخط الإنساني في أعمالي يتركز على رحلة الإنسان وصراعاته الداخلية في المنطقة الرمادية بين القيم والتحديات الواقعية. الإنسان قد يضطر أحيانًا للتنازل عن مبادئه أو التمسك بها أكثر، وهذا ما يجعل حياته مليئة بالتجارب المعقدة.
وأنا أركز على هذه المنطقة الرمادية دون إصدار أحكام، لأن لكل شخص اختياراته ومساره، وهدفي عرض التجربة الإنسانية بطريقة صادقة ومنطقية. كما أن الحب يتكرر في أعمالي كأداة درامية تكشف التفاعلات الإنسانية العميقة وتبرز أثرها في مصائر الشخصيات وصراعاتهم
هل هناك عمل شعرت أنه كشف شيئًا عن نفسك لم تكن مستعدًا لمواجهته قبل الكتابة؟
كل أعمالي تحمل جزءًا من أفكاري وتجربتي الشخصية، وأحيانًا لا أستطيع مواجهة بعض هذه الأفكار في الواقع، لكن أستطيع التعبير عنها على الورق أو من خلال العمل الفني. سواء كانت أحلامًا أو طموحات أو تصورات شخصية، تتحقق في الأعمال بطريقة درامية تتيح لي مواجهتها.
هذا النهج يظهر في أعمال مثل “60 دقيقة” و“بطلوع الروح” و“صلة الرحم”، إذ تعكس كل منها جزءًا من نفسي، أفكاري، ونقاشاتي الداخلية مع نفسي والمجتمع. بالنسبة لي، الأعمال الفنية ليست مجرد سرد أو تمثيل، بل امتداد أصيل لشخصيتي ووسيلة للتعبير عن رؤاي وتجربتي الإنسانية
لماذا تميل عادة لكتابة الأعمال القصيرة 15 حلقة بدلًا من الأعمال الطويلة؟ هل هو اختيار فني أم ضرورة إنتاجية؟
في الحقيقة، أفضل كتابة الأعمال القصيرة، عادة بين 10 و15 حلقة، لأنها تمنحني القدرة على التعبير عن أفكاري بالكامل ضمن هذا الإطار. هذه الصيغة تسمح لي بتناول أكثر من فكرة في الوقت نفسه، بدلًا من العمل على مسلسل طويل يصل إلى 30 حلقة.
والأمر لا يتعلق بالإنتاجية أو الجانب التجاري، فالمسلسلات الطويلة غالبًا ما تصل إلى 30 حلقة لأسباب ربحية، لكن المتعة الحقيقية والقدرة على تقديم محتوى مركز وذي قيمة تكمن في الأعمال القصيرة. بالطبع، إذا وجدت فكرة تستحق التمديد، سأكتبها، لكن ميلي الأكبر هو الصيغة القصيرة لأنها تمنح الحرية الإبداعية والتركيز على الجوهر الفني للفكرة .


