تصدّعات في قلب السلطة..
تضارب الخطاب والسياسة يكشف تنافر مراكز القرار داخل النظام الإيراني
التناقض بين خطاب التهدئة والتحركات العسكرية لا يبدو مجرد خطأ تكتيكي عابر، بل يعكس بنية سلطوية متعددة الأقطاب حيث تتنافس المؤسسات السياسية والأمنية على توجيه القرار الاستراتيجي، ما يخلق سياسة خارجية متقلبة بين الدبلوماسية والقوة.
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يبرز مشهد متناقض في السلوك السياسي الإيراني: خطاب رسمي يميل إلى التهدئة، يقابله نشاط ميداني يحمل رسائل تصعيدية. هذا التباين لا يمكن تفسيره فقط بوصفه ازدواجية خطاب، بل يكشف عن تعقيد أعمق في بنية السلطة داخل النظام الإيراني، حيث تتوزع مراكز القرار بين مؤسسات سياسية ودينية وأمنية تتباين في أولوياتها وأدواتها.
التطورات الأخيرة التي جمعت بين تصريحات ذات طابع تراجعي من مسؤولين إيرانيين، وبين هجوم ميداني استهدف منشأة مدنية في دولة خليجية، أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً في تحليل السياسة الإيرانية: من يملك القرار النهائي داخل النظام؟ وهل تتحدث طهران بصوت واحد في قضايا الأمن الإقليمي؟
يرى عدد من المحللين أن المشهد يعكس ما يمكن وصفه بـ"تعدد مستويات السلطة"، حيث تعمل المؤسسات السياسية الرسمية على إدارة العلاقات الخارجية عبر لغة دبلوماسية تهدف إلى تخفيف الضغوط الدولية، بينما تميل المؤسسة العسكرية والأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري، إلى استخدام أدوات القوة للحفاظ على النفوذ الإقليمي وتعزيز موقعها داخل بنية النظام.
هذا التوزيع في مراكز القوة ليس جديداً في التجربة السياسية الإيرانية، لكنه يصبح أكثر وضوحاً في لحظات الأزمات. ففي الأنظمة السياسية المركبة، حيث تتداخل السلطة الدينية مع المؤسسات العسكرية والأجهزة السياسية، يمكن أن تظهر قرارات متعارضة أو غير منسقة، ما يخلق انطباعاً بوجود مسارين مختلفين في إدارة السياسة الخارجية.
الانعكاس المباشر لهذا التنافر يتمثل في ما يسميه بعض الباحثين "اختلال وظائف السياسة الخارجية". فبينما تسعى الدبلوماسية إلى إرسال إشارات تهدئة، قد تصدر إجراءات ميدانية تحمل طابعاً تصعيدياً، الأمر الذي يربك الأطراف الدولية والإقليمية في تفسير نوايا النظام الإيراني.
وراء هذه الظاهرة تقف أزمة أعمق تتعلق بشرعية السلطة داخل إيران. فالتحديات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة خلقت بيئة داخلية أكثر تعقيداً للنخبة الحاكمة. وفي مثل هذه الظروف، تميل بعض مراكز القوة إلى تعزيز حضورها عبر أدوات الأمن والردع، باعتبارها وسيلة لضبط الداخل وإرسال رسائل قوة إلى الخارج.
كما أن بنية النظام المؤسسية نفسها قد تسهم في هذا التباين. فغياب آلية واضحة لتنسيق القرار بين المؤسسات السياسية والعسكرية يجعل من الصعب إنتاج سياسة خارجية متماسكة. ومع وجود مؤسسات متعددة تمتلك نفوذاً فعلياً في عملية صنع القرار، قد تتداخل الأدوار وتتنافس الأولويات، ما يؤدي إلى قرارات متناقضة أو غير متوقعة.
ورغم ذلك، يبقى استخدام القوة جزءاً أساسياً من العقيدة الاستراتيجية للنظام الإيراني. ففكرة "الأمن القومي" في الخطاب السياسي الإيراني ترتبط غالباً بمفهوم الدفاع الاستباقي وتعزيز النفوذ الإقليمي، وهو ما يفسر استمرار العمليات العسكرية أو الأنشطة غير المباشرة حتى في فترات الخطاب الدبلوماسي الهادئ.
هذه المعادلة تضع النظام أمام تحدٍ استراتيجي مزدوج: كيف يمكن الحفاظ على النفوذ الإقليمي دون تعميق العزلة الدولية؟ وكيف يمكن إدارة التوازن بين خطاب التهدئة ومتطلبات الردع العسكري؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة النظام على توحيد مراكز القرار داخله.
ففي غياب إدارة مركزية متماسكة قادرة على تنسيق السياسات بين المؤسسات المختلفة، يبقى احتمال التناقض بين الخطاب والممارسة قائماً. وهذا التناقض قد ينعكس ليس فقط على العلاقات الإقليمية، بل أيضاً على الاستقرار الداخلي للنظام نفسه.
في النهاية، تشير هذه التطورات إلى أن إيران تقف عند مفترق استراتيجي معقد. فإما أن تنجح مؤسساتها في إعادة تنظيم آليات اتخاذ القرار وتوحيد الرؤية السياسية، أو أن يستمر هذا التنافر بين مراكز القوة، بما يحمله من مخاطر تصعيد غير محسوب في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وسياسية.


