حسين حنشي يكتب لـ(اليوم الثامن):

من سوريا إلى عدن.. خطة سعودية تهدد بتحويل الجنوب إلى ساحة جهادية

لم تعد المخاطر التي تهدد الجنوب تقتصر على تقدم الحوثيين أو عودة تنظيم القاعدة مستفيداً من انهيار المنظومة الأمنية. هناك خطر آخر يجري إعداده خارج الحدود: نقل آلاف المقاتلين السوريين إلى اليمن، وإدخالهم عبر مطار عدن ومدن الجنوب، قبل دفعهم إلى حرب يريدها السعوديون ضد الحوثيين، بينما سيتحمل الجنوب نتائجها الأمنية والسياسية والاجتماعية.

نشرت «أكسيوس»، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين أمريكيين، أن السعودية وسوريا تبحثان إرسال قوات سورية إلى اليمن للمشاركة في الهجوم على الحوثيين. وقالت إن الرئيس السوري أحمد الشرع يدرس الطلب بجدية، وإن واشنطن أُبلغت بالمناقشات ولا تعارضها من حيث المبدأ. كما تحدث التقرير عن احتمال إرسال ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف مقاتل.

وأكدت «رويترز» وجود مناقشات بشأن تقديم دمشق دعماً عسكرياً للسعودية، ونقلت عن مسؤول أمريكي وآخر عسكري سوري أن الخيارات المطروحة تمتد من الدعم الدفاعي إلى إرسال قوات تقاتل إلى جانب التشكيلات اليمنية المدعومة من الرياض.

ورغم نفي مصادر سورية اتخاذ قرار بإرسال قوات، فإن خطورة الأمر لا تبدأ عند صعود المقاتلين إلى الطائرات، بل من مجرد وصول هذا الخيار إلى طاولة النقاش بين الرياض ودمشق وواشنطن. نحن أمام تصور إقليمي للحرب لا ينظر إلى الجنوب باعتباره وطناً وشعباً وقضية سياسية، بل ممراً عسكرياً وقاعدة خلفية يمكن إنزال المقاتلين فيها، وإعادة تصدير أزمات المشرق إليها.

وتزداد الخطورة مع الحديث عن وحدات سورية تضم آلاف المقاتلين الإسلاميين الأجانب الذين شاركوا في الحرب السورية تحت مظلة فصائل مرتبطة بهيئة تحرير الشام. وذكرت «أكسيوس» أن الوحدات المطروحة تشمل الفرقتين 90 و84، وأن الأخيرة تضم مقاتلين إسلاميين أجانب قدموا إلى سوريا خلال الحرب على نظام بشار الأسد.

هذه ليست قوات نظامية سورية بالمعنى التقليدي وحده، ولا جيشاً وطنياً نشأ داخل مؤسسات مستقرة وتحت رقابة دستورية واضحة. نحن نتحدث عن بيئة عسكرية تشكلت في حرب أهلية طويلة، واختلطت فيها الجماعات المحلية بالمقاتلين الأجانب، والمشروعات السياسية بالتنظيمات الدينية، والحسابات الإقليمية بالأفكار الجهادية العابرة للحدود.

نقل جزء من هذه البيئة إلى اليمن لن يكون مجرد إضافة عددية إلى القوات التي تقاتل الحوثيين. إنه إدخال لعقائد الحرب السورية وفصائلها وتناقضاتها إلى بلد أنهكته أصلاً التنظيمات المسلحة والصراعات الطائفية والتدخلات الخارجية.

المشكلة بالنسبة إلينا في الجنوب واضحة ولا تحتاج إلى تزيين لغوي: الجنوب لا يخوض حرباً دينية ضد الزيدية، ولا يريد استبدال حكم مذهبي في صنعاء بحكم مذهبي مضاد. قضيتنا ليست إقامة إمارة سنية على أنقاض سلطة الحوثيين، وليست المشاركة في مواجهة بين مشروع إيراني ومقاتلين جرى تجميعهم من ساحات الصراع السورية.

للجنوب قضية سياسية محددة المعالم: استعادة دولته على حدود ما قبل 22 مايو/أيار 1990، وبناء نظام سياسي يعبر عن إرادة شعبه ويحمي أرضه وموانئه وثرواته. هذه القضية لا تحتاج إلى مقاتلين سوريين أو أفغان أو شيشان أو عرب جاؤوا من مخيمات الحرب. كما أنها لا تحتاج إلى تحويل عدن إلى محطة عبور لمشروع عسكري سعودي فشل في بناء قوة يمنية متماسكة طوال أكثر من عقد.

من حقنا أن نسأل: لماذا يأتي هؤلاء إلى عدن؟ ومن سيسيطر عليهم بعد وصولهم؟ وأين ستقام معسكراتهم؟ ومن يضمن انتقالهم إلى جبهات الشمال وعدم بقائهم في أبين وشبوة وحضرموت ولحج؟ ومن سيمنعهم من بناء شبكات عقائدية وأمنية داخل المجتمع الجنوبي؟

التجارب القريبة لا تسمح بالطمأنينة. المقاتل العقائدي لا يتحول تلقائياً إلى جندي منضبط لمجرد ارتدائه زياً عسكرياً أو حصوله على راتب سعودي. وقد ينتهي دوره في الجبهة، لكن شبكاته وعلاقاته وأفكاره لا تنتهي بانتهاء المهمة التي استُقدم من أجلها.

لقد عرف الجنوب هذا النوع من الحروب من قبل. ففي حرب عام 1994، استُخدم «الأفغان العرب» والجماعات الجهادية في اجتياح عدن وإسقاط الدولة الجنوبية. وبعد انتهاء الحرب، لم يعد هؤلاء إلى بيوتهم بهدوء، بل تحول بعضهم إلى أدوات اغتيال وإرهاب، وأسهموا في صناعة البيئة التي نشأ داخلها تنظيم القاعدة لاحقاً.

ودفع الجنوب الثمن في شكل تفجيرات واغتيالات وأحزمة ناسفة ومعسكرات سرية وخلايا تتحرك بين الجبال والمدن. وكان على أبناء الجنوب أن يخوضوا لاحقاً حرباً طويلة لطرد تنظيم القاعدة من المكلا ومدن ساحل حضرموت وملاحقة خلاياه في أبين وشبوة.

واليوم، بدلاً من حماية الجنوب من تكرار التجربة، يجري بحث استقدام آلاف المقاتلين من أكثر ساحات العالم تشبعاً بالحرب الدينية. ويراد إدخالهم إلى الجغرافيا الجنوبية بذريعة قتال الحوثيين، كما لو أن عدن أرض بلا سكان، أو معسكر مفتوح تملكه السعودية وتتصرف فيه وفق حاجتها.

إذا كانت الرياض عاجزة عن مواجهة الحوثيين بقواتها، فهذا شأن سعودي. وإذا كانت التشكيلات التي بنتها طوال سنوات عاجزة عن الصمود، فهذه نتيجة لسياساتها في إدارة الحرب. وإذا أرادت استقدام قوات أجنبية لحماية أراضيها، فعليها أن تستقبلها داخل حدودها، لا أن تنقلها إلى الجنوب وتحول مدنه إلى مخازن بشرية لمقاتلين يحملون عقائد وتجارب لا علاقة لها بقضيتنا.

لا يجوز أن يتحول مطار عدن إلى بوابة لدخول المقاتلين الأجانب. ولا يجوز أن تتحول أبين وشبوة وحضرموت إلى معسكرات لإعادة تدوير بقايا الحرب السورية. وأي موافقة على ذلك، تحت أي تسمية، ستضع الجنوب أمام خطر طويل المدى لن ينتهي بمجرد توقف المعارك مع الحوثيين.

قد تقول السعودية إن هذه القوات ستخضع لقيادة رسمية، لكن التجربة اليمنية نفسها تكشف هشاشة هذا الادعاء. فمجلس القيادة الرئاسي المؤقت لا يسيطر على القوات المحلية التابعة له، ولا يمتلك قرار الحرب أو السلام، ولا يستطيع توحيد التشكيلات الموزعة بين شبكات الولاء والتمويل. فكيف سيدير عشرة آلاف أو عشرين ألف مقاتل قادمين من سوريا؟

ومن يضمن ألا تدخل هذه القوات لاحقاً في صراعات مع الجنوبيين أنفسهم؟ فالخطاب السعودي المعلن يضع الحفاظ على الوحدة اليمنية ضمن أولوياته. وإذا رأت الرياض أن مشروع استقلال الجنوب يهدد هذه الأولوية، فما الذي يمنعها من إعادة توجيه المقاتلين المستقدمين ضد القوى الجنوبية بعد انتهاء حاجتها إليهم في مواجهة الحوثيين؟

هذا ليس احتمالاً بعيداً. لقد قاتل الجنوبيون إلى جانب السعودية سنوات طويلة، ثم تعرضوا في يناير/كانون الثاني لحرب سعودية هدفت إلى تفكيك قواتهم وإقصاء مشروعهم السياسي. ومن استخدم الجنوب مرة ثم انقلب عليه يستطيع أن يفعل ذلك مجدداً، خصوصاً إذا أصبحت تحت يده قوات أجنبية لا علاقة لها بالمجتمع المحلي ولا بقضيته.

الرياض تريد من الجنوب أن يكون حليفاً عندما تواجه الحوثيين، وخصماً عندما يطالب باستعادة دولته. تريد مقاتليه في الجبهات، لكنها ترفض الاعتراف بحقوقهم السياسية. وحين يتردد الجنوبيون في خوض حرب جديدة، تبحث عن بديل مستورد من سوريا.

تكمن الكارثة الأخرى في تحويل المواجهة مع الحوثيين إلى حرب مذهبية مفتوحة. الحوثيون جماعة سياسية وعسكرية ذات مرجعية دينية ومشروع توسعي مرتبط بإيران، لكن مواجهتهم لا تكون باستيراد مشروع ديني مضاد. بناء جبهة سنية جهادية لن ينتج دولة مدنية في صنعاء، بل سيمنح الحوثيين أفضل هدية دعائية يمكن أن يحصلوا عليها.

سيقدم الحوثيون أنفسهم حينها باعتبارهم قوة يمنية تواجه غزواً أجنبياً تقوده جماعات سنية متطرفة، وسيستخدمون وجود المقاتلين السوريين لتعبئة القبائل والمجتمع الزيدي واستدعاء ذاكرة الصراع المذهبي. وهكذا لن تضعف سلطة الجماعة، بل قد تتسع قاعدتها تحت ضغط الخوف الطائفي.

أما الجنوب، فسيتحول إلى ساحة خلفية لهذه الحرب: معسكرات، ومخازن سلاح، وتجنيد ديني، وصراع بين الفصائل، وتفجيرات وانتقامات. وبعد سنوات، قد تنتهي السعودية إلى تسوية جديدة مع الحوثيين، بينما تترك المقاتلين المستقدمين داخل مدننا، كما تركت حروب سابقة وراءها جماعات لم تجد وظيفة خارج القتل.

لا توجد أي مصلحة جنوبية في هذا المسار. لا استعادة الدولة تمر عبر دمشق، ولا استقلال الجنوب يحتاج إلى كتائب أجنبية، ولا أمن عدن يُحمى بإدخال مقاتلين تربوا داخل حرب مذهبية.

المصلحة الوحيدة سعودية: تعويض فشل القوات التي بنتها الرياض، وتقليل خسائر الجيش السعودي، وإيجاد قوة برية تقاتل الحوثيين بالنيابة عنها. أما الكلفة الأمنية والسياسية، فستدفعها عدن وحضرموت وشبوة وأبين ولحج.

يجب أن يكون الموقف الجنوبي قاطعاً: لا لدخول أي قوات سورية أو مقاتلين أجانب إلى أرض الجنوب، ولا لتحويل مطار عدن وموانئه إلى جسور عسكرية لحرب مذهبية، ولا لاستخدام القوات الجنوبية غطاءً سياسياً لمشروع لا يعترف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره.

كما ينبغي على القيادات الجنوبية ألا تنجر خلف عناوين «الدفاع عن السنة» أو «مواجهة المد الإيراني». قضية الجنوب ليست ملحقاً بصراع المذاهب، وأي انتقال بها من السياسة إلى العقيدة سيبدد وضوحها ويقسم مجتمعها ويمنح خصومها فرصة لدفنها داخل حرب أكبر منها.

ينبغي أن تتمسك القوى الجنوبية بحدود معركتها: حماية أرض الجنوب، ومواجهة أي عدوان عليها، وتأمين باب المندب وخليج عدن وساحل حضرموت، ومكافحة القاعدة وداعش، واستعادة الدولة. أما تغيير النظام في صنعاء، فهو شأن أبناء الشمال قبل غيرهم، ولا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لجلب آلاف المقاتلين الأجانب إلى عدن.

الجنوب ليس ممراً إلى صنعاء، ولا قاعدة للإيجار، ولا مخيماً جديداً لبقايا الحروب الإقليمية. وأي قيادة جنوبية تصمت عن هذه الخطة أو تساعد على تنفيذها ستتحمل مسؤولية إدخال خطر قد يبقى عقوداً بعد رحيل السعوديين والسوريين معاً.

لقد دفعنا ثمناً قاسياً حين استُخدمت الجماعات الجهادية ضد الجنوب في الماضي. وليس من المقبول أن نسمح بإعادة التجربة تحت اسم الحرب على الحوثيين. فالقضية التي حافظت على وضوحها السياسي طوال عقود لا يجوز أن تُسلّم الآن إلى دعاة الحرب الدينية.

على الجنوبيين أن يتمسكوا بقضيتهم وحدها، وأن يرفضوا كل راية تحاول سحبهم بعيداً عنها. لا حرب مذهبية باسمهم، ولا مقاتلين أجانب على أرضهم، ولا تضحية جديدة لحماية مشروع سعودي يتغير بتغير مصالح الرياض.