الافتتاحية

السعودية فككت الجنوب لخدمة اتفاق مع الحوثيين لم يكتمل

دخلت السعودية الحرب في اليمن تحت عنوان إعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب الحوثي، لكنها بعد أكثر من عقد وجدت نفسها أمام نتيجة تناقض الهدف الذي أعلنت من أجله تدخلها: الحوثيون باتوا أكثر قوة، وإيران أصبحت تهيمن على باب المندب، بينما تعرضت القوى التي قاتلت فعلياً على الأرض للتفكيك والاستنزاف والإقصاء. وفي قلب هذه المفارقة يقف الجنوب، الذي دفع كلفة الحرب مرتين؛ الأولى عندما خاض المواجهة المباشرة ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، والثانية عندما تحوّل من شريك في التحالف إلى هدف لسياسة سعودية التي عملت على تفكيكه لصالح جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الأخرى المتحالفة مع او تلك التي تدين بالولاء لها.

منذ أن بدأت الرياض مفاوضاتها المباشرة وغير المباشرة مع الحوثيين، تغيّرت أولوياتها في اليمن. تراجعت مسألة استعادة صنعاء، واختفت تدريجياً لغة إنهاء الانقلاب، وحلّ مكانها خطاب يركز على التهدئة وتأمين الحدود ووقف الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية. كان ذلك تحولاً مفهوماً من زاوية المصالح الوطنية للرياض، لكنه لم يُقدَّم إلى الحلفاء بشفافية، ولم يُترجم إلى تسوية سياسية واضحة تضمن مصالح بقية الأطراف. وبدلاً من ذلك، بدأت السعودية إزاحة القوى التي اعتقدت انها قد تعارض اتفاقها مع الحوثيين الموالين لإيران، حين كان الـ2 من يناير 2026م، بداية الحرب 

 

كان الجنوب الحلقة الأضعف في هذه المقاربة، رغم أنه امتلك التشكيلات العسكرية الأكثر تنظيماً وخبرة في مواجهة الحوثيين وتنظيمي القاعدة وداعش. فالقوات الجنوبية، بمختلف تشكيلاتها، ساهمت في تحرير عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وأجزاء من الساحل الغربي، ووفرت حزاماً أمنياً امتد من باب المندب إلى بحر العرب. غير أن هذه القوة تحولت، في الحسابات السعودية الجديدة، إلى عقبة محتملة أمام إعادة تركيب اليمن وفق تفاهمات لا تعترف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، ولا تمنحهم موقعاً سياسياً يعادل وزنهم العسكري والجغرافي.

 

كانت الرياض تريد جنوباً هادئاً ومنضبطاً، لا جنوباً يمتلك قراره. أرادت قوات تستطيع استخدامها عند الحاجة، لكنها لا تملك القدرة على فرض شروطها أو رفض الذهاب إلى حرب جديدة. ومن هنا بدأت عملية طويلة لتفكيك مراكز القوة الجنوبية: إنشاء تشكيلات عسكرية موازية، نقل الموارد والدعم إلى وحدات ترتبط مباشرة بالقرار السعودي، الضغط على القيادات السياسية والعسكرية، وإعادة تمكين قوى فقدت حضورها الشعبي والميداني. لم يكن الهدف بناء مؤسسة وطنية موحدة بقدر ما كان تفتيت موازين القوة ومنع أي طرف جنوبي من التحول إلى شريك مستقل في تقرير مستقبل المنطقة.

 

بلغت هذه السياسة ذروتها في حرب يناير/كانون الثاني 2026، حين استخدمت السعودية تفوقها الجوي والسياسي ضد القوات الجنوبية التي كانت حتى وقت قريب جزءاً من المعسكر المناهض للحوثيين. وبصرف النظر عن المبررات التي قدمتها الرياض أو الحكومة التابعة لها، فإن النتيجة العملية كانت واضحة: تفكيك التشكيلات التي حافظت على الأمن في مناطق واسعة، تسريح آلاف الجنود، إضعاف شبكات مكافحة الإرهاب، وخلق فراغات أمنية وعسكرية في مناطق تمتد من عدن إلى حضرموت. لم تنتقل هذه القوة إلى جبهة الحوثيين، ولم تُدمج ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، بل جرى تحييدها بينما بقيت القوات الشمالية المتمركزة في مأرب ووادي حضرموت بعيدة عن معارك حقيقية مع الجماعة.

 

هذه النتيجة لا يمكن فصلها عن مسار التفاوض السعودي مع الحوثيين. فقد كانت الرياض تبحث عن مخرج يوقف الهجمات على أراضيها ويمنحها ضمانات أمنية على الحدود، فيما كان الحوثيون يريدون اعترافاً عملياً بسلطتهم، وموارد مالية، وترتيبات اقتصادية وعسكرية تخفف عنهم الضغوط. وبين المطلبين، أصبح الجنوب ورقة قابلة لإعادة الترتيب. كان إضعاف المجلس الانتقالي والقوات المرتبطة بالمشروع الجنوبي ضرورياً لتقديم يمن غير حوثي منزوع القدرة على الاعتراض، وقابل للانخراط في تسوية تُبقي شكل الوحدة قائماً ولو فقد مضمونه السياسي والوطني.

 

لكن الاتفاق الذي فُكك الجنوب من أجله لم يكتمل. لم يقدم الحوثيون للسعودية الضمانات التي كانت تبحث عنها، ولم يتخلوا عن سلاحهم أو ارتباطهم بإيران، ولم تتحول التهدئة إلى سلام مستدام. وعلى العكس، استغلوا سنوات خفض التصعيد لتعزيز ترسانتهم الصاروخية وقدراتهم في الطائرات المسيّرة والحرب البحرية. وبينما كانت الرياض منشغلة بإعادة هندسة المعسكر المناهض لهم، حافظت الجماعة على وحدة قرارها وقيادتها وجبهتها الداخلية، ووسعت حضورها السياسي والعسكري على حساب خصوم أنهكتهم الانقسامات والتدخلات الإقليمية.

 

تكشف التطورات في الساحل الغربي وباب المندب حجم الخطأ الذي ارتكبته السياسة السعودية. فحين يتحرك الحوثيون نحو المخا وميون، لا يواجهون تحالفاً متماسكاً يمتلك قيادة واحدة وهدفاً واضحاً، بل يجدون قوى متفرقة، بعضها لا يثق بالرياض، وبعضها يخشى أن يكون دوره القادم بعد انتهاء المعركة، وبعضها ينتظر دعماً لا يصل. أما المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان قادراً في مراحل سابقة على الدفع بقواته إلى جبهات خارج حدوده المباشرة، فقد أصبح أكثر حذراً بعد أن استُخدمت القوة السعودية ضده، وبعد أن أثبتت الرياض أن التحالف معها لا يوفر ضمانة سياسية أو عسكرية طويلة الأمد.

 

من الصعب مطالبة الجنوبيين بالقتال تحت إدارة الطرف الذي قصف قواتهم وفكك مؤسساتهم وحاول فرض ترتيبات سياسية عليهم بالقوة. ومن الأصعب إقناعهم بأن معركة جديدة ستقود إلى نتيجة مختلفة، في ظل غياب مشروع سياسي واضح لما بعد الحرب. لقد قاتل الجنوب الحوثيين منذ عام 2015، لكنه لم يحصل مقابل ذلك على اعتراف بقضيته أو شراكة تحمي مصالحه. وفي كل مرة كانت القوات الجنوبية تحقق تقدماً، كانت التسويات السياسية تعيد إنتاج القوى نفسها التي فشلت في الشمال، وتمنحها سلطة على مناطق لم تحررها ولم تدافع عنها.

 

هذا التناقض هو جوهر الأزمة الحالية. السعودية تحتاج إلى القوة الجنوبية لمواجهة الحوثيين وحماية باب المندب وخليج عدن، لكنها لا تريد الاعتراف بالجنوب شريكاً سياسياً مستقلاً. تريد من المقاتل الجنوبي أن يتقدم إلى الجبهات، لكنها ترفض أن يمتلك قرار الحرب والسلام. تطالبه بالدفاع عن الأمن الإقليمي، ثم تدعم ترتيبات داخلية تنتزع منه السيطرة على أرضه. وهذه معادلة لا يمكن أن تنتج تحالفاً مستقراً؛ لأنها تقوم على الاستخدام العسكري والإقصاء السياسي في الوقت نفسه.

 

أما الحوثيون، فقد قرأوا هذه التناقضات جيداً. فهم يدركون أن التقدم العميق نحو الجنوب سيواجه مقاومة اجتماعية وعسكرية لا تتوافر لهم قاعدة شعبية قادرة على احتوائها. ولذلك يتعاملون بحذر، ويقدمون رسائل تقول إنهم لا يسعون إلى احتلال الجنوب، بينما يضغطون عسكرياً على حدوده وممراته البحرية. هذه اللغة لا تعكس اعترافاً بحقوق الجنوبيين، بل تكتيكاً لتجنب فتح جبهة واسعة قبل تثبيت المكاسب في الساحل الغربي. وإذا شعر الحوثيون بأن خصومهم فقدوا القدرة على الرد، فلن تمنعهم بيانات الطمأنة من مواصلة التقدم.

 

المفارقة أن الرياض، التي سعت إلى تحييد الجنوب لتسهيل اتفاقها مع الحوثيين، أصبحت اليوم أكثر عرضة لنتائج فشل ذلك الاتفاق. فالجماعة التي كان يفترض أن تمنح المملكة أمناً على حدودها أصبحت تملك أوراق ضغط تمتد إلى البحر الأحمر وخطوط تصدير النفط والملاحة الدولية. والقوى التي كان يمكن أن تشكل خط الدفاع الأول تعرضت للإضعاف أو الإقصاء أو فقدت الثقة في القيادة السعودية. وبذلك خسرت المملكة الاتفاق وخسرت، في الوقت نفسه، تماسك التحالف الذي كان يمكن أن يمنع توسع خصمها.

 

لا يعني ذلك أن الجنوب يستطيع تجاهل الخطر الحوثي أو التعامل معه باعتباره مشكلة سعودية أو شمالية فقط. السيطرة الحوثية على باب المندب أو الساحل الغربي تمثل تهديداً مباشراً للأمن الجنوبي، ولموانئ عدن وخليج عدن، وللتجارة الدولية، كما تمنح إيران ورقة استراتيجية شديدة الخطورة. لكن مواجهة هذا التهديد لا يمكن أن تتم عبر إعادة إنتاج الصيغة القديمة، ولا من خلال استدعاء القوات الجنوبية كلما تعرضت المصالح السعودية للخطر ثم العودة إلى تهميشها بعد انتهاء المهمة.

 

أي مواجهة جديدة تحتاج أولاً إلى تصحيح سياسي يسبق التحرك العسكري. يبدأ ذلك بالاعتراف بأن الجنوب ليس مخزوناً بشرياً للحروب، وأن قضيته لا يمكن تأجيلها إلى أجل غير معلوم، وأن القوات الجنوبية يجب أن تُبنى وتُدار ضمن استراتيجية تحمي أرضها وتراعي أهدافها الوطنية. كما يتطلب الأمر إنهاء سياسة التشكيلات المتنافسة، وإعادة بناء أجهزة مكافحة الإرهاب، وضمان استقلال القرار الأمني في عدن والمحافظات الجنوبية، ووضع إطار واضح للشراكة مع القوى الإقليمية والدولية.

 

يتطلب الأمر أيضاً مراجعة سعودية صريحة، لا حملة إعلامية جديدة لتوزيع المسؤولية. فالقول إن الانقسامات اليمنية وحدها سمحت للحوثيين بالتقدم يتجاهل أن الرياض كانت اللاعب الأكثر قدرة على توجيه المعسكر المناهض للجماعة، وأنها استخدمت هذا النفوذ لإدارة الخلافات لا لحسمها، ولإعادة هندسة الحلفاء لا لبناء قيادة مشتركة. وحين تعطي دولة إقليمية الأولوية لإضعاف شريكها المحلي على حساب خصم مسلح مدعوم من إيران، فإن النتيجة لا تحتاج إلى كثير من التفسير.

 

ليس المطلوب من السعودية العودة إلى حرب مفتوحة بلا هدف سياسي، ولا دفع اليمنيين إلى جولة أخرى من القتال تخدم أمن حدودها وحده. المطلوب أن تختار بين تسوية شاملة تعترف بالأطراف الفعلية ومصالحها، وبين استراتيجية ردع حقيقية تقوم على تحالف متماسك. أما الجمع بين التفاوض مع الحوثيين، وتفكيك القوى المناهضة لهم، والإبقاء على جنوب ضعيف ومجزأ، فهو المسار الذي أوصل الجماعة إلى باب المندب، وجعل إيران أقرب إلى التحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

 

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحوثيين لا يقدمون تنازلات مجانية، وأن التهدئة بالنسبة إليهم فرصة لتعزيز القوة وتحسين شروط التفاوض. كما أثبتت أن إضعاف الجنوب لا يقود إلى استقرار اليمن، بل يزيل الحاجز الأكثر قدرة على منع التمدد الحوثي والإرهابي. وكل فراغ تركه تفكيك القوات الجنوبية سيملؤه طرف آخر؛ الحوثيون في الغرب، والقاعدة في المناطق الرخوة، وشبكات التهريب والجماعات المسلحة في المساحات الخارجة عن السيطرة.

 

تواجه السعودية اليوم حصيلة خياراتها: اتفاق لم يكتمل، وحليف جنوبي فقد الثقة بها، وحكومة لا تملك قوة كافية على الأرض، وخصم حوثي توسعت قدرته على التهديد. ويمكنها أن تواصل إدارة الأزمة بالأدوات نفسها، فتبحث عن تشكيلات جديدة وتعيد توزيع الأموال والسلاح وتؤجل الأسئلة السياسية، لكن ذلك لن يغير مسار الأحداث. أو يمكنها الاعتراف بأن أمنها يبدأ من وجود جنوب قوي ومستقر، لا من جنوب مفكك وخاضع.

 

المشكلة لم تعد في أن الاتفاق مع الحوثيين تعثر، بل في أن الرياض هدمت خلال سعيها إليه جانباً أساسياً من منظومة الردع التي قد تحتاج إليها الآن. وعندما وصلت الجماعة إلى باب المندب، ظهر الثمن الحقيقي لذلك الخيار. فالقوة التي جرى تفكيكها لا يمكن جمعها بقرار عاجل، والثقة التي ضاعت لا تستعاد بخطاب سياسي، والتحالف الذي تحول أعضاؤه إلى خصوم لا يعود إلى العمل بمجرد ظهور الخطر.

 

إذا أرادت السعودية وقف التمدد الحوثي، فعليها أن تبدأ من المكان الذي أخطأت فيه: الجنوب. ليس عبر فرض وصاية جديدة أو استبدال قوة بأخرى، بل من خلال شراكة تعترف بإرادة الجنوبيين وحقهم في حماية أرضهم وتحديد مستقبلهم. وما لم يحدث ذلك، ستظل أي دعوة إلى مواجهة الحوثيين ناقصة، وسيبقى باب المندب شاهداً على سياسة فككت الحلفاء بحثاً عن اتفاق مع خصم لم يكن مستعداً لمنحها السلام.