الافتتاحية
واشنطن تفتح باب الحرب والجنوب مرشح لدفع الفاتورة الأكبر
لم تعد عودة الحرب إلى اليمن احتمالاً بعيداً تطرحه مراكز الدراسات أو تحذر منه البيانات الدبلوماسية. القتال يتوسع على الأرض، والصواريخ الحوثية تجاوزت الحدود، ومنشآت الطاقة في جنوب السعودية تعرضت للهجوم، فيما عادت الرياض إلى استخدام لغة الردع والرد الحازم بعد سنوات من الاتصالات المباشرة والتهدئة غير المعلنة مع صنعاء. وفي موازاة ذلك، منحت الولايات المتحدة حليفتها السعودية غطاءً سياسياً وعسكرياً يسمح لها بالذهاب بعيداً في الرد، من دون أن تقدم واشنطن أو الرياض تصوراً لما ستؤول إليه الحرب إذا فُتحت جبهاتها مرة أخرى.
السعودية تعرضت لهجمات خطرة طالت مدنها ومنشآتها الاقتصادية وأصابت عشرات المدنيين، ومن حقها الدفاع عن أراضيها وسكانها. لكن هذا الحق لا يجيب عن الأسئلة اليمنية التي تجاهلتها الرياض طوال سنوات تدخلها: من سيقاتل على الأرض؟ ومن سيقرر اتجاه العمليات؟ وما مصير القوى التي ستقدم المقاتلين وتتحمل الخسائر؟ وهل ستكون هناك تسوية سياسية تعترف بالواقع الجديد في الجنوب، أم أن الجنوبيين سيُطلب منهم القتال مجدداً تحت شعارات انتهت صلاحيتها، ثم يُستبعدون عندما تبدأ المفاوضات؟
هذه الأسئلة تكتسب أهميتها من حقيقة أن التحالفات التي دخلت بها السعودية حرب عام 2015 لم تعد قائمة. ما حدث في يناير الماضي غيّر قواعد العلاقة بين الرياض وعدن، وقضى على ما تبقى من الثقة التي تأسست خلال سنوات مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية. فالحرب التي شنتها السعودية على الجنوب لم تستهدف خصماً حوثياً أو تنظيماً متطرفاً، بل أصابت القوات الجنوبية التي كانت جزءاً رئيسياً من المعسكر المناهض لصنعاء، وأسهمت في تحرير عدن والمكلا ومناطق واسعة، وحملت العبء الأكبر في تأمين الساحل ومكافحة الإرهاب.
منذ يناير، لم تعد السعودية بالنسبة إلى قطاعات واسعة في الجنوب حليفاً يمكن الاطمئنان إلى التزاماته. أصبحت قوة تدخلت عسكرياً لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي وفق مصالحها، وفككت تشكيلات أمنية وعسكرية، وأضعفت بنيةً راكمت خبرتها خلال عقد كامل. وفي الوقت نفسه، وثقت الرياض صلاتها بالقوى المتمركزة في مأرب، وحافظت على نفوذ حزب الإصلاح داخل المؤسسات السياسية والعسكرية، بينما واصلت التفاوض مع الحوثيين بحثاً عن ضمانات لأمن حدودها ومنشآتها.
هكذا وجدت السعودية نفسها في موقع بالغ التناقض: خصماً لعدن، وحليفاً لمأرب، وهدفاً لصنعاء. وهي الآن تبحث عن إعادة تشغيل الحرب بأدوات يمنية بعدما انهارت التفاهمات التي اعتقدت أنها كفيلة بتحييد الحوثيين. غير أن العودة إلى القتال لا تبدو قائمة على مراجعة للأخطاء السابقة أو على استراتيجية جديدة، بل على استجابة اضطرارية للضربات التي وصلت إلى الداخل السعودي وأظهرت هشاشة الرهان على شراء الهدوء من دون معالجة جذور الصراع.
المشكلة أن الرياض قد تختار مجدداً أسهل الأدوات المتاحة أمامها: القوات الجنوبية. فقد أثبتت التجارب السابقة أن هذه القوات تتحرك بسرعة عندما تتعرض الجبهات للانهيار، وتمتلك خبرة قتالية وتنظيماً أفضل من تشكيلات أخرى ظلت تتلقى التمويل والسلاح من دون أن تغير موازين الحرب. ولهذا يجري الدفع بألوية العمالقة وغيرها من الوحدات الجنوبية نحو جبهات تعز والحديدة والبيضاء، في حين تُترك القوة العسكرية التابعة للإخوان المسلمين بعيداً عن واجهة الهجوم، رغم ما تملكه من معسكرات وألوية ومخزون بشري تراكم على مدى سنوات.
لا يتعلق الأمر بنقص القوة في مأرب أو تعز. حزب الإصلاح يمتلك وحدات عسكرية واسعة، ويسيطر على مفاصل داخل الجيش والسلطة المحلية، وحصل خلال سنوات الحرب على دعم مالي وتسليحي وسياسي كبير. ومع ذلك، كلما وصلت المواجهة إلى نقطة تحتاج إلى قوة هجومية فاعلة، اتجهت الأنظار إلى الجنوب. تتحرك القوات الجنوبية لفك الحصار، واستعادة المواقع، وحماية الطريق الساحلي، وتأمين المخا وباب المندب، بينما تظل التشكيلات المرتبطة بالإصلاح في مواقعها أو تشارك بحدود لا تتناسب مع حجم نفوذها وإمكاناتها.
هذا التوزيع لا يبدو عفوياً. تحييد القوة الإخوانية عن الواجهة يحميها من الاستنزاف ويحافظ عليها لاعباً سياسياً وعسكرياً يمكن للسعودية استخدامه داخل ترتيبات السلطة المقبلة. أما القوات الجنوبية، فيجري التعامل معها باعتبارها قوة قتال جاهزة يمكن نقلها من جبهة إلى أخرى كلما اقتضت الحاجة السعودية ذلك. تدفع هذه القوات الثمن البشري، ثم تعود القوى المحمية إلى طاولة المفاوضات لتطالب بحصتها في الحكومة والجيش والموارد.
في هذه المعادلة، يصبح الجنوب الخاسر الوحيد. فهو خسر جزءاً كبيراً من بنيته العسكرية والأمنية في حرب يناير، ويواجه الآن احتمال استنزاف ما تبقى من قوته في معارك خارج حدوده وأولوياته المباشرة. وفي المقابل، لا توجد ضمانة بأن يؤدي أي انتصار عسكري على الحوثيين إلى تقدم سياسي في قضية الجنوب. التجربة تقول العكس: كلما قدم الجنوبيون إنجازاً في الميدان، استخدمت نتائجه لإعادة بناء سلطة يمنية لا تعترف بحقهم في تقرير مستقبلهم.
خلال حرب عام 2015، قاتل الجنوب الحوثيين بوصفهم قوة اجتاحت أرضه وهددت مدنه. كانت المعركة دفاعاً مباشراً عن عدن ولحج والضالع وشبوة، ولذلك امتلكت غايتها الواضحة وبيئتها الشعبية. أما الحرب التي يجري التحضير لها اليوم، فتفتقر إلى هذه البوصلة. الحوثيون يهاجمون السعودية رداً على الغارات والتحركات العسكرية، والسعودية تريد استعادة الردع وحماية منشآتها، والولايات المتحدة تنظر إلى التصعيد من زاوية صراعها مع إيران وأمن خطوط الملاحة والطاقة. وحده الجنوب لا يملك حتى الآن هدفاً سياسياً محدداً يبرر إرساله إلى حرب تتجاوز الدفاع عن أرضه.
الغطاء الأميركي لا يبدد هذه المخاوف، بل يضاعفها. واشنطن ترى الحوثيين ذراعاً إيرانية وتهديداً للممرات البحرية، وتتعامل مع تسليح السعودية ودعم قدرتها على الرد ضمن صراع إقليمي أوسع. لكنها لا تبدي اهتماماً مماثلاً بمستقبل الجنوب أو بتداعيات تفكيك القوات التي واجهت الإرهاب وحمت خليج عدن وباب المندب. بالنسبة إليها، الأولوية هي منع تهديد المصالح الأميركية والتجارة الدولية، حتى لو نفذت المهمة قوات محلية لا تحصل على أي مقابل سياسي.
ومن الصعب فصل هذا الموقف عن صفقات السلاح والمصالح الاقتصادية التي ترافق كل جولة تصعيد. فالحرب تفتح سوقاً جديدة للذخائر وأنظمة الدفاع والطائرات، وتعيد تثبيت الحاجة السعودية إلى الحماية الأميركية. أما الخسائر البشرية والدمار والنزوح، فتظل شأناً يمنياً يجري احتواؤه ببيانات القلق والمساعدات الإنسانية. هذه الدائرة عرفها اليمن خلال العقد الماضي: أسلحة أكثر، غارات أكثر، قتلى أكثر، ثم تفاوض يعيد الأطراف إلى نقطة قريبة من البداية.
السعودية، من جهتها، مطالبة بتفسير ما تريده من الحرب. هل تريد إسقاط سلطة الحوثيين في صنعاء، أم دفعهم إلى تقديم تنازلات تتعلق بأمن حدودها؟ هل تسعى إلى استعادة الدولة اليمنية، أم تريد اتفاقاً ثنائياً يوقف الصواريخ عن منشآتها؟ وإذا كان الهدف هو حماية المملكة، فلماذا يتعين على القوات الجنوبية أن تتقدم في تعز والحديدة والبيضاء، بينما تبقى القوى الشمالية التي احتكرت تمثيل الشرعية ومواردها بعيدة عن الكلفة الأكبر؟
لا تستطيع الرياض أن تطلب من عدن التصرف كحليف بعد أن تعاملت معها كخصم في يناير. إعادة بناء أي تعاون تحتاج أولاً إلى اعتراف بما أحدثته الحرب السعودية في الجنوب، وإعادة تنظيم القوات التي جرى تفكيكها، ووقف محاولات إخضاع القرار الجنوبي، وتقديم ضمانات سياسية صريحة بشأن مستقبل القضية الجنوبية. أما تجاوز كل ذلك والانتقال مباشرة إلى طلب المقاتلين، فهو تكرار للنهج الذي استنزف العلاقة وأفقد التحالف معناه.
ليس من المنطقي أن يُطلب من الجنوبيين تحرير الشمال، بينما تُستخدم القوة السعودية لمنعهم من تقرير مستقبل الجنوب. ولا يستقيم أن تحافظ الرياض على القوة العسكرية التابعة للإخوان المسلمين، ثم تدفع بأبناء الجنوب إلى جبهات لا تشارك القوى المهيمنة عليها في تحمل أعبائها. وإذا كانت مأرب جزءاً رئيسياً من المعسكر الذي ترعاه السعودية، فإن قواتها أولى بالدفاع عنها وبالقتال في الجبهات المتصلة بها، بدلاً من تحويل الجنوب إلى احتياط بشري دائم لحروب الآخرين.
هذا الموقف لا يعني الوقوف إلى جانب الحوثيين أو تجاهل خطرهم. فالجماعة مشروع مسلح مرتبط بإيران، وتمثل تهديداً مباشراً للجنوب وللملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. ومواجهتها ضرورة عندما تهاجم الأراضي الجنوبية أو تهدد باب المندب والساحل. لكن الفرق كبير بين الدفاع عن الجنوب وبين الانخراط في حرب تديرها السعودية لحماية حدودها وتحسين شروط تفاوضها مع صنعاء.
على القوى الجنوبية أن تحدد حدود مشاركتها قبل أن تبدأ المعركة، لا بعد سقوط القتلى. حماية عدن ولحج والضالع وشبوة وحضرموت والمهرة، وتأمين المياه الإقليمية والموانئ وباب المندب، واجبات لا خلاف عليها. أما التقدم نحو جبهات بعيدة فيجب أن يرتبط بقيادة جنوبية مستقلة، وهدف سياسي معلن، وضمانات تحول دون استخدام الانتصارات العسكرية لإعادة فرض مشاريع الوحدة بالقوة أو إحياء مراكز النفوذ التي ظلت بعيدة عن المواجهة.
الحرب الجديدة، إذا اندلعت، ستكون أكثر خطورة من سابقاتها. الحوثيون راكموا قدرات صاروخية ومسيّرة، وتوسعت صلتهم بالصراع الإقليمي، وأصبحت منشآت الطاقة والممرات البحرية جزءاً من ميدان المواجهة. وفي المقابل، تراجعت وحدة المعسكر المناهض لهم، وتحولت السعودية من قائد لتحالف واسع إلى طرف تتشابك خصوماته وتحالفاته على نحو يصعب ضبطه. لذلك لن تكون كلفة الحرب محصورة في خطوط التماس، بل ستمتد إلى المدن والاقتصاد والموانئ وحياة ملايين المدنيين.
واشنطن فتحت الباب، والرياض تلوّح بالعبور منه، لكن الجنوب غير ملزم بدفع الفاتورة مرة أخرى. من يريد قواته عليه أن يعترف بقضيته، ومن يطلب تضحياته عليه أن يمنحه موقعاً في القرار، ومن شن عليه حرباً قبل أشهر لا يستطيع أن يتصرف اليوم كأن شيئاً لم يحدث. لقد تغيرت قاعدة التحالفات في يناير، وأي حرب تتجاهل هذه الحقيقة ستنتج خصومات جديدة، حتى لو نجحت مؤقتاً في تحريك الجبهات.
المطلوب ليس انسحاب الجنوب من مواجهة الخطر الحوثي، بل رفض استخدامه قوةً بلا قضية، وجيشاً بلا قرار، وحليفاً عند الحرب وخصماً عند السياسة. فالجنوب دفع خلال السنوات الماضية ثمناً يفوق ما حصل عليه، وإذا دخل الجولة المقبلة بالشروط نفسها فلن تكون النتيجة مختلفة، سوى أن الخسارة هذه المرة ستكون أكبر، والقوة التي يحتاجها للدفاع عن مشروعه الوطني ستكون قد استنزفت في معركة كتبت أهدافها واشنطن والرياض، وحُرم أصحاب الأرض من المشاركة في صياغتها.


