رهانات الرياض تنهار غرباً..

الحوثيون يسيطرون على باب المندب والسعودية تدفع ثمن تفكيك حلفائها

يكشف التقدم الحوثي في الساحل الغربي أن إدارة السعودية للحرب من الخلف لم تعد خياراً قليل الكلفة، بل سياسة سمحت بتآكل الجبهة المناهضة للجماعة. وبينما تواصل الرياض حسابات التردد وتوزيع النفوذ، تقترب الذراع الإيرانية من باب المندب وتكتسب ورقة ضغط تمس أمن المنطقة والملاحة الدولية.

حدود الاستراتيجية السعودية محاولة خفض كلفة الحرب من دون معالجة أسباب تفوق الحوثيين - أرشيف

الرياض

يضع التقدم العسكري الذي أحرزته جماعة الحوثي في الساحل الغربي السعودية أمام نتيجة يصعب فصلها عن سياساتها في اليمن. فبعد سنوات من إدارة القوى المناهضة للجماعة باعتبارها مراكز نفوذ متنافسة، لا جبهة عسكرية يفترض توحيدها، بات الحوثيون أقرب إلى باب المندب، بينما تكتفي الرياض بالمراقبة وتقديم دعم محدود لقوات فقدت كثيراً من تماسكها وقدرتها على المبادرة.

لا يتعلق الأمر بتراجع ميداني عابر أو خسارة مواقع يمكن تعويضها بغارات جوية متفرقة.. فالساحل الغربي يمثل خط الدفاع المباشر عن أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأي اقتراب حوثي من مناطقه الحساسة يوسّع قدرة الجماعة على تهديد الملاحة، ويمنح إيران ورقة ضغط جديدة في البحر الأحمر، ويكشف في الوقت نفسه حدود الاستراتيجية السعودية التي حاولت خفض كلفة الحرب من دون معالجة أسباب تفوق الحوثيين.

تزامن التقدم الحوثي مع تصعيد واسع في جبهتي تعز والحديدة، وسقوط مناطق ومواقع عسكرية مكّن الجماعة من إعادة ترتيب انتشارها والضغط على خطوط القوات المناهضة لها. ولا يعني اقتراب المواجهات من باب المندب أن الحوثيين أحكموا السيطرة على المضيق، لكنه يضعهم في موقع أفضل لنشر الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة والألغام، ويفتح أمامهم مجالاً أوسع لتهديد السفن ورفع كلفة المرور عبر البحر الأحمر.

كانت السعودية قادرة خلال السنوات الماضية على إدراك القيمة الاستراتيجية لهذه الجبهة. ومع ذلك، تعاملت معها باعتبارها ملفاً يمكن ضبطه من الخلف، عبر التمويل والتسليح الجزئي وتوزيع الأدوار بين تشكيلات يمنية متباينة. وتكشف التطورات الأخيرة أن هذه المقاربة لم تنتج جيشاً يمنياً موحداً، بل أبقت القوات المحلية مرتبطة بقيادات ومصالح ومصادر دعم مختلفة، فيما واصل الحوثيون بناء قوة مركزية أكثر تنظيماً وتسليحاً.

تحاول بعض القراءات تقديم إحجام الرياض عن التدخل المباشر باعتباره سياسة واقعية تهدف إلى تقليل الكلفة العسكرية والسياسية، وحرمان الحوثيين من تصوير الحرب بوصفها مواجهة يمنية سعودية. لكن هذه الحجة تتجاهل أن السعودية ليست طرفاً بعيداً عن الصراع، وأنها ظلت تدير التوازنات العسكرية والسياسية داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وحين تتولى دولة إدارة الحلفاء وتحديد مواردهم وهوامش حركتهم، يصعب عليها التنصل من مسؤولية النتائج عندما تتراجع تلك القوى.

كما أن تحويل الحرب إلى مواجهة بين الحوثيين وقوات يمنية مدعومة من الخارج لا يجعلها أكثر وطنية أو أقل ارتباطاً بحسابات الرياض. فالقوات التي يُطلب منها وقف التمدد الحوثي تحتاج إلى قيادة موحدة وغطاء جوي وتسليح مستقر وقرار سياسي واضح. وهذه الشروط لم توفرها السعودية، لانشغالها بإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل المناطق المحررة، ومراقبة حلفائها، ومنع أي قوة محلية من امتلاك قرار مستقل قد يتعارض مع أولوياتها.

كانت النتيجة أن تراجعت الجبهة المناهضة للحوثيين من تحالف عسكري واسع إلى مجموعات تتوزعها الحسابات المحلية والإقليمية. وبدلاً من استثمار الخبرة التي راكمتها القوات الجنوبية وألوية العمالقة والمقاومة الوطنية والقوات التهامية، اتجهت الرياض إلى إعادة ترتيب هذه القوى وفق معيار الولاء السياسي. لكن التشكيلات التي أُضعفت أو جرى تقييدها لم تستبدل بقوة أكثر كفاءة، بل تُركت أمام فراغ في القيادة واختلال في خطوط الإمداد.

لهذا تبدو عبارة «إدارة المعركة من الخلف» توصيفاً مخففاً لمشكلة أكثر عمقاً. فالرياض لا تدير معركة متماسكة من موقع خلفي، وإنما تدير شبكة من القوى المتنافرة، ثم تنتظر منها مواجهة جماعة بنت خلال سنوات الحرب قيادة مركزية وترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات تمويل وتهريب وتعبئة عقائدية. الفارق بين الطرفين ليس في حجم الموارد، بل في طريقة تحويلها إلى قوة قابلة للاستخدام.

يدرك الحوثيون هذا الخلل ويتحركون وفقه. فبدلاً من استنزاف قواتهم في جبهات صحراوية لا تحقق لهم مكاسب سياسية كبيرة، يركزون ضغطهم على الساحل الغربي، حيث يمكن لكل تقدم جغرافي أن يتحول إلى ورقة إقليمية. الاقتراب من باب المندب لا يمنح الجماعة موقعاً عسكرياً فحسب، بل يتيح لها التأثير في حسابات شركات النقل والتأمين وأسواق الطاقة والدول المطلة على البحر الأحمر.

كما يمنح هذا التمدد إيران قدرة إضافية على الضغط على السعودية والولايات المتحدة. فطهران لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على باب المندب ما دامت الجماعة المتحالفة معها قادرة على جعل المضيق غير آمن. ويكفي وقوع هجمات محدودة أو تكرار التهديدات حتى تتجه السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتتضرر الموانئ والاقتصادات المرتبطة بالبحر الأحمر.

في المقابل، تجد السعودية نفسها أمام تهديد كانت حربها في اليمن تستهدف منعه. فقد دخلت الرياض المواجهة عام 2015 تحت عنوان وقف التمدد الإيراني واستعادة الحكومة اليمنية، لكنها تواجه اليوم جماعة أقوى تسليحاً وأكثر قدرة على ضرب أراضي المملكة وتهديد طرق تصدير الطاقة. وبعد أكثر من عقد، لم تعد المشكلة مقتصرة على وجود سلطة حوثية في صنعاء، بل امتدت إلى احتمال تمركزها قرب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

هذا التحول يمثل إخفاقاً استراتيجياً، لا مجرد تعثر عسكري. فالسعودية امتلكت التفوق الجوي والتمويل والعلاقات الدولية وشبكة واسعة من الحلفاء اليمنيين، لكنها لم تستطع تحويل هذه العناصر إلى مشروع سياسي وعسكري واضح. وبقيت سياستها تتحرك بين الرغبة في احتواء الحوثيين، والخشية من حرب مفتوحة معهم، والسعي إلى ضبط القوى المحلية المناهضة لهم. وفي كل مرة تعارضت فيها مواجهة الحوثيين مع إدارة نفوذ الحلفاء، أعطت الرياض الأولوية للثانية.

تراهن السعودية حالياً على أن رفع مستوى الدعم الجوي والاستخباراتي واللوجستي قد يسمح للقوات اليمنية باستعادة المبادرة من دون عودة الجيش السعودي إلى المواجهة المباشرة. غير أن هذا الرهان يفترض وجود قوة يمنية موحدة وقادرة على استثمار الدعم، وهو ما لا يظهر في الواقع. فالدعم العسكري لا يعالج تعدد القيادات ولا يصنع هدفاً سياسياً مشتركاً ولا ينهي الصراع بين القوى التي يفترض أنها تقاتل في خندق واحد.

كما أن التردد السعودي يمنح الحوثيين فرصة تحديد مكان المعركة وتوقيتها. فالجماعة تعرف أن الرياض تخشى استهداف منشآتها النفطية ومدنها الجنوبية، وتدرك أن المملكة تريد تجنب الانجرار إلى حرب طويلة. لذلك تستخدم الهجمات والتهديدات لرفع كلفة التدخل السعودي، فيما تواصل توسيع نفوذها على الأرض. وبهذه الطريقة تصبح خشية الرياض من التصعيد عاملاً يساعد الحوثيين على التصعيد.

لا يمكن فصل ما يحدث في الساحل الغربي عن السياسة السعودية تجاه الجنوب. فقد أدى إضعاف القوات الجنوبية وإعادة ترتيب المشهد العسكري بعد الصدام معها إلى خلخلة التوازن الذي كان يوفر حماية غير مباشرة لباب المندب. ورغم أن هذه القوات لم تكن جميعها تعمل ضمن قيادة واحدة، فإن وجودها كان يشكل ثقلاً عسكرياً يمتد من عدن ولحج إلى الساحل الغربي. وحين جرى تفكيك هذا الثقل أو تحييده، لم تظهر قوة بديلة قادرة على أداء المهمة نفسها.

تكشف هذه النتيجة أن الرياض نظرت إلى القوى المحلية القوية باعتبارها مشكلة سياسية قبل النظر إليها بوصفها ضرورة عسكرية في مواجهة الحوثيين. أرادت حلفاء يمكن التحكم بقرارهم، لكنها لم تضمن قدرتهم على القتال. وبدلاً من معالجة خلافاتها مع القوى الجنوبية ضمن تفاهم سياسي يحفظ الجبهة المناهضة لإيران، ساهمت في تعميق الانقسامات، ثم وجدت نفسها أمام فراغ تستثمره الجماعة الحوثية.

ولا يعفي ذلك القيادات اليمنية من مسؤوليتها. فتعدد مراكز القرار، والتنافس بين القوى المناهضة للحوثيين، وغياب مشروع سياسي جامع، كلها عوامل سهلت تقدم الجماعة. لكن السعودية، بصفتها الممول وصاحبة التأثير الأكبر في المعسكر الحكومي، تتحمل مسؤولية مضاعفة لأنها امتلكت القدرة على توحيد هذه القوى أو على الأقل تنظيم العلاقة بينها، واختارت بدلاً من ذلك إدارة تناقضاتها واستثمارها.

تطرح التطورات ثلاثة خيارات أمام الرياض: توسيع التدخل العسكري المباشر، أو زيادة دعم القوات المحلية، أو العودة إلى التفاوض مع الحوثيين من موقع أضعف. لكل خيار كلفة واضحة. فالتدخل المباشر قد يعرض المنشآت السعودية لمزيد من الصواريخ والمسيّرات، والدعم غير المباشر قد يفشل بسبب ضعف الشركاء، أما التفاوض بعد تقدم الحوثيين فسيوفر للجماعة شروطاً أفضل ويمنحها اعترافاً عملياً بالمكاسب التي حققتها.

لكن المشكلة أن السعودية أهدرَت الوقت الذي كان يمكن خلاله بناء جبهة متماسكة. وكلما اقترب الحوثيون من باب المندب ضاقت الخيارات، وتحولت المعركة من نزاع يمني يمكن احتواؤه إلى تهديد إقليمي يستدعي تدخل قوى دولية. وعندها قد تجد الرياض نفسها مشاركة في ترتيبات أمنية لحماية المضيق، لكنها لا تملك على ضفته اليمنية شريكاً محلياً قوياً ومنظماً.

لن يحتاج الحوثيون إلى السيطرة الكاملة على باب المندب حتى يفرضوا معادلتهم. قدرتهم على الاقتراب من المضيق وتهديد السفن كافية لإرباك الملاحة. كما أن التطمينات التي تقدمها الجماعة بشأن استهداف سفن محددة لا تلغي الخطر، لأن شركات الشحن تقيس سلامة الطريق على أساس القدرة العسكرية واحتمالات الخطأ والتصعيد، لا على أساس البيانات السياسية.

لهذا لم يعد السؤال ما إذا كانت السعودية ستواصل إدارة المعركة من الخلف، بل ما إذا كانت هذه الإدارة قد فقدت جدواها بالفعل. فالرياض حاولت تقليص كلفة الحرب، لكنها نقلت الكلفة إلى حلفائها وأضعفت قدرتهم على الصمود، قبل أن تعود النتائج لتهدد أمنها ومصالحها البحرية. وما وفرته من كلفة مباشرة خلال مرحلة التريث قد تدفع أضعافه إذا تحولت مكاسب الحوثيين إلى وجود دائم قرب باب المندب.

المعركة على الساحل الغربي هي اختبار لنتائج السياسة السعودية أكثر من كونها اختباراً لنواياها. فالنيات المعلنة عن دعم الحكومة وحماية الملاحة لا تغير الوقائع على الأرض. الحوثيون يتقدمون، والقوى المناهضة لهم تتراجع، وإيران تكسب ورقة جديدة، بينما لا تزال الرياض تتردد بين الحرب والتسوية وإدارة الحلفاء.

وإذا لم تتغير هذه المقاربة، فقد تجد السعودية نفسها أمام جماعة تسيطر على صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن، وتملك في الوقت نفسه قدرة مباشرة على تهديد حدود المملكة وباب المندب. عندها لن يكون وصول الحوثيين إلى الساحل مجرد انتصار للجماعة، بل خلاصة لمسار سعودي استنزف الحلفاء، وبدد التفوق العسكري، وحوّل معركة مواجهة النفوذ الإيراني إلى صراع على إدارة القوى التي كان يفترض أن تتصدى له.