د. عادل عامر يكتب لـ(اليوم الثامن):
العقل الجمعي الاصطناعي
العقل الجمعي الاصطناعي هو مفهوم متطور يدمج بين ديناميكيات العقل الجمعي البشري وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتوجيه وتحليل سلوك الحشود الرقمية أو محاكاة حوار تكاملي متعدد التخصصات. يعد الوعي بشكل عام و ازمة الوعي على وجه الخصوص من اخطر القضايا التي تواجه جميع المجتمعات في العالم، فالمجتمعات الان تواجه حربا من اشد حروب العصر التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والمتمثلة بوسائل التواصل الحديثة في تدمير الدول
والتي اصبحت بديلا عن الحروب على الارض، فهذه المواقع ساعدت في تكوين عقلا جمعيا الكترونيا بين افراد المجتمعات الواحدة او المختلفة وباتت تستعمل كالرصاص التي تميت وتحيي شعوبا بأكملها عن طريق تقبل شائعات تبث وبفعل جهل اغلب الافراد والذين يحتكمون للعقل الجمعي يمكن ان يخلق هذا العقل ازمة وعي، والهدف منه اغتيال العقول الشابه والأجيال القادمة والسيطرة عليها، وانطلاقا من طرحنا هذا كان هدف البحث الحالي هو تسليط الضوء على العقل الجمعي الالكتروني وطرح اراء العلماء بشأن وجود العقل الجمعي وتأثيره في الافراد، فضلا عن التعرف على عوامل خلق بيئة مساهمة في ظهور العقل الجمعي الالكتروني وانسياق الافراد له،
عن طريق الاعتماد على المنهج الاستقرائي وقد توصلنا الى جملة من الاستنتاجات اهمها: هناك من يرى ان العقل الجمعي مجرد تخيل لا اساس له من الواقع او عدم وجود دليل علمي له وقد ابتدعه العالم "اميل دوركهايم "، إلا ان العقل الجمعي عقلا يسيطر على عقول الجماعة من دون ان يكون لهم رأي او تفكير وإنما يحركهم الاخرين كما يحرك القطيع، فللجماعة سطوة على الافراد و وفقا لذلك قد يقل او يزيد قدرتهم على تحكيم العقل ويطلق على سلوكهم بـ (سلوك القطيع) والذي يمكن ان نسميه بتوقف او ضعف التحكم بالعقل الفردي وسيطرة العقل الجمعي الذي يتسبب بأزمة وعي، كما توجد عوامل عدة يمكن ان يحتكم لها العقل الجمعي الالكتروني مما يخلق ازمة وعي،
اهمها الجهل فهناك جاهل الحرف وهناك جاهل المعلومة، فالجاهل بالمعلومة يسيطر عليه الاخرون بنقل خبر او معلومة يرومون الترويج او اخضاعهم لها كما ان تقبل الشائعات من هذه الفئات لها دور ايضا في خلق ازمة وعي، فضلا عن تطور وسائل الاتصال وزيادة مواقع التواصل الاجتماعي زادت من ازمة وعي بعض افراد المجتمع عن طريق الخضوع لرأي الجماعة او ((للعقل الجمعي الالكتروني)) هذا ما أطلقت عليه الباحثة لأنه يشكلا ضغطا على اراء الافراد عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة،
وعليه فأن سيكولوجية العقل الجمعي اسوء اشكال العقول لان الفرد ينساق وراء غرائزه البدائية من خلال احساسه بالأمن الشكلي ضمن المجموع. العقل الجمعي ليس بالضرورة أن يكون غبياً، لكنه يمكن أن يكون كذلك إذا لم يتم تعزيزه بالتفكير النقدي، التعليم الجيد، والوعي بالتحيزات و الأخبار الزائفة. إذا تمكنا من تحويل هذا العقل من كونه جهلاً مجسداً إلى قوة عقلانية، فسنكون قد استثمرنا في أكبر مورد لدينا بطريقة تحمل وعداً حقيقياً بالتقدم للأفضل. تميز العقل البشري بطموحه الجامح إلى تجاوز قدراته الذاتية وسعيه للابتكار، وتكلل سعيه بالنجاح بالمكننة إلى علم التحكم الآلي (الصبرتيقا)، ليتوجه طموحه إلى الذكاء الاصطناعي بداية الثمانينات من القرن الماضي. وهكذا بدأ الحديث عن الآلية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي،
مما يعنى أن الذكاء الاصطناعي أجاز لنفسه طرح إمكانية تجاوز العقل البشرى، إذ تمكنت الأجهزة من القيام بمهام عجز العقل البشرى عن إتمامها دفعة واحدة. وفى هذ السياق سعت الفلسفة الحديثة إلى طرح العلاقة بين التفكير والذكاء البشريين والذكاء الاصطناعي الذي هو في الأصل إنتاج بشرى.
في عالم الذكاء الاصطناعي المتطور باستمرار، يشهد عالمنا تحولاً مذهلاً - تحول لا يهدف فقط إلى تسليط الضوء على كيفية تفكير الآلات، بل أيضاً على كيفية محاكاة عمليات تفكيرها لآليات عمل العقل البشري، بل وحتى توضيحها.
وقد خطت الأبحاث الحديثة التي قادها علماء الإدراك خطوة جريئة في هذا الاتجاه، فمن خلال تدريب نموذج لغوي ضخم وقوي على مجموعة من 10 ملايين سؤال مستمدة من تجارب علم النفس، بنى هؤلاء العلماء مُحاكاة رقمية تحاول التفكير والخطأ والتأمل تماماً كما يفعل الإنسان.
سيناريوهات نفسية: الذاكرة والمعضلات الأخلاقية
ولا يمثل هذا المسعى مجرد تمرين في البراعة الحوسبية؛ بل إنه نافذة على فهم متاهة الإدراك. فمن خلال كشف الذكاء الاصطناعي بوجود هذه المجموعة الواسعة والمعقدة من السيناريوهات النفسية - بدءاً من اختبارات الذاكرة ومهام التعرف على الأنماط وصولاً إلى المعضلات الأخلاقية وألغاز المخاطرة والمكافأة - يهدف الباحثون إلى بناء عقل اصطناعي لا يُكرر المعلومات فحسب، بل يكشف عن أنماط التفكير والتحيز واتخاذ القرارات التي تُذكرنا بأنماطنا.
نّ تداعيات هذا العمل عميقة. فمن خلال مراقبة استجابات «القنطور» لنفس الأسئلة المطروحة على البشر، لا يُمكن للباحثين اكتشاف مواطن التقاء العقول الاصطناعية والبشرية فحسب، بل أيضاً مواطن اختلافها - والأهم من ذلك، أسباب ذلك. في بعض الحالات، قد يُعزز «القنطور» نظريات الإدراك القائمة؛ وفي حالات أخرى، قد تُشكّك أخطاؤه وإجاباته غير المتوقعة في الافتراضات الراسخة أو تقترح سبلاً جديدة للبحث النفسي.
ويَعِدُ هذا النهج بتعميق فهمنا للإدراك البشري بطرق لم تكن مُتصوّرة من قبل. إذ وبدلاً من مجرد حصر خصائص العقل، يُمكن للعلماء الآن دراسة أصولها وتفاعلاتها وعواقبها ضمن إطار موحد. يمكنهم، على سبيل المثال، التساؤل عن كيفية تأثير قيود الذاكرة على عملية اتخاذ القرار، أو كيف يُغير السياق العاطفي تقييم المخاطر - كل ذلك ضمن نموذج واحد شديد المرونة.
وتبدو الفوائد العلمية المحتملة واضحة. إذ إن دمج علم النفس والذكاء الاصطناعي يُحدث نقلة نوعية في كلا المجالين، مُقدماً صورة أغنى وأكثر دقة لمعنى التفكير والتكيف، وفي النهاية، أن تكون إنساناً. يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي وسيلة لزيادة إبداع المبدعين وتوسيع مداركهم؛ فهو يساعد المؤلفين والكتّاب والمصممين، ويزيد إنتاجيتهم. فمثلًا، يمكن للكاتب الاعتماد على نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لمساعدته على كتابة مسودة أولية لمقال، أو تحسين هيكل القصة الأدبية. هنا يكون الذكاء الاصطناعي بمثابة عقل ثانٍ أو مستشار شخصي يساهم في إبداعنا .
على الرغم من كل الإيجابيات السابقة، هناك نقطة مهمة قد يغفل عنها كثيرون، وهي أن الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تقليص قدراتنا العقلية وطمس عقولنا!. فقد نجد أنفسنا في حالة من الكسل الذهني وضمور الدماغ، وقد تصبح عقولنا كعقول الناس في العصور الوسطى.. فمثلًا، لماذا يجهد الكاتب نفسه في كتابة مقال، إذا كان بإمكانه سؤال "شات جي بي تي"، وهو جالس يلعب مع أطفاله؟ قد يكون ذلك مريحًا على المدى القصير، لكنه قد يضر بالقدرات العقلية والإبداعية للإنسان على المدى الطويل.
نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في النهاية هي أدوات تعتمد على قواعد البيانات، بقدر ما هي قادرة على توليد المحتوى، إلا أنها لا تستطيع ابتكار أشياء جديدة بشكل ذاتي. الابتكار الحقيقي يأتي من العقول البشرية التي تمتلك القدرة على ربط الأفكار المتداخلة، وتحليل الظواهر المعقدة، بطرق غير مألوفة، لتنبت لنا أفكارًا وتحليلات جديدة، فمن غير الممكن أن نترك للذكاء الاصطناعي السيطرة الكاملة على عمليّة الإبداع.


