د. مصطفى عبدالقادر يكتب لـ(اليوم الثامن):
هندسة إسقاط الاستبداد: كيف تفكك وحدات المقاومة معادلة القمع في إيران؟
مأزقُ العفوية أمام آلة القمع المنظمة
تؤكد الموجات المتتالية من الانتفاضات الشعبية العارمة التي شهدتها إيران — بدءاً من احتجاجات عام 2009، مروراً بانتفاضات 2017 و2018، ونوفمبر 2019 الدامية، وصولاً إلى ثورة عام 2022 — التآكل المستمر والتام لشرعية نظام الولي الفقيه وسقوطه الأخلاقي والسياسي في عمق وجدان المجتمع الإيراني. ورغم عظمة هذه الانتفاضات وبسالة المشاركين فيها، يظل السؤال الاستراتيجي والحاسم الذي يفرض نفسه بقوة على طاولة المعارضة والفاعلين السياسيين: ما الذي يمكن أن يغير معادلة الصراع في الانتفاضة القادمة لكسر شوكة آلة القمع الوحشية؟
وتكمن الإجابة الموضوعية في التباين الهيكلي والواضح بين الغضب الشعبي العفوي والبطش المنظم والممنهج الذي تمارسه أجهزة حرس النظام الإيراني وميليشيات الباسيج واستخباراته؛ وهو التحدي الجسيم الذي تكسره اليوم استراتيجية الانتقال نحو المقاومة المنظمة وتشكيل شبكات ميدانية قادرة على تأمين استمرارية الحراك وتأطيره بدقة حتى تحقيق هدف الإسقاط الشامل للفاشية المتسترة بعباءة الدين.
اعترافاتُ إعلام النظام: هلعٌ من الانتفاضة الشبكية ومتعددة الطبقات
لم يعد الحديث عن خطورة التنظيم الميداني مقتصراً البتة على تحليلات المعارضة أو مراكز الأبحاث الخارجية، بل تحول إلى هاجس وجودي مخيف يتردد بانتظام في أروقة إعلام النظام ذاته؛ حيث حذر مقال تحليلي بارز نشره موقع جماران الحكومي في 16 أغسطس من خطأ الرهان على أن الانتفاضة القادمة ستكون مجرد تكرار لنمط احتجاجات نوفمبر 2019. وأكد هذا التحليل الرسمي بوضوح أن الاحتجاجات المقبلة في الشارع الإيراني ستكون متعددة الطبقات وشبكية ومترابطة بشكل عميق، بفعل التداخل الكارثي للأزمات الاقتصادية الخانقة، ومستويات الفقر غير المسبوقة، والتضخم الجامح، وانقطاعات الكهرباء والمياه المستمرة، بالتوازي مع المطالب السياسية الجوهرية والرافضة لبنية النظام.
وتعكس هذه التحذيرات الأمنية إدراكاً متزايداً ومتأصلاً داخل دوائر صنع القرار بأن ماكينة القمع، رغم عنفها المفرط، قد تنجح مؤقتاً في تشتيت تظاهرة هنا أو هناك، لكنها تقف عاجزة تماماً عن إزالة الأسباب الهيكلية والعميقة التي تولد الثورة؛ وأن الخطر الوجودي الحقيقي على بقاء السلطة يكمن في ترابط هذه الاحتجاجات وامتلاكها قيادة ميدانية واعية قادرة على منع تجزئة المعركة وتوجيه بوصلتها نحو الهدف النهائي.
التنظيمُ الميداني: العمود الفقري لحماية ديمومة الثورة
يكمن الفارق الجوهري والفاصل بين الانفجار الاجتماعي العابر المؤقت وبين الحراك الثوري الحاسم في عنصر الاستمرارية والقدرة على البقاء؛ ففي الانتفاضات التاريخية السابقة، كانت الفترات الفاصلة بين موجة وأخرى تشهد محاولات حثيثة ودموية من أجهزة النظام لتصفية النشطاء وإشاعة مناخات اليأس لمنع إعادة بناء الحراك.
وفي هذا السياق الاستراتيجي الحرج، تكتسب تشكيلات وحدات المقاومة أهميتها القصوى بوصفها عموداً فقرياً متيناً يحافظ على جذوة المقاومة مشتعلة في الفترات التي ينحسر فيها النزول الواسع إلى الشارع تحت وطأة القمع والترهيب الأمني. وتتجاوز وظيفة هذه الوحدات الميدانية مجرد المشاركة في الاحتجاجات، لتشمل كسر جدار الخوف بعملياتها النوعية، وربط الاحتجاجات القطاعية المعيشية بالحراك الوطني العام، وضمان استمرار التواصل وتوجيه الضربات الموضعية لأجهزة الترهيب، مما يسقط رهان النظام على عامل الوقت والإنهاك المنهجي للشارع.
كسرُ طوق الترهيب وتحويل الغضب إلى قوة سياسية حاسمة
تؤكد التسميات والتحذيرات اليومية المتلاحقة الصادرة عن مسؤولي النظام وأجهزة استخباراته ضد شبكات المقاومة حجم الرعب الحقيقي الذي تثيره هذه التشكيلات في دوائر سلطة الولي الفقيه؛ فالنظام يدرك جيداً بحسابات القوة أن احتواء مظاهرة معزولة وعفوية أسهل بكثير من مواجهة تنظيم ميداني صلب يمتلك القدرة على إعادة إنتاج ذاته وتطوير أدواته الكفاحية بعد كل موجة قمع واستئصال.
لذلك، فإن معيار نضج الحركة الثورية في إيران لم يعد يُقاس فقط بحجم الحشود في شوارع المدن في يوم واحد — رغم أهميته الرمزية الكبرى — بل أصبح يُقاس بقدرة تلك الحشود على حماية مكاسبها الميدانية وتحويل طاقتها الرافضة إلى ضغط سياسي وميداني مستمر يتحدى الرصاص الحي وحملات الإعدام الجماعية. إن تلاحم الملايين المسحوقة بغول الغلاء والفقر مع طليعة ميدانية منظمة ومضحية هو الصاعق الحقيقي القادر على تفكيك المنظومة الأمنية وتحويل الشارع الإيراني إلى ساحة تحرير نهائية.
كسر الحصار الرقمي والميداني: آليات التكيّف والتواصل البديل
في مواجهة استراتيجيات التعتيم الرقمي الممنهج، وقطع شبكات الإنترنت، والعزل الميداني الشامل التي تعتمدها الأجهزة الأمنية لشل حركة الاحتجاج، فإن الحفاظ على ديمومة الحراك وتوسيع رقعته يتطلب تطوير منظومة تكتيكية وتقنية مرنة ومؤمنة. ويعتمد نجاح وحدات المقاومة في اختراق هذا الحصار على الانتقال نحو شبكات الاتصال اللامركزية والمحلية، واستخدام أدوات التشفير المتقدمة، وبروتوكولات التراسل الآمنة البعيدة عن مراقبة مخابرات حرس النظام الإيراني. إلى جانب ذلك، تلعب الأساليب الميدانية غير التقليدية — كاستخدام شبكات التنسيق الضيقة، واللافتات الموجهة، وتوزيع البيانات الميدانية في الأماكن العامة بعيداً عن الكاميرات الذكية — دوراً حاسماً في كسر العزلة الإعلامية، ونقل الحقيقة، والحفاظ على تدفق المعلومات بين المدن، مما يحبط محاولات السلطة لإخماد روح الثورة وعزل الساحات بعضها عن بعض.
قراءة تحليلية استراتيجية: تثبت دروس الصراع المعاصر في إيران أن الغضب الشعبي العفوي يمثل الشرارة الضرورية لإشعال الاحتجاج، لكن المقاومة المنظمة والممنهجة هي الحصن الأمني والسياسي الذي يضمن بقاء الشعلة متقدة حتى تحقيق النصر الحاسم، مما يؤكد أن التقاء الإرادة الشعبية مع بديل ديمقراطي ثوري منظم كفيلٌ بدك أركان الفاشية وتشييد جمهورية حرة.
د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي


