د. عادل عامر يكتب لـ(اليوم الثامن):
الأمن القانوني وحماية الحقوق المكتسبة في القضاء الإداري والدستوري المصري
الحقوق المكتسبة للخصوم هي المراكز القانونية والإجرائية الثابتة التي يكتسبها الخصم في الدعوى القضائية بموجب القانون أو الأحكام الناجزة، ولا يجوز للمحكمة أو الخصم الآخر إهدارها أو المساس بها، لضمان استقرار المراكز القانونية وتحقيق العدالة.
تدور فكرة البحث حول مدى أهمية دور القضاء الإداري والدستوري في حماية فكرة الحقوق المكتسبة ضد تعسف جهة الإدارة؛ وذلك حفاظاً على المراكز القانونية والحقوق المكتسبة للأفراد, فالرقابة القضائية تعتبر أهم صور الرقابة في الدولة, وذلك لما يتوفر لدى القضاء من الضمانات التي تكفل له العمل بنزاهة واستقلال.
ولذلك, فقد تم تناول البحث من خلال مبحثين؛ فالمبحث الأول يتضمن موقف أو دور القضاء الإداري المصري في حماية فكرة الحقوق المكتسبة, ويشمل هذا المبحث الأثر الرجعي للإلغاء القضائي المصري للقرارات الإدارية, فضلا إلى تطبيقات القضاء الإداري المصري بضرورة احترام فكرة الحقوق المكتسبة, والمبحث الثاني تم فيه تناول دور القضاء الدستوري المصري في حماية الحقوق المكتسبة وتطبيقاته في هذا الشأن.
ويظهر دور القضاء الإداري المصري في حماية فكرة الحقوق المكتسبة من خلال أخذه بمبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية, وذلك بهدف في حماية الحقوق المكتسبة أو المراكز القانونية الذاتية التي اكتملت للأفراد, وهذا ما أعلنه القضاء الإداري المصري ويؤكده باستمرار, وذلك من خلال عدم جواز المساس بالحقوق المكتسبة إلا بمقتضى قانون ينص على الأثر الرجعي؛ وذلك حرصاً على المصلحة العامة التي تقتضى الحفاظ على استقرار المراكز القانونية للأفراد وحقوقهم المكتسبة, إلا إنه يشترط وفقاً لذلك ليكون الحق مكتسباً أن يكون قد قام وفقاً للقواعد القانونية الصحيحة, وذلك حتى يكون أولى بالحماية.
وهنا لابد من بيان أن وجود رقابة قضائية على مشروعية تصرفات الإدارة يمثل ضمانة مهمة من ضمانات حقوق الأفراد وحرياتهم, لما في ذلك من تأسيس لشرعية دولة القانون, ثم بعد ذلك تم تناول الأثر الرجعي للإلغاء القضائي المصري للقرارات الإدارية كمظهر من مظاهر حماية فكرة الحقوق المكتسبة للأفراد وكيف أنه يتماثل مع قرار السحب الإداري من جانب الإدارة لقراراتها في إعدام القرار الإداري وجعله كأن لم يكن, وذلك من خلال انتهاء أو إزالة كافة الآثار المترتبة على القرار الإداري وذلك بالنسبة للماضي والمستقبل معا, وكأنه لم يصدر قط, ويظهر أيضاً من خلال البحث مدى وجود تطبيقات قضائية إدارية ودستورية تؤكد مدى حماية فكرة الحقوق المكتسبة للأفراد.
فكرة الحق المكتسب الناشىء عن المركز القانونى تجد أساسها فى مبدأ الأمن القانوني Sécurité juridique و ما يقتضيه من إستقرار الأوضاع القانونية الناشئة عن القوانين و اللوائح و القرارات التى صدرت بالفعل ، و مبادئ العدالة تقضي بعدم حرمان الشخص من حق اكتسبه في الزمان الماضي ، و كذلك فى أحد أهم المبادىء القانونية العامة و هو مبدأ استقرار المراكز القانوني و مقتضاه ضرورة عدم بقاء المراكز القانونية مهددة إلى ما لا نهاية ، و أخيراً يعد مبدأ الحق المكتسب الأرضية الفلسفية لمبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية ومبدأ سريان القوانين من دون رجعية ، إذ ان الأثر الرجعي سيؤدى إلى المساس بالحقوق و المراكز القانونية التى نشأت بناءً على قوانين كانت سارية آنذاك وقت نشأت تلك المراكز القانونية ، فالقاعدة العامة أن القوانين و القرارات لا تسري بأثر رجعي ، و لا تطبق على الوقائع السابقة أو الأحداث التي حصلت قبل نفاذ التشريع الجديد ، فإذا صدر قرار يتضمن أثراً رجعياً كان جزاؤه البطلان ، و الأثر الرجعى المعيب يتحقق إذا كان هناك ثمة مركز قانوني شخصي قد تكاملت عناصره في ظل وضع قانوني معين، فلا يمكن المساس به إذا ما تغيرت الأوضاع القانونية بعد ذلك .
تطبيقات القضاء لفكرة المركز القانونى المكتسب
تأكيدأ لعدم جواز المساس بالمراكز القانونية المكتسبة ما قضت به المحكمة الدستورية العليا فى حكمها الصادر فى القضية رقم 131 لسنة 22قضائية دستورية ، الصادر بجلسة 7/7/2002 حيث قضت بإن ” الحكم الموضوعي الذي تضمنه القانون المطعون عليه هو إنهاء خدمة الأساتذة المتفرغين الذين جاوزوا سن السبعين وقت العمل بالقانون 82 لسنة 2000 بعد أن كان قد اكتمل مركزهم القانوني كأساتذة متفرغين قبل العمل به ، وحيث إن النعي على هذا الحكم الموضوعي بمخالفته للدستور هو نعى صحيح، ذلك أن هذا الحكم قد وقع في حمأة المخالفة الدستورية من وجهين متساندين، الأول: هو أن النطاق الذي يمكن أن يرتد إليه الأثر الرجعى للقانون ،
هو ذلك الذي يعدل فيه التشريع من مراكز قانونية لم تتكامل حلقاتها ، وبالتالي لم تبلغ غايتها النهائية متمثلة في حقوق تم اكتسابها وصار يحتج بها تسانداً إلى أحكام قانونية كانت نافذة ، إذ في هذا النطاق يبقى المركز القانوني قابلاً للتدخل التشريعي، تدخلاً قد يزيد أو يزيل من آمال يبنى عليها صاحب المركز توقعاته ، فإذا تقرر الأثر الرجعى في غير هذا النطاق ، وامتد إلى إلغاء حقوق تم اكتسابها فعلاً وصارت لصيقة بأصحابها ، وفقاً لأحكام قانونية كفلت حمايتها والاحتجاج بها في مواجهة الكافة، كأثر لنفاذ هذه الأحكام، فإن الأثر الرجعى للقانون يكون بذلك قد تحول إلى أداة لإهدار قوة القوانين السابقة ومكانتها من الاحترام الذي يجب كفالته لها طوال الفترة التي كانت نافذة فيها وهو الأمر الذي يتصادم مع أحكام المادتين (64 و 65) من الدستور اللتين تنصان على أن (سيادة القانون أساس الحكم في الدولة) وأن (تخضع الدولة للقانون) .
أما مجلس الدولة المصري فقد استقر قضاؤه على أن القاعدة القانونية بوجه عام تحكم الوقائع والمراكز القانونية التي تتم في ظلها، أي في الفترة ما بين تاريخ العمل بها وإلغائها، وهو ما يعد مجال تطبيقها الزمني، فتطبق القاعدة القانونية الجديدة بأثرها المباشر في الوقائع أو المراكز التي تقع أو تتم بعدها، ولا تطبق بأثر رجعي على الوقائع أو المراكز التي تقع أو تتم قبل نفاذها إلا بنص صريح يقر الأثر الرجعي ، و أن المستقر عليه أيضا أن الأصل في نفاذ القرارات الإدارية الفردية أن يقترن نفاذها بتاريخ صدورها، بحيث تطبق بالنسبة للمستقبل
ولا تطبق بأثر رجعي إلا إذا نص القانون على ذلك، تطبيقا لمبدأ احترام الحقوق المكتسبة واستقرار الأوضاع والمراكز القانونية، ويرد على هذا الأصل بعض الاستثناءات فيجوز إصدار قرارات إدارية بأثر رجعي في حالتين: (الأولى) أن تكون القرارات واللوائح تنفيذا لقوانين ذات أثر رجعي، أما (الثانية) فحالة ما إذا كانت هذه القرارات أو اللوائح تنفيذا لأحكام صادرة عن القضاء بإلغاء قرارات إدارية وقعت مخالفة للقانون. ( المحكمة الإدارية العليا – الطعن 2902 لسنة 56ق – جلسة 20/6/2015 ).
و تطبيقاً لذلك فإن المركز القانونى المكتسب أو الحق المكتسب للشخص لا ينشأ فقط من القرارات الإدارية المشروعة التي ترتب حقوقاً مكتسبة ، إنما ينشأ كذلك من القرارات الإدارية الغير مشروعة المتحصنة و التى تتحصن بمضي المدة المحددة للطعن وهى مدة ستون يوما من تاريخ صدور القرار الإداري المخالف للقانون أو المعيب ، إذ أنه بانقضاء المدة وهى فترة الستين يوماً لنشر القرار وإعلانه يكتسب القرار حصانة تعصمه من أي إلغاء أو تعديل ويصبح عندئذ لصاحب الشأن حق مكتسب فيما تضمنه القرار رغم أنه قرار معيب ، وكل إخلال بهذا الحق بقرار لاحق يعتبر أمراً مخالفاً للقانون يعيب القرار الأخير ويبطله ، و على ذلك فإن لحظة ولادة الحق المكتسب تبدأ من لحظة انتهاء المدة المقررة للطعن على القرار الباطل .
القاعدة السابقة تقتصر على القرارات الإدارية الباطلة دون المنعدمة لأن الأخيرة هي قرارات ليس لها وجود قانوني، ومن ثم لا ينتج عنها أي أثر قانوني بالرغم من وجودها من الناحية المادية باعتبارها محررات لها مظهر القرارات الإدارية ، و يتحقق الإنعدام فى حالة صدور القرار من غير موظف عام ، أو فى أحوال غصب السلطة الجسيم المحجوزة لسلطة عامة فى الدولة دون سواها ، و عيب المحل الناشىء عن مخالفة القانون .
وهناك مسألة فى غاية الأهمية يجدر التنبيه إليها وهى أنه لكي ينشأ الحق المكتسب من القرار الإداري غير المشروع ( الباطل ) ينبغي أن يكون المستفيد من المنفعة حسن النية ، فإذا انعدم حسن النية لدى المستفيد، وكان هو الذي دفع الإدارة إلى استصدار القرار الإداري المعيب بغشه أو تدليسه ، فإنه يكون غير جدير بالحماية تطبيقاً للقاعدة القانونية المستقرة في فقه القانون من أن الغش يفسد كل شيء.
كما أن هناك فارق بين القرارات الكاشفة والقرارات المنشئة على نشأة المراكز القانونية بموجبها إذ أن القرارات المنشئة هي التي تنتج حقوقاً مكتسبة أما القرارات الكاشفة فلا تقوم بمثل هذه الوظيفة.
وعلى الرغم من رسوخ قاعدة الحقوق المكتسبة في إطار العقود الإدارية إلا أن هناك استثناءات عليها، إذ يمكن أن تتأثر الحقوق العقدية المكتسبة عند تطبيق قانون جديد على عقد إداري أبرم في ظل قانون سابق، إذا تعلق القانون الجديد بالنظام العام، لذلك ولأجل الحفاظ على الحقوق المكتسبة في هذه الحالة ظهرت التقنيات المتعلقة بشرط الثبات التشريعي ، والتي تهدف إلى المحافظة على حق عقدي مكتسب في ظل قانون سابق، وكذلك تتأثر الحقوق المكتسبة الناجمة عن العقود الإدارية عن طريق ممارسة سلطات الضبط الإداري في مواجهة المتعاقد أثناء تنفيذه العقد.


