د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران بين قمع الداخل وتصعيد الخارج.. كيف يحاول النظام تأجيل أزمته؟
لم يعد الصراع مع إيران مرتبطاً فقط ببرنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي. فخلف المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول المنطقة، تتراكم أزمة داخلية أكثر تعقيداً، تتصل بالاقتصاد، والحريات، وعلاقة المجتمع بمؤسسات الحكم، وقدرة النظام على الحفاظ على تماسكه في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة.
ومن هذه الزاوية، يصعب فهم سلوك طهران الإقليمي بمعزل عن طبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد ثورة 1979. فقد طورت الجمهورية الإسلامية، على مدى عقود، منظومة متشابكة من المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية والدينية، جعلت بقاء النظام مرتبطاً إلى حد كبير بقدرته على إدارة الأزمات، سواء عبر احتواء الاحتجاجات الداخلية أو توظيف الصراعات الخارجية في تعزيز خطاب الأمن القومي.
الإعدامات والقمع الأمني يمثلان أحد أكثر جوانب هذه المنظومة إثارة للجدل. فقد وثقت منظمات حقوقية دولية ارتفاعاً كبيراً في تنفيذ أحكام الإعدام في إيران خلال السنوات الأخيرة، فيما تقول السلطات إن جزءاً كبيراً من هذه الأحكام يرتبط بجرائم جنائية وأمنية. وبين الروايتين، تظل القضية الأساسية مرتبطة بمدى استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، ولا سيما في القضايا ذات الطابع السياسي.
لكن النظر إلى الإعدام باعتباره مجرد أداة أمنية لا يكفي لتفسير استمرار هذه السياسة. فالعقوبة القصوى، في الأنظمة التي تعاني من أزمات شرعية، يمكن أن تتحول إلى وسيلة لردع المجتمع وإرسال رسالة إلى قطاعات أخرى بأن كلفة تحدي السلطة مرتفعة. وهذا لا يعني أن كل حكم بالإعدام في إيران سياسي بالضرورة، لكنه يفسر لماذا أصبحت هذه المسألة جزءاً أساسياً من النقاش حول طبيعة النظام وحقوق الإنسان فيه.
الحرب كوسيلة لإدارة الأزمة
من الصعب أيضاً تجاهل العلاقة بين السياسة الخارجية والوضع الداخلي. فالنظام الإيراني بنى جزءاً مهماً من شرعيته على مواجهة الخصوم الخارجيين، بدءاً من الولايات المتحدة وإسرائيل، وصولاً إلى شبكة واسعة من القوى والجماعات الحليفة في المنطقة.
هذا النموذج يمنح السلطة ميزة سياسية مهمة: إبقاء المجتمع في حالة استنفار مستمرة. فعندما يصبح الأمن القومي أولوية مطلقة، يمكن تبرير توسيع دور الأجهزة الأمنية، وتقييد المجال العام، وربط المعارضة الداخلية بمشروعات خارجية، أو تصوير الاحتجاجات باعتبارها جزءاً من مؤامرة دولية.
غير أن ذلك لا يعني أن كل تصعيد إيراني يهدف حصراً إلى حماية النظام من أزمة داخلية. لطهران حسابات إقليمية واستراتيجية حقيقية تتعلق بالأمن القومي، والردع، وموازين القوى، وموقعها في الشرق الأوسط. لكن السياسة الخارجية الإيرانية تظل مرتبطة ببنية النظام الداخلية، وهو ما يجعل الفصل بين الاعتبارات الأمنية الخارجية وحسابات البقاء السياسي الداخلي أمراً بالغ الصعوبة.
وهنا تظهر إحدى مفارقات السياسة الإيرانية: النظام يحتاج إلى قدر من الاستقرار الاقتصادي والسياسي حتى يحافظ على قدرته على الحكم، لكنه في الوقت نفسه يستفيد سياسياً من استمرار حالة التوتر التي تسمح له بإبقاء المجتمع تحت ضغط أمني دائم.
الاحتجاجات تكشف حدود السيطرة
خلال السنوات الماضية، شهدت إيران موجات متكررة من الاحتجاجات، اختلفت دوافعها بين المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لكن القاسم المشترك بينها كان اتساع الفجوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الحكم.
أظهرت احتجاجات 2009 ثم موجات 2017 و2019 و2022 أن المشكلة لم تعد محصورة في فئة سياسية محددة. وفي بعض المراحل انتقلت الاحتجاجات من المدن الكبرى إلى مناطق ومحافظات مختلفة، ما كشف قدرة الغضب الاجتماعي على تجاوز الحدود التقليدية للمعارضة.
ومع ذلك، فإن الاحتجاج الشعبي لا يتحول تلقائياً إلى تغيير سياسي. فامتلاك الشارع القدرة على الاحتجاج يختلف عن امتلاكه القدرة على بناء بديل سياسي. ويظل النظام الإيراني، رغم أزماته، يمتلك أجهزة أمنية وعسكرية قوية، وشبكة مؤسسات قادرة على الاستمرار، فضلاً عن خبرة طويلة في احتواء موجات الاحتجاج.
ولهذا فإن الحديث عن انهيار وشيك للنظام يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالأزمات الداخلية قد تضعف النظام، لكنها لا تعني بالضرورة سقوطه. والتاريخ السياسي لإيران منذ 1979 يوضح أن الجمهورية الإسلامية استطاعت تجاوز أزمات عميقة وحروب وعقوبات واحتجاجات واسعة من دون أن تفقد قدرتها على البقاء.
من «تغيير السلوك» إلى معالجة جذور الأزمة
على المستوى الدولي، ظلت السياسة تجاه إيران تتحرك بصورة أساسية بين الضغط والتفاوض. العقوبات الاقتصادية تهدف إلى إجبار طهران على تغيير سلوكها، بينما تحاول المفاوضات احتواء الملفات الأكثر خطورة، وفي مقدمتها البرنامج النووي والأنشطة الإقليمية.
لكن التجربة أظهرت حدود كلا المسارين عندما يستخدم كل منهما بمعزل عن الآخر. فالضغط الاقتصادي قد يضعف قدرة الدولة على تمويل سياساتها، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير بنيتها السياسية. وفي المقابل، فإن الدبلوماسية التي تركز على ملف واحد، وتتجاهل طبيعة الأزمة الداخلية، قد تنجح في تحقيق اتفاق مؤقت دون معالجة أسباب التوتر الأوسع.
من هنا تبرز الحاجة إلى سياسة أكثر تركيباً، تقوم على الردع من جهة، والحوار المشروط من جهة أخرى، مع إبقاء ملف حقوق الإنسان والمجتمع المدني حاضراً في الحسابات الدولية.
ولا يعني ذلك أن الخارج يستطيع أو ينبغي أن يختار بديلاً سياسياً للإيرانيين. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن مشاريع التغيير التي تعتمد بصورة مفرطة على التدخل الخارجي قد تنتج نتائج عكسية. الأهم هو أن تكون هناك بيئة تسمح للمجتمع الإيراني بالتعبير عن خياراته السياسية من دون أن تتحول أدوات الدولة الأمنية إلى وسيلة لإغلاق المجال العام.
المعارضة الإيرانية بين الواقع والدعاية
تحتاج قراءة المشهد الإيراني أيضاً إلى التعامل بحذر مع القوى المعارضة في الخارج. فالمعارضة الإيرانية تضم تيارات متعددة، وبعضها يمتلك امتدادات سياسية وتنظيمية خارج البلاد، فيما يواجه بعضها الآخر انتقادات واسعة داخل إيران وخارجها.
لذلك فإن تقديم أي قوة معارضة باعتبارها الممثل الوحيد للشعب الإيراني يضعف التحليل بدلاً من أن يقويه. التغيير السياسي، إذا حدث، لن يكون بالضرورة نتيجة تحرك تنظيم واحد، وإنما حصيلة تفاعلات اجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة داخل المجتمع الإيراني نفسه.
وهذا التفريق ضروري خصوصاً عند تناول ملفات مثل «المقاومة الإيرانية» أو «مجاهدي خلق» أو غيرهما من القوى المعارضة. فوجود معارضة للنظام لا يعني تلقائياً امتلاكها تفويضاً شعبياً شاملاً، كما أن خصومتها مع السلطة لا تعني أن جميع رواياتها بشأن الوضع الداخلي ينبغي قبولها من دون تدقيق.
سجل تاريخي يصعب تجاهله
لا يمكن تحليل بنية النظام الإيراني من دون التوقف عند تاريخه الطويل مع المعارضة. فقد شهدت الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عمليات قمع واسعة، كان من أبرز محطاتها إعدامات عام 1988، التي لا تزال موضع تحقيقات وانتقادات حقوقية واسعة، إلى جانب عمليات اغتيال استهدفت معارضين إيرانيين في الخارج خلال عقود لاحقة.
كما مثلت الاحتجاجات المتعاقبة اختباراً متكرراً لقدرة النظام على استخدام القوة الأمنية للحفاظ على السيطرة. وفي كل مرة تقريباً، كانت السلطة تنجح في احتواء الاحتجاجات، لكنها لم تنجح في القضاء على الأسباب التي تنتجها.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق: القمع قد ينجح في إخماد احتجاج، لكنه لا يعالج بالضرورة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدت إليه. وكلما تراكمت هذه الأسباب، أصبح الاحتجاج التالي أكثر قابلية للانتشار.
بين الحرب والتغيير
المعادلة الإيرانية الحالية لا تبدو مرشحة لحل سريع. فالحرب قد تضعف القدرات العسكرية للنظام، لكنها قد تمنحه في الوقت نفسه فرصة لتعبئة المجتمع خلف خطاب الدفاع عن الدولة. أما الاسترضاء غير المشروط فقد يسمح لطهران باستخدام المكاسب الاقتصادية والسياسية في إعادة بناء أدواتها من دون تغيير جوهري في سلوكها.
البديل الأكثر واقعية يتمثل في استراتيجية متعددة المسارات: ردع أي تهديد إيراني للأمن الإقليمي، منع انتشار الصراع، استخدام العقوبات بصورة أكثر دقة، فتح قنوات تفاوض عند الضرورة، وربط أي تخفيف كبير للضغوط بخطوات قابلة للقياس في الملفات النووية والإقليمية وحقوق الإنسان.
أما مستقبل النظام الإيراني، فلن تحدده الضغوط الخارجية وحدها. العامل الأكثر حسماً سيبقى قدرة الدولة على الحفاظ على تماسك مؤسساتها، وقدرة المجتمع على إنتاج بدائل سياسية قابلة للحياة، وحجم الفجوة بين السلطة والشارع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان النظام الإيراني يستطيع البقاء في ظل الضغوط الحالية فحسب، وإنما إلى أي مدى يستطيع الاستمرار في إدارة التناقض بين دولة تريد الاحتفاظ بدورها الإقليمي الكبير، ومجتمع يواجه أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة.
قد تتمكن طهران من تأجيل أزمتها، لكنها لن تستطيع تجاهلها إلى الأبد. وفي المقابل، فإن إسقاط النظام من الخارج ليس وصفة مضمونة للاستقرار. المسألة في جوهرها تتعلق بما إذا كان الإيرانيون سيتمكنون، في مرحلة ما، من إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع بصورة تقلل من الحاجة إلى القمع، وتضع السياسة الخارجية في خدمة الاستقرار بدلاً من استخدامها أحياناً كأداة لإدارة أزمات الداخل.


