الممرات البحرية تعيد رسم النفوذ..

دراسة تحذر من تدويل البحر الأحمر واستنزاف موارد الجنوب

قالت مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات إن التنافس على البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي لم يعد محصوراً في حماية الملاحة، بل تحول إلى صراع على النفوذ والطاقة والموانئ، محذرة من انعكاساته الأمنية والاقتصادية على الجنوب العربي وموارده النفطية، خصوصاً في حضرموت.

حاجز أمني في الطريق إلساحل نحو باب المندب حيث ترابط قوات جنوبية - أرشيف

عدن

قالت مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات إن الموقع الجغرافي للدول المطلة على البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن والخليج العربي وضعها في قلب التنافس الدولي على مصادر الطاقة والممرات البحرية، وحوّل هذه المساحة إلى واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية أمام الصراعات العسكرية والتدخلات الخارجية.

جاء ذلك في ورقة بحثية أعدتها الدكتورة رحيمة عبدالرحيم، مدير تحرير مجلة «بريم» ورئيس قسم الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافية في كلية صبر للعلوم والتربية بجامعة لحج، تحت عنوان «الأهمية الجيوسياسية للدول المشاطئة»، وصدرت عن المؤسسة ضمن إصدارات أغسطس/آب 2026.

وتتناول الورقة الجغرافيا الاستراتيجية للمجال البحري العربي، والتنافس الدولي على إعادة هندسة النفوذ في البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن، من خلال أربعة محاور تبحث أهمية الموقع الجغرافي للدول المشاطئة، والمشروعات العسكرية الأمريكية، وتداعيات الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، وانعكاسات التصعيد العسكري السعودي على الجنوب العربي، إلى جانب ملف الثروات النفطية في حضرموت.

وقالت الدراسة إن أهمية المنطقة لا ترتبط بمخزون النفط والغاز وحده، بل بموقعها بين قارتي آسيا وإفريقيا، وإشرافها على ممرات تصل المحيط الهندي بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية. ويجعل وجود مضيقي باب المندب وهرمز وقناة السويس أي اضطراب أمني في المنطقة قادراً على التأثير في أسعار الطاقة وكلفة التأمين والشحن وسلاسل الإمداد الدولية.

وأوضحت أن افتتاح قناة السويس عام 1869 ضاعف أهمية البحر الأحمر، بعدما اختصر الطريق بين آسيا وأوروبا وأتاح للسفن تجنب الدوران حول رأس الرجاء الصالح. ومنذ ذلك الحين، لم تعد السواحل الممتدة من الخليج العربي إلى خليج عدن والبحر الأحمر حدوداً جغرافية للدول المشاطئة فقط، بل تحولت إلى شرايين للاقتصاد العالمي ومواقع جذب للقواعد العسكرية والتحالفات البحرية.

وترى الورقة أن الولايات المتحدة سعت إلى تعزيز حضورها العسكري والسياسي في المنطقة لضمان تدفق النفط والغاز، وحماية طرق التجارة، ومواجهة إيران، والحد من اتساع النفوذ الصيني والروسي. غير أن الاعتماد المتزايد على الحماية الخارجية، بحسب الدراسة، أدى إلى استنزاف موارد دول المنطقة عبر صفقات التسليح الضخمة، وعمّق تبعيتها الأمنية بدلاً من مساعدتها على بناء منظومة إقليمية مستقلة.

وتطرقت الدراسة إلى أثر الصراع الإيراني–الإسرائيلي في الدول المطلة على الممرات البحرية، مشيرة إلى أن انتقال المواجهة من حرب الظل إلى الضربات المباشرة جعل مضيقي هرمز وباب المندب جزءاً من ساحة الصراع. فاستهداف منشآت الطاقة أو تعطيل حركة السفن لم يعد نتيجة جانبية للحرب، بل تحول إلى وسيلة ضغط تستطيع من خلالها القوى المتصارعة التأثير في الاقتصاد الدولي وفي خيارات الحكومات الإقليمية.

وبحسب الورقة، تعتمد إيران على إطالة أمد المواجهة واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وحلفائها في المنطقة لاستنزاف خصومها، فيما تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى الحد من القدرات العسكرية والنووية الإيرانية ومنع طهران من تحويل نفوذها الإقليمي إلى سيطرة دائمة على طرق الطاقة والتجارة.

وتذهب الدراسة إلى أن اشتداد المنافسة على الممرات البحرية كشف هشاشة الأمن الإقليمي، إذ ما تزال الدول المطلة عليها تعتمد على الأساطيل الأجنبية في حماية الملاحة، رغم أنها الأكثر تضرراً من إغلاق المضائق أو ارتفاع كلفة الشحن. كما أن تعدد التحالفات البحرية لم يؤسس حتى الآن منظومة جماعية تمنح الدول المشاطئة دوراً حقيقياً في إدارة أمن مجالها البحري.

وفي محور الجنوب العربي، قالت الدراسة إن التطورات العسكرية والسياسية خلال عام 2026 أضعفت البنية الأمنية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، وأدت إلى تفكيك تشكيلات جنوبية شاركت في مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة وحماية مناطق استراتيجية قريبة من خليج عدن وباب المندب.

وربطت الورقة بين التصعيد السعودي في الجنوب وبين إعادة ترتيب موازين القوة المحلية وفرض مسارات سياسية لا تعكس، وفق ما خلصت إليه، تطلعات الجنوبيين إلى تقرير مستقبلهم. كما تناولت العمليات العسكرية التي شهدتها حضرموت والضالع وعدن، وما خلفته من خسائر بشرية وأضرار اجتماعية وأمنية، محذرة من أن إضعاف القوى المحلية سيترك فراغاً تستفيد منه الجماعات المتطرفة وشبكات تهريب السلاح والموارد.

وأشارت الدراسة إلى أن موقع الجنوب، الممتد من حدود سلطنة عُمان شرقاً إلى باب المندب غرباً، يمنحه ثقلاً جيوسياسياً يتجاوز مساحته السكانية. فهو يشرف على بحر العرب وخليج عدن والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويضم موانئ وجزراً وحقولاً نفطية يمكن أن تشكل قاعدة لاقتصاد بحري واسع إذا أديرت ضمن مؤسسات مستقرة وسياسة تنموية واضحة.

وأولت الورقة اهتماماً خاصاً بحضرموت، معتبرةً أن ملف النفط يكشف أزمة أوسع في إدارة الموارد. وقالت إن غياب الشفافية وضعف الرقابة وتداخل النفوذ السياسي والأمني سمحت بظهور أنشطة غير قانونية واستنزاف عائدات كان يفترض أن تنعكس على الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والبنية التحتية.

وقدمت الدراسة منطقة الخشعة مثالاً على التداخل بين الثروة النفطية والفراغ المؤسسي، محذرةً من أن استمرار استغلال الموارد بعيداً عن الرقابة سيؤدي إلى خسارة الإيرادات، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة الفساد والاحتقان الاجتماعي والصراع على الثروة.

كما تناولت الورقة التوزيع السكاني في محافظات الجنوب، مشيرةً إلى وجود تفاوت كبير في الكثافة بين محافظات محدودة المساحة مثل الضالع ومناطق واسعة قليلة السكان مثل المهرة. وخلصت إلى أن هذا التفاوت ينبغي أن يدخل في حسابات التخطيط والخدمات وتوزيع المشروعات، بدلاً من الاعتماد على سياسات مركزية لا تراعي الجغرافيا واحتياجات المجتمعات المحلية.

ودعت الدراسة إلى إنشاء منظومة أمن بحري مشتركة للدول المشاطئة، تتولى حماية باب المندب وهرمز وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة، مع تقليل الاعتماد الكامل على القوى الخارجية. كما أوصت باتباع سياسة حياد إيجابي تخفض حدة الاستقطاب، وتمنح دول المنطقة فرصة للوساطة بدلاً من التحول إلى ساحات للحروب الدولية.

وطالبت بتحديث الموانئ وتوسيع الخدمات اللوجستية والنقل البحري والسياحة الساحلية، وتنويع الاقتصادات المحلية حتى لا تبقى رهينة النفط أو حركة السفن. وشددت على ضرورة حماية البيئة البحرية من التلوث والاستغلال المفرط، نظراً إلى ما يتمتع به البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي من تنوع بيولوجي وثروات طبيعية.

وفي ما يتعلق بحضرموت، أوصت الورقة بإنشاء هيئات رقابية مستقلة لمتابعة إنتاج النفط ونقله وتصديره، وإعلان الإيرادات بصورة شفافة، وتوجيه نسبة عادلة منها إلى التنمية المحلية. كما دعت إلى تفعيل الرقابة الدولية على الأوضاع الميدانية والاقتصادية، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات واستغلال الموارد.

وخلصت مؤسسة اليوم الثامن إلى أن امتلاك موقع استراتيجي لا يمنح الدولة قوة تلقائية، إذا بقيت موانئها وثرواتها وممراتها خاضعة لحسابات القوى الخارجية. ورأت أن التحدي أمام الدول المشاطئة، وفي مقدمتها الجنوب العربي، يتمثل في تحويل الجغرافيا من ساحة للتنافس والحروب إلى مصدر للسيادة والتنمية والنفوذ.