د. خالد القاسمي يكتب لـ(اليوم الثامن):

حينما تصبح الحضارة هدفًا لمحاولات التدمير

في لحظات التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تتكشف الحقائق بوضوح أكبر، وتسقط الكثير من الأقنعة التي حاولت بعض القوى الإقليمية الاختباء خلفها لعقود طويلة. وما تعرضت له دولة الإمارات العربية المتحدة من استهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في توقيت حساس تتقاطع فيه المفاوضات الدولية والتوترات العسكرية، يكشف بوضوح طبيعة المشروع الإيراني القائم على تصدير الأزمات ومحاولة ضرب نماذج الاستقرار والتنمية في المنطقة.

لم يعد الأمر متعلقًا بخلافات سياسية عابرة أو رسائل عسكرية محدودة، بل أصبح مرتبطًا بعقلية ترى في كل تجربة عربية ناجحة تهديدًا مباشرًا لمشروعها القائم على الفوضى والتوسع والأذرع المسلحة. فالدولة التي كرّست جزءًا هائلًا من ثرواتها وإمكاناتها خلال أكثر من أربعة عقود لبناء منظومة عسكرية عابرة للحدود، كان بإمكانها أن تصنع نموذجًا اقتصاديًا وتنمويًا متقدمًا لشعبها، لكنها اختارت طريقًا آخر؛ طريق الصراع المستمر واستنزاف مقدرات الأمة الإيرانية في معارك النفوذ الإقليمي.

وفي المقابل، اختارت الإمارات منذ تأسيسها مسارًا مختلفًا تمامًا. لم تبنِ مشروعها على الكراهية أو التوسع أو تصدير الأيديولوجيا، بل على التنمية والاقتصاد والانفتاح وبناء الإنسان. ولهذا أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أهم النماذج الحضارية في العالم العربي، بل وفي العالم بأسره.

الإمارات اليوم ليست مجرد دولة نفطية تملك ثروة مالية، كما يحاول البعض اختزالها، بل تحولت إلى مركز عالمي للتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والاقتصاد الحديث. أصبحت بيئة جاذبة للمستثمرين والكفاءات والشركات الكبرى، ونجحت في ترسيخ صورة الدولة الآمنة المستقرة وسط منطقة تعج بالصراعات والانقسامات.

هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى أدركت أن بناء الإنسان والمؤسسات والاقتصاد هو الطريق الحقيقي للقوة والنفوذ. ولذلك نرى الإمارات اليوم تدخل مجالات الصناعات المتقدمة، بما فيها الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، وفق معايير عالمية تعكس حجم التحول الذي وصلت إليه الدولة.

ومن هنا يمكن فهم حجم الانزعاج الذي يمثله النموذج الإماراتي بالنسبة لإيران. فالمشاريع القائمة على الشعارات الثورية والصراعات المسلحة تخشى دائمًا من النماذج الناجحة التي تثبت أن التنمية والاستقرار قادران على صناعة النفوذ الحقيقي، بعيدًا عن الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الاستهداف العسكري لم يكن موجهًا فقط نحو منشآت أو مواقع محددة، بل نحو فكرة كاملة تمثلها الإمارات؛ فكرة الدولة الحديثة التي استطاعت أن تخلق حالة استثنائية من الأمن والاستقرار والتعايش والتنمية في منطقة مضطربة.

ورغم التصعيد والتهديدات، أظهرت الإمارات قدرًا عاليًا من الجاهزية والكفاءة في حماية أمنها الوطني والتعامل مع المخاطر الإقليمية. وهو ما يعكس طبيعة التخطيط الاستراتيجي الذي أدرك مبكرًا أن المنطقة مقبلة على تحديات معقدة، وأن امتلاك أدوات الردع والحماية أصبح ضرورة لا خيارًا.

وفي المقابل، تبدو إيران اليوم أمام أزمة متفاقمة على أكثر من مستوى. فالمشروع الذي أنفق عليه النظام الإيراني عشرات المليارات يواجه تراجعًا واضحًا في كثير من ساحات النفوذ، كما أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات والعزلة السياسية تركت آثارًا عميقة داخل المجتمع الإيراني نفسه.

ومع تراجع أوراق الضغط الإقليمية، ومحاولة استخدام التهديدات العسكرية كورقة أخيرة لتحسين شروط التفاوض أو فرض واقع سياسي جديد، يتضح حجم المأزق الذي وصلت إليه طهران. غير أن استهداف الدول المستقرة والناجحة لن يغيّر من موازين الواقع، ولن يوقف مسار التنمية الذي اختارته الإمارات لنفسها.

التاريخ يخبرنا دائمًا أن المشاريع القائمة على التنمية وبناء الإنسان أكثر قدرة على البقاء من المشاريع القائمة على الحروب والتوسع والصراعات المفتوحة. فالدول تُبنى بالعلم والعمل والاقتصاد والاستقرار، لا بالصواريخ والشعارات المؤقتة.

لقد استطاعت الإمارات أن تقدم نموذجًا عربيًا مختلفًا، نموذجًا يثبت أن المنطقة قادرة على إنتاج تجارب ناجحة ومؤثرة عالميًا عندما تكون الأولوية للإنسان والتنمية والمؤسسات. وربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت هدفًا لحملات التحريض والاستهداف ومحاولات التشويه.

لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب أن الحضارة لا تُهزم بالصواريخ، وأن الدول التي تبني مستقبلها على الاستقرار والتنمية تمتلك قدرة أكبر على تجاوز الأزمات ومواصلة التقدم.

حفظ الله الإمارات قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والازدهار، وجعلها دائمًا نموذجًا عربيًا مشرّفًا في البناء والتنمية وصناعة المستقبل.