د. إبراهيم الحسبان يكتب لـ(اليوم الثامن):

زلزال دبلوماسي يضرب طهران

في خطوة استثنائية هزت الأوساط الدبلوماسية العالمية أعلنت أستراليا طرد السفير الإيراني وتجميد علاقاتها الدبلوماسية مع طهران في قرار وصفته بأنه رد حتمي على "سلوك عدواني لا يمكن التسامح معه".. هذا الإجراء الذي يُعد الأقوى من نوعه الذي تتخذه كانبيرا منذ الحرب العالمية الثانية لم يأتِ من فراغ بل كان تتويجاً لتحقيقات أمنية معقدة كشفت عن شبكة إرهابية يديرها النظام الإيراني على الأراضي الأسترالية مُستهدفاً أمنها وتماسكها الاجتماعي.

تفاصيل المؤامرة التي كشف عنها رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز أمام البرلمان رسمت صورة قاتمة لأساليب النظام الإيراني.. حيث أكدت منظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية (ASIO) تورط النظام بشكل مباشر في تدبير هجمات إرهابية بما في ذلك إضرام نار متعمد في مركز تجاري يهودي بسيدني وكنيس في ملبورن، والأخطر من ذلك هو نمط العمل الذي اتبعه النظام حيث لجأ إلى "وكلاء إجراميين" محليين لـ تنفيذ عملياته في محاولة يائسة لإخفاء بصماته وتجنب المسؤولية المباشرة؛ هذه الاستراتيجية الخبيثة لم تخدع أجهزة الأمن الأسترالية التي تتبعت خيوط المؤامرة وصولاً إلى مدبريها في طهران، وقد أثار هذا الكشف إجماعاً سياسياً وطنياً حيث أعلنت المعارضة دعمها الكامل لقرار الحكومة مشددة على ضرورة إدراج الحرس الثوري فوراً على قائمة الإرهاب باعتباره "الذراع التنفيذي" لهذه السياسات المدمرة.

ما حدث في أستراليا ليس بالحادثة الفردية بل هو حلقة جديدة في مسلسل طويل من إرهاب الدولة الذي يمارسه النظام الإيراني عبر العالم مستغلاً حصانته الدبلوماسية.. إنها شهادة حية تؤكد صحة التحذيرات التي أطلقتها المقاومة الإيرانية على مدى عقود والتي كشفت بالوثائق والأدلة أن سفارات النظام ليست سوى غرف عمليات متقدمة للتجسس والتخطيط للاغتيالات والتفجيرات.. فقضية الدبلوماسي الإرهابي التابع للنظام الإيراني أسد الله أسدي الذي اعتقل وهو ينقل قنبلة شديدة الانفجار لتفجيرها في التجمع السنوي للمقاومة الإيرانية في باريس عام 2018، وكذلك المؤامرة التي تم إحباطها لاستهداف احتفالات مجاهدي خلق بعيد النوروز في ألبانيا هي أدلة دامغة على أن الإرهاب جزء لا يتجزأ من استراتيجية بقاء هذا النظام.

إن قرار أستراليا الشجاع يمثل نقطة تحول محتملة في السياسة الدولية تجاه طهران، ويشكل دعوة صريحة للدول الأخرى خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية للتخلي عن سياسة الاسترضاء التي لم تؤدِ إلا إلى تشجيع النظام على المزيد من العدوان.. وها قد حان الوقت اليوم لاتخاذ إجراءات جماعية منسقة تشمل طرد دبلوماسيي النظام وإغلاق "مراكزه الثقافية" التي تعمل كواجهة لأنشطته الخبيثة، والأهم من ذلك كله إدراج الحرس الثوري بكامله كمنظمة إرهابية.

في هذا السياق المصيري تأتي المظاهرة الحاشدة التي ستنظمها الجاليات الإيرانية وأنصار المقاومة تحت شعار "إيران حرة" في بروكسل يوم 6 سبتمبر؛ هذا الحدث الذي يتزامن مع الذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية يكتسب أهمية مضاعفة كونه ليس مجرد احتجاج بل هو استفتاء شعبي عالمي على شرعية النضال من أجل تغيير النظام، وستكون هذه المظاهرة صوتاً مدوياً يطالب بتجسيد "الحل الثالث" الذي تتبناه المقاومة " لا للحرب الخارجية ولا للاسترضاء.. ونعم لدعم نضال الشعب الإيراني ووحدات المقاومة لإسقاط النظام.. كذلك سيكون هذا الحدث الجماهيري فرصة لتقديم البديل الديمقراطي المتمثل في خطة السيدة مريم رجوي ذات العشر نقاط التي ترسم مستقبلاً لإيران وجميع الإيرانيين.. مستقبلا يُبنى على مبادئ الحرية، والمساواة بين الرجل والمرأة، وفصل الدين عن السلطة، وإلغاء عقوبة الإعدام.. إنها رسالة واضحة للعالم بأن الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة يملكان الإرادة والقدرة على بناء إيران جديدة، وعلى المجتمع الدولي أن يقف في الجانب الصحيح من التاريخ من خلال الاعتراف بهذا النضال المشروع.

د. ابراهيم الحسبان - نائب برلماني أردني سابق