اسعد عبدالله علي يكتب لـ(اليوم الثامن):

من مشاكل الرواية العراقية الحديثة

الحديث عن الرواية العراقية لا ينتهي لما تواجه من تحديات ومشاكل حقيقية, لذلك التشخص والبيان مهم واساسي, كي تسير قافلة النتاج الابداعي بشكل صحيح, فالروائي هو معبر وكاشف عن حالة المجتمع, والسرد يحمل امانة ايصال التحولات الفكرية والاجتماعية التي تشهدها الشعوب, وايضا مهمة الروائي كشف مسببات الزلزال ومكامن الخطأ الذي يقع على البلد, ومن هنا تاتي اهمية الرواية, والا فهي ليس مجرد سرد من دون هدف, نعم هنالك اتجاه سردي هدفه محاكاة الغرائز وزرع قيم التخلف! وهو خط اصبح له جمهور كبير, وهذا يكشف حجم المأزق الذي وقعت به فئات من الجماهير.

قيمة الرواية كبيرة وضخمة, لانها تضع القارئ امام رؤية قد يتبناها, وممكن ان تكون سياسية او دينية او سلوكية, ان الخطاب التي تقدمه الرواية العراقية يدفعنا للتساؤل: عن حقيقة الرواية العراقية بوصفها فناً فرض حضوره على المشهد الثقافي العراقي، هل تطورت وحققت نضجاً؟ ام ما زالت تحبو على الرغم من بلوغها المئوية الأولى؟

وهنا ساحاول ذكر بعض المشاكل والمعوقات التي ما تزال تعيق الرواية العراقية, وتمنعها من النضج.

 

·      ظاهرة قيد السياسة والدين

يمكن القول ان الرواية العراقية مازالت أسيرة لمُحدّدات متنعتها من الانطلاق, وهذا على صعيد الموضوع؛ فالملاحظ ما بين العدد الذي تجاوز الاف رواية لا تكاد تخرج عن موضوعي الدين والسياسة, انه مأزق التقوقع الثيماتي! الذي دفع بالسارد الروائي الى الانغماس بجدلية الدبين والسياسة, بل نجد بعض الروايات جعلت من سطورها منبر للوعظ والاصلاح الاجتماعي! او الغرق في مجال التحليل السياسي! فتحولت الرواية الى سطور معبرة عن واقع سياسي او اجتماعي.

انه اسر وارهق الرواية العراق وحد من امكانية انطلاقها, ولا يخفى خطورة هذا المطب الذي جعل الرواية لا تنضج ابدا,  فكيف يمكن للرواية ان تعبر عن طموحات شعب متنوع وتكشف عن احلام الناس عند مفترق الازمنة, وهي متوقعة لا تتطور ولا تاخذ حيز اكبر.

فعالم الرواية العراقية يرى الانسان مجرد موجود منفعل متأثر بالمؤثرات الكبيرة وهي المؤثرات السياسية والدينية, ويبدو أن الرواية العراقية عاجزة عن تأمل العالم الأكبر المطوي في الإنسان نفسه؛ لتتأمل أزمة الفرد نفسه, لا محنة الجماعة من خلال الفرد.

 

·      الرواية تحت اسر بغداد

الروالية العراقية هي رواية متوقفة في مكان واحد, حيث الملاحظ ان اغلب الروايات لا تخرج عن جغرافيا بغداد! هذا الاصرار على بغداد كمكان للحدث الروائي او مساهم فعال في صنعة الرواية العراقية يدفعنا للتساؤل .. لماذا؟

لماذا لا ينطلق الكتاب نحو المدن والمحافظات العراقية الاخرى, لما لا يتم اكتشاف شوارع جديدة غير شارع الرشيد والمتنبي وابو نؤاس! هل ان القارئ العراقي لا يهوى الا بغداد لتكون مسرحا للقصص! هل عقل القارئ يرفض غير بغداد؟ حتى عندما تكون فضاء الرواية بعيد عن بغداد الا اننا نجده يتحدث عن بغداد كحلم او ذكريات الماضي في بغداد, او مكان تقصده ابطال الرواية وهذا يشمل حتى كتاب الخارج وهم يتحدثون عن مكان عيشهم في الخارج نجد بغداد حاضرة.

ويبدو هذا الحضور لبغداد المهيمن على الرواية العراقية قد فرض فرضا بوعي او من دون وعي, لانها حاضرة العراق, ولانها العاصمة, ولارثها الكبير ومحبة الجميع لها, بل ترتبط بتاريخ باقي الامة العربية, فلكي يصل الروائي العراقي الى اكبر عدد من خارج الوطن نجده يجعل من بغداد مسرحا لروايته.

 

·      ظاهرة التكاثر العشوائي

هنالك راي مفاده: انه بعد عام 2003 حصل انفجار مهول نحو الكتابة والطبع, ما يمكن تسميته بالتكاثر العشوائي, فهناك هوس جماعي لكتابة الرواية تحت هاجس الجوائز الادبية وتحقيق الشهرة والتفاخر لا غير, هذا التكاثر العشوائي للرواية نتيجة استسهال النشر والتوزيعو على الرغم من غياب الكثير من العناصر والمقومات الاساسية للرواية!

هنالك نقول: انه من الظلم اعتبار الشغف والرغبة في كتابة الرواية مجرد هوس لا غير.

والاجابة على هذا الراي: ان الاندفاع نحو كتابة رواية عراقية تطرح هموما عراقية, نجد له دوافع شتى, وليس فقط الرغبة في الفوز بالجائزة, مثلا ان تضع تخلص الانسان العراقي من عقدة الخوف, وامكانية البوح وكشف الكثير من المسكوت عنه, وان يقتحم اي منطقة كانت في يوم ما مغلقة, بل يشوبها الخوف والحذر من دخولها , احد اهم اسباب انطلاق الرواية العراقية , اما انطلاق الجوائز العربية كالبوكر يمكن ان يعتبر محفزا تنافسيا ليس اكثر من ذلك, ولا يمكن لكاتب ان يتخذ جلسته وراء منضدة الكتابة ويشرع بكتابة رواية, لكي يفوز بجائزة لا احد يعرف مصيرها لمن ستكون, وهذا الجواب لا يلغي حقيقة التكاثر العشوائي فهنالك العديد من المطبوعات المخجلة التي تطبع وتوزع وهي لا تستحق القراءة.

 

·      ظاهرة الفضاء التسجيلي

يمكن ملاحظة شيء متشابه معظم الروايات العراقية التي صدرت بعد 2003,  وهو توفر فضاء تسجيلي يعتني بنوع من التفاصيل الخاصة بأحداث ما بعد سقوط نظام الطاغية صدام وحصول التغيير, حيث يبرز جهد الكاتب في التركيز على الخراب في البنية التحتية للدولة، وظهور أشكال غير معروفة للتجاوز على الآخرين, ممثلا بمظاهر القتل على الهوية ومصادرة ونهب أموال الدولة وأموال الناس، والاعتداءات التي تمارس على ما يمثل الدولة من مؤسسات والدوائر الحكومية وحرقها او هدمها, للتعبير عن الرفض في ابشع انواع التعبير، او للحصول على منافع خاصة, او للتمدد الجغرافي للجماعات المسلحة.

إضافة إلى مظاهر الخراب الذي سببه دخول القوات الأجنبية إلى العراق, وهنا سجل لنا فئة من الروائيون هذه التجاوزات التي سببتها الحرب, وحجم التجاهل الذي مارسته القوات الأجنبية التي احتلت العراق لهذه الأعمال بل وتشجيعها ،وقد أسهمت هذه الظواهر الغريبة في فضاء هذه الروايات في أن يصبح المشهد متكاملا أمام المتلقي وصولا إلى قراءة الفضاء التخييلي لهذه الروايات, لكشف وجهات نظر كتابها والتقنيات التي استثمروها في إيضاح وجهات نظرهم السياسية والجمالية عن هذا التغيير.

فالمأساة والمحنة والخراب تلازم العديد من الكتاب, والتسجيل المستمرة للنكبة الاجتماعية والقيمية, من دون اي ضوء او شمعة امل.