قصف صاروخي على مأرب وعدن..

السعودية تضع حكومة المنفى في مرمى الحوثيين وتعز تقترب من السقوط

وضعت الضربات الحوثية على عدن ومأرب الحرب أمام حقيقتها القاسية: حكومةٌ دفعتها السعودية إلى إعلان معركة لا تملك قرارها ولا أدواتها، وعاصمة مؤقتة مكشوفة أمام الصواريخ، فيما تضيق الحلقة حول تعز وتتداعى خطوط الإمداد تحت ضغط تقدم حوثي يهدد بإسقاط المدينة.

حكومةٌ دفعتها السعودية إلى إعلان معركة لا تملك قرارها ولا أدواتها - إعلام يمني محلي

الرياض

لم يحتج الحوثيون إلى وقت طويل للرد على إعلان حكومة المنفى اليمنية المؤقتة بدء حرب واسعة لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرتهم. فبينما كانت الرياض تدفع حلفاءها اليمنيين إلى واجهة المعركة، وصلت الصواريخ إلى قصر معاشيق في عدن، مقر الحكومة، وتزامن ذلك مع تقارير عن استهداف مأرب بصواريخ باليستية، في رسالة عسكرية واضحة مفادها أن الجماعة قادرة على نقل الحرب إلى مقار القرار السياسي والعسكري، وليس إلى خطوط التماس وحدها.

وسُمع دوي انفجارات عنيفة في محيط قصر معاشيق، وسط حالة من الذعر بين السكان. وأفادت وكالة «أسوشيتد برس» بسماع ستة انفجارات على الأقل، ومقتل اثنين وإصابة ستة، بينما قالت الحكومة إن الهجوم نُفذ بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وأكدت أن رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة الموجودين داخل المجمع نجوا من الهجوم. 

وقالت جماعة الحوثيين إنها استهدفت ما وصفته بـ«مقر العمليات العسكرية السعودية» داخل مجمع معاشيق، وزعمت وجود ضباط سعوديين ومستودعات أسلحة في الموقع. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم، لكن اختيار القصر هدفاً لم يكن عشوائياً؛ فالجماعة أرادت القول إن الحكومة الموجودة في عدن ليست سوى الواجهة السياسية والعسكرية للعمليات التي تقودها الرياض.

وبصرف النظر عن روايات الخسائر المتضاربة، فإن الضربة أصابت الهيبة السياسية لحكومة المنفى قبل أن تصيب مبانيها. فالحكومة التي أعلنت حرباً لاستعادة صنعاء وجدت مقرها في عدن تحت الصواريخ، ولم تظهر منظومة دفاع جوي قادرة على حماية أكثر المواقع الحكومية حساسية، على الرغم من التحذيرات المتكررة بشأن امتلاك الحوثيين صواريخ باليستية ومسيّرات بعيدة المدى.

هنا تبدأ المسؤولية السعودية، ولا تنتهي عند الحوثيين.

فالرياض هي التي دفعت حكومةً ضعيفة ومتنازعة الصلاحيات إلى إعلان معركة كبرى، من دون أن توفر لها قيادة عسكرية موحدة أو دفاعاً جوياً متكاملاً أو قوات برية قادرة على حماية المدن الواقعة تحت سيطرتها. وضعت الحكومة في عدن، وأبقت مركز القرار الحقيقي خارج اليمن، ثم تركت الوزراء والموظفين والسكان يواجهون وحدهم نتائج حرب تُدار من غرف عمليات لا يملكون حق الاعتراض على قراراتها.

المشهد بدا فادحاً في تناقضه: رأس مجلس القيادة الرئاسي يقيم في الرياض، والقرار العسكري سعودي، والطيران سعودي، أما الصواريخ والخوف والقتلى فتُركت لعدن.

لم تعد المسألة تتعلق بهجوم حوثي عابر. قصف معاشيق هو نتيجة مباشرة لحرب بدأت السعودية جولة جديدة منها من دون أن تعالج أسباب فشل جولاتها السابقة. فالرياض لا تزال تتعامل مع القوى اليمنية باعتبارها أدوات مؤقتة: تستدعيها حين تحتاج إلى المقاتلين، وتقصيها أو تفككها حين ترى فيها مشروعاً سياسياً مستقلاً.

وقد دفعت السعودية أثماناً باهظة نتيجة هذه السياسة، لكنها جعلت اليمنيين يدفعون الثمن الأكبر. فبدلاً من بناء جبهة حقيقية في مواجهة الحوثيين، حافظت على سلطة هشة تتوزع قواتها بين الولاءات المناطقية والحزبية والقبلية، ويخوض قادتها صراعاتهم على المناصب والموارد، بينما يدير الحوثيون قوتهم تحت قيادة واحدة وعقيدة عسكرية واضحة.

وفي وقت كانت فيه عدن تتعرض للقصف، أفادت تقارير بأن مأرب تعرضت هي الأخرى لهجوم صاروخي حوثي. ومأرب ليست هدفاً عادياً؛ فهي آخر مركز سياسي وعسكري واقتصادي مهم لحلفاء السعودية في شمال اليمن، كما تمثل خزّاناً للطاقة وقاعدة رئيسية للتشكيلات المناهضة للحوثيين.

إن فتح النار على عدن ومأرب بالتزامن يرسم حدود الاستراتيجية الحوثية الجديدة: ضرب الحكومة في مقرها السياسي، وضرب قوتها العسكرية والاقتصادية في مأرب، ثم إحكام الطوق على تعز لقطع الاتصال الجغرافي بين الشمال والجنوب.

أما تعز، فتقف اليوم أمام أخطر مراحل الحرب منذ سنوات. فقد قطع الحوثيون الطريق الرئيسية التي تصل المدينة بعدن، ما ترك القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية داخل نطاق شبه محاصر. وأصبحت المدينة، التي يقطنها نحو مليون شخص، تعاني نقصاً حاداً في الغذاء والوقود والسلع الأساسية، بينما أغلقت المدارس والمؤسسات العامة وخفتت الحركة في شوارعها. 

وتقول الأمم المتحدة إن مئات الآلاف من سكان تعز باتوا محرومين من الوصول المنتظم إلى المساعدات، في حين ترتفع الأسعار وتتضاءل مخزونات الوقود والمواد الغذائية. ولم تسقط المدينة عسكرياً بعد، لكن سقوط طرقها وعزلها عن عدن يجعلانها أقرب من أي وقت مضى إلى الاختناق الكامل.

تعز لا تُهزم فقط تحت القصف الحوثي؛ إنها تُهزم أيضاً بفوضى معسكر حلفاء السعودية. ففي داخل المدينة ومحيطها قوات متعددة، وقيادات متنافسة، وأجنحة حزبية تتصارع على النفوذ أكثر مما تتفق على قيادة الجبهة. وفي المقابل، يدير الحوثيون هجومهم ضمن غرفة عمليات واحدة، ويستفيدون من المرتفعات ومن انهيار خطوط الإمداد ومن عجز خصومهم عن تحويل التفوق الجوي السعودي إلى سيطرة ثابتة على الأرض.

وقد أعلنت حكومة المنفى، مطلع أكتوبر/تشرين الأول، بدء حملة عسكرية لاستعادة جميع المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. لكن الجماعة ردت سريعاً بقطع طريق تعز–عدن، وتوسيع ضغطها على المدينة، ثم إطلاق الصواريخ نحو عدن ومأرب والسعودية. وبدلاً من أن تنتقل الحرب إلى عمق مناطق الحوثيين، انتقلت صواريخهم إلى عمق المناطق التي يفترض أن السعودية وحلفاءها يسيطرون عليها. 

هذه ليست صورة جيش يتقدم نحو صنعاء، بل صورة معسكر يتلقى الضربات في عواصمه ومراكزه، بينما يبحث عن انتصار إعلامي يغطي عجزه على الأرض.

وتزداد المفارقة قسوة مع إعلان التحالف السعودي تدمير 127 موقعاً لتخزين الأسلحة وإطلاق الصواريخ التابعة للحوثيين. فإذا كان هذا الحجم من الأهداف قد دُمّر بالفعل، فكيف بقيت الجماعة قادرة على قصف مطارات السعودية ومنشآتها، ثم نقل صواريخها إلى قصر معاشيق ومأرب؟ وأين ذهبت سنوات الاستطلاع والقصف والإنفاق العسكري الهائل إذا كانت عدن لا تزال بلا مظلة دفاعية قادرة على حماية مقر الحكومة؟

وقالت «رويترز» إن الحوثيين استهدفوا خلال أكتوبر/تشرين الأول مطار الملك خالد الدولي في الرياض مرات عديدة، إضافة إلى مطارات وموانئ ومنشآت نفطية سعودية. وأصبحوا يستخدمون السعودية نفسها نقطة ضغط في الحرب الإقليمية، مهددين مشروعاتها الاقتصادية وصورتها بوصفها قوة قادرة على حماية أراضيها وحلفائها. 

لم تفشل السعودية في القضاء على الحوثيين فحسب، بل أسهمت إدارتها المضطربة للحرب في جعل الجماعة أكثر قوة وتنظيماً. وبعد أكثر من أحد عشر عاماً من التدخل، أصبح الحوثيون يملكون صواريخ تصل إلى الرياض وعدن ومأرب، ويسيطرون على معظم شمال اليمن، ويحاصرون تعز، بينما لا تزال حكومة المنفى عاجزة عن حماية مقرها أو دفع رواتب موظفيها أو توحيد قواتها.

الأخطر أن الرياض فككت خلال صراعاتها مع القوى الجنوبية جزءاً مهماً من المنظومة العسكرية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، ثم عادت تبحث عن مقاتلين يخوضون عنها معركة كسر عظم مع الحوثيين. وعندما رفضت القوى المحلية التحول مجدداً إلى وقود مجاني، بدأت السعودية تتحدث عن تحالفات وقوات خارجية، وكأن أزمة الحرب تكمن في نقص الرجال لا في فشل القيادة والاستراتيجية.

السعودية تريد حكومة تعلن الحرب، لكنها لا تمنحها القرار. تريد قوات يمنية تتقدم على الأرض، لكنها لا تبني لها قيادة وطنية مستقلة. تريد عدن مقراً لحلفائها، لكنها لا تحمي سماءها. وتريد استعادة صنعاء، في الوقت الذي تتعرض فيه تعز للحصار ومأرب للقصف وقصر معاشيق للصواريخ.

وإذا استمر الحوثيون في قطع خطوط الإمداد وتعزيز مواقعهم حول تعز، فلن يكون سقوط المدينة مجرد خسارة محلية. سيؤدي ذلك إلى انهيار أهم جبهة مناهضة للجماعة في وسط اليمن، ويمنحها بوابة واسعة نحو لحج وعدن، كما سيقطع التواصل بين مناطق حلفاء السعودية ويضع جنوب البلاد أمام تهديد مباشر.

عندها لن تستطيع الرياض الاختباء خلف بيانات حكومة المنفى، ولن تكفي الغارات الجوية لتغيير الوقائع. فالحروب لا تُحسم بعدد الطلعات ولا بحجم البيانات، بل بقيادة تعرف ماذا تريد، وحلفاء تثق بهم، وقوات تمتلك قضية تدافع عنها.

في عدن، سقطت الصواريخ قرب مقر الحكومة. وفي مأرب، وصلت الرسالة الحوثية إلى آخر معاقلها المهمة في الشمال. وفي تعز، تضيق الطرق ويقترب الحصار من التحول إلى سقوط عسكري. وبين المدن الثلاث تظهر النتيجة نفسها: السعودية أشعلت معركة جديدة، ثم وضعت حلفاءها في مرمى النار، فيما بقي الحوثيون أصحاب المبادرة.