النفط السعودي تحت الحصار..

ضربة دقيقة تصيب خط النفط السعودي وصور «فانتور» تكشف أضرار هجوم الذراع الإيرانية

أظهرت صور أقمار صناعية آثار حريق ومناطق متفحمة حول محطة ضخ على خط أنابيب «شرق–غرب» السعودي، عقب هجوم بمسيّرات قالت الرياض إنها انطلقت من العراق. ويضاعف تعطل الخط الضغوط على صادرات المملكة، بالتزامن مع اضطراب مضيق هرمز وتصاعد التهديد الحوثي للملاحة في باب المندب.

صور فضائية تكشف احتراق خط النفط السعودي المتجاوز لمضيق هرمز - «CNBC»

واشنطن

 أظهرت صور التقطتها أقمار صناعية حجم الأضرار التي لحقت بمحطة ضخ على خط أنابيب النفط السعودي «شرق–غرب»، في أعقاب هجوم بطائرات مسيّرة أدى إلى إغلاق الشريان الذي تعتمد عليه المملكة لنقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز.

وقالت شبكة «CNBC» الأمريكية إن الصور، التي نشرتها شركة «فانتور» عبر وكالة «غيتي إيميجز»، تظهر آثار حريق واسعة ومناطق متفحمة داخل محطة الضخ وفي محيطها، بما يشير إلى أن الأضرار تتجاوز توقفاً تشغيلياً محدوداً.

ولا يمر خط الأنابيب عبر مضيق هرمز، كما ورد في بعض التغطيات المتداولة، بل يؤدي الوظيفة المعاكسة تماماً؛ إذ ينقل النفط الخام من بقيق، بالقرب من الساحل الشرقي للمملكة، إلى ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح للسعودية بتصدير النفط من دون المرور بالمضيق الذي يشهد اضطراباً حاداً منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وكانت السعودية قد أعلنت إيقاف الخط مؤقتاً بوصفه إجراءً احترازياً عقب عدة استهدافات بطائرات مسيّرة قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية. وذكرت السلطات أن الهجمات أصابت أجزاء من المنظومة في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، وأدت إلى وقوع إصابات وأضرار مادية.

ولم تحدد الرياض الجهة التي نفذت الهجوم بصورة نهائية، لكنها طالبت الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات تمنع استخدام أراضيها منطلقاً لاستهداف المملكة. وأكد العراق أن الطائرات انطلقت من أراضيه، وأعلن فتح تحقيق واتخاذ إجراءات بحق مسؤولين عسكريين، في وقت تنشط فيه فصائل مسلحة مرتبطة بإيران داخل البلاد.

ويمتد خط «شرق–غرب»، المعروف أيضاً باسم «بترولاين»، لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، أو نحو 746 ميلاً، من منشآت بقيق في شرق السعودية إلى ميناء ينبع. وتقدر طاقته التصميمية بنحو سبعة ملايين برميل يومياً بعد التوسعات التي شهدها خلال السنوات الماضية، بينما تتراوح الكميات التي ينقلها فعلياً، وفق تقديرات متخصصة، بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً.

وأنشئ الخط خلال ثمانينيات القرن الماضي لتقليل اعتماد السعودية على مضيق هرمز، وأصبح في الأشهر الأخيرة واحداً من أهم مسارات تصدير النفط السعودي بعد تراجع حركة الناقلات عبر الخليج.

وتشير الصور الفضائية إلى تضرر منشأة تقع في منطقة المصباح جنوب شرقي المدينة المنورة، على المسار العام للخط. وتظهر المقارنة بين صور التقطت قبل الهجوم وأخرى التقطت بعده تغيراً واضحاً في الموقع، مع احتراق أجزاء من محطة الضخ وانتشار آثار سوداء حولها.

ولا تسمح الصور وحدها بتحديد حجم الضرر الذي أصاب الأنابيب والمضخات والأنظمة الداخلية، كما لم تعلن وزارة الطاقة السعودية جدولاً زمنياً لإعادة التشغيل. لكن مصادر في سوق النفط قالت إن إصلاح الأجزاء المتضررة قد يستغرق من عدة أيام إلى أسابيع، بحسب طبيعة المعدات التي أصيبت وإمكانية استبدالها.

ويكتسب الهجوم خطورة مضاعفة لأنه استهدف الطريق الذي لجأت إليه السعودية لتفادي أزمة هرمز، في اللحظة التي أصبح فيها مسار التصدير عبر البحر الأحمر مهدداً أيضاً نتيجة تقدم الحوثيين في الساحل الغربي لليمن ووصولهم إلى المخا وذباب وجزر تقع في محيط باب المندب.

وهكذا تجد المملكة مساريها الرئيسيين لتصدير النفط تحت الضغط في وقت واحد: مضيق هرمز من الشرق، وباب المندب من الغرب، فيما أصيب خط الأنابيب الذي يربط المنطقتين ويتيح تجاوز الممر الخليجي.

ولا توجد أدلة معلنة تربط هجوم خط الأنابيب مباشرة بالحوثيين. فالسعودية قالت إن المسيّرات انطلقت من العراق، بينما جاء الهجوم ضمن موجة أوسع من الضغوط التي تمارسها جماعات مرتبطة بإيران على الرياض من أكثر من جبهة.

وفي اليمن، صعّد الحوثيون هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت الطاقة والمدن والقواعد العسكرية السعودية، بالتزامن مع هجوم بري واسع مكّنهم من التقدم على الساحل الغربي والوصول إلى مناطق مطلة على باب المندب.

ويمنح هذا التزامن إيران وحلفاءها قدرة على توزيع الضغط بين العراق واليمن، واستهداف البنية التحتية السعودية من جهات مختلفة، من دون الاضطرار إلى الدخول في مواجهة إيرانية مباشرة مع المملكة.

وأثار تعطل الخط مخاوف المتعاملين في أسواق الطاقة من انخفاض إضافي في الإمدادات، خصوصاً أن مخزونات النفط المتاحة للتصدير من ينبع قد لا تكون كافية لتعويض توقف الضخ لفترة طويلة.

وكانت السعودية قد ضاعفت استخدام خط «شرق–غرب» منذ بدء اضطراب الملاحة في هرمز. وإذا طال أمد الإغلاق، فقد تضطر إلى تقليص صادراتها أو استخدام مسارات بحرية أطول وأكثر كلفة، في وقت تعاني فيه سوق النفط نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً في تكاليف النقل والتأمين.

وتزامنت صور الأضرار مع ارتفاع قوي في أسعار الخام. وصعدت العقود الآجلة لخام برنت تسليم نوفمبر/تشرين الثاني بنحو 3.3%، لتصل إلى 108.02 دولارات للبرميل صباح الاثنين، مواصلة مكاسب تجاوزت 20% خلال شهر.

كما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي تسليم أكتوبر/تشرين الأول بنحو 3% إلى 102.98 دولار للبرميل، بعدما تجاوزت حاجز مئة دولار للمرة الأولى منذ مايو/أيار الماضي. وبلغت مكاسب الخام الأمريكي خلال شهر نحو 25%.

ولا يعود ارتفاع الأسعار إلى الضرر الذي أصاب الخط وحده، بل إلى اجتماع عدة مخاطر في وقت واحد: انخفاض الحركة عبر مضيق هرمز، وتصاعد الحرب مع إيران، والهجمات على البنية التحتية السعودية، وتقدم الحوثيين نحو باب المندب، واحتمال تغيير شركات الشحن مسارات ناقلاتها بعيداً عن البحر الأحمر.

ويستطيع الحوثيون التأثير في الأسواق من دون إغلاق باب المندب بالكامل. فمجرد نشر منصات صاروخية ورادارات قرب الساحل، أو استهداف ناقلات مرتبطة بالسعودية، يكفي لرفع أقساط التأمين ودفع بعض الشركات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

ويمثل تحويل الناقلات حول إفريقيا خياراً ممكناً لكنه مكلف، إذ يضيف أياماً إلى الرحلة ويرفع استهلاك الوقود ورسوم التشغيل والتأمين. كما يفاقم الضغط على صادرات ينبع المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، التي تحتاج في الظروف الطبيعية إلى عبور باب المندب ثم خليج عدن.

وتكشف الأضرار التي أظهرتها صور الأقمار الصناعية هشاشة الاستراتيجية السعودية القائمة على استخدام خط «شرق–غرب» بديلاً آمناً لمضيق هرمز. فقد وفر الخط للمملكة قدرة على تجاوز الممر الخليجي، لكنه لم يكن محصناً من الهجمات الجوية، كما أن النفط الذي يصل إلى ينبع يظل بحاجة إلى ممر بحري آمن إذا كان متجهاً شرقاً.

وبذلك انتقلت أزمة تصدير النفط السعودي من الاعتماد على مضيق واحد إلى الوقوع بين تهديدين متزامنين. فمن الشرق، تضغط إيران على الملاحة في هرمز، ومن الغرب، يوسع الحوثيون نفوذهم عند باب المندب، فيما أصابت المسيّرات القادمة من العراق البنية التي كان يفترض أن تمنح الرياض هامشاً للتحرك بين الممرين.

ولم يعد التحدي السعودي مقتصراً على إصلاح محطة الضخ المتضررة. فإعادة تشغيل الخط ستستعيد تدفق النفط إلى ينبع، لكنها لن تعالج الخطر القائم عند باب المندب، كما أن تأمين المضيق يحتاج إلى قوة بحرية وبرية قادرة على حماية السواحل والجزر ومنصات الملاحة.

وتضع هذه التطورات الرياض أمام معادلة صعبة: إصلاح الخط بسرعة لمنع تراجع الصادرات، وحماية منشآتها من هجمات جديدة، والتعامل مع التقدم الحوثي في الساحل اليمني، من دون الانجرار إلى حرب واسعة لا تحظى بدعم عسكري مباشر من حلفائها.

وتوفر الصور الفضائية أول دليل بصري واضح على أن الهجوم أصاب منشأة رئيسية وترك آثاراً واسعة، لكنها لا تقدم وحدها تقييماً كاملاً لقدرة الخط على العودة إلى العمل. وسيظل العامل الحاسم هو مدة الإغلاق، وحجم المخزون المتاح في ينبع، وقدرة السعودية على حماية بقية محطات الضخ من هجمات مماثلة.

المصادر: تقرير «CNBC» كما لخصته التغطيات الدولية، صور «فانتور» وشرح مسار الخط، صور المقارنة المنشورة عبر رويترز