استغاثة خلف الكواليس..
«إعلام عبري»: السعودية طلبت دعماً إسرائيلياً لمنع إغلاق باب المندب
قالت وسائل إعلام عبرية إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب مساعدة دول إقليمية لمواجهة التهديد الحوثي في باب المندب، وإن الرياض تواصلت بصورة غير مباشرة مع إسرائيل عبر القيادة المركزية الأمريكية للحصول على دعم استخباراتي، وسط تحفظ واشنطن وابتعاد تركيا وباكستان عن المواجهة.
مقاتلون من القوات الجنوبية خلال عملية ضبط أسلحة مهربة في باب المندب - اليوم الثامن
قالت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية إن السعودية طلبت دعماً استخباراتياً إسرائيلياً لمواجهة التهديد الحوثي المتصاعد في باب المندب، بعدما أدت المكاسب التي حققتها الجماعة على الساحل الغربي لليمن إلى زيادة قدرتها على التأثير في حركة الملاحة وصادرات النفط السعودية.
ونقلت الصحيفة، في تقرير للكاتب داني زاكين، عن مسؤولين دبلوماسيين في المنطقة لم تسمهم، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وجّه طلبات مساعدة مباشرة إلى مصر وعدد من دول الخليج، فيما جرى التواصل مع إسرائيل بصورة غير مباشرة عبر القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم».
وبحسب الرواية الإسرائيلية، تركز الطلب السعودي على الحصول على معلومات استخباراتية ومساعدات أخرى يمكن أن تسهم في منع الحوثيين من إغلاق باب المندب أو فرض قيود على حركة السفن المرتبطة بالمملكة.
ولم يصدر عن السلطات السعودية أو الإسرائيلية تأكيد رسمي لهذه الاتصالات، كما لم تتوفر معلومات مستقلة تثبت طبيعة الدعم المطلوب أو ما إذا كانت تل أبيب قد وافقت على تقديمه. ولذلك تبقى المعلومات في إطار تسريب نشرته صحيفة إسرائيلية واستند إلى مصادر دبلوماسية مجهلة.
وقالت الصحيفة إن محمد بن سلمان حذر في اتصالاته من أن إغلاق باب المندب سيلحق أضراراً بالمنطقة والاقتصاد العالمي، مؤكداً أن الأزمة لم تعد شأناً سعودياً منفرداً، نظراً إلى أهمية المضيق في حركة النفط والغاز والتجارة بين آسيا وأوروبا.
ويربط باب المندب خليج عدن بالبحر الأحمر وقناة السويس، وتعبره السفن التجارية وناقلات النفط والغاز في الاتجاهين. كما يمثل طريقاً رئيسياً لصادرات النفط الخليجية المتجهة إلى أوروبا، وللناقلات السعودية التي تغادر ميناء ينبع على البحر الأحمر باتجاه الأسواق الآسيوية.
وتضاعفت أهمية الطريق بالنسبة إلى الرياض بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، واعتماد السعودية بصورة أكبر على خط أنابيب «شرق–غرب»، الذي ينقل النفط من الحقول والمصافي في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع.
غير أن الهجمات الأخيرة على خط الأنابيب أدت إلى توقف جزء كبير من عملياته، بالتزامن مع وصول الحوثيين إلى المخا وذباب وجزيرة ميون والمواقع المشرفة على باب المندب. ودفعت هذه التطورات السعودية، وفق الصحيفة، إلى تحويل ناقلاتها حول القارة الإفريقية للوصول إلى الأسواق الشرقية، بما يطيل زمن الرحلات ويرفع تكاليف الشحن والتأمين.
وأشارت «إسرائيل هيوم» إلى أن ولي العهد السعودي حاول إقناع الدول التي تواصل معها بأن الضرر المحتمل لإغلاق باب المندب قد يتجاوز تداعيات اضطراب مضيق هرمز، بسبب ارتباط الممر مباشرة بقناة السويس والبحر الأحمر وصادرات الطاقة السعودية.
وقالت الصحيفة إن مصر أُبلغت بأن استمرار التهديد الحوثي يمكن أن يحولها إلى طرف متضرر بصورة مباشرة، نظراً إلى اعتماد اقتصادها على إيرادات قناة السويس، وإن القاهرة أيدت الموقف السعودي وتواصلت بدورها مع الولايات المتحدة لدعم طلب الرياض.
ولا يعني التأييد المصري، وفق المعلومات المنشورة، وجود قرار بالمشاركة في عمليات عسكرية داخل اليمن. لكن القاهرة تنظر إلى أمن باب المندب باعتباره امتداداً لأمن قناة السويس، لأن أي ارتفاع في المخاطر يدفع شركات الملاحة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، حتى من دون إغلاق المضيق بصورة كاملة.
وتطرقت الصحيفة إلى احتمال إعادة مصر دراسة الانضمام إلى الترتيبات الدفاعية التي تضم السعودية وتركيا وباكستان، في ظل اتساع المخاوف من انتقال التهديد الحوثي من الساحل اليمني إلى حركة التجارة الدولية.
وفي المقابل، قالت «إسرائيل هيوم» إن تركيا وباكستان، اللتين وقعتا اتفاقاً للدفاع المشترك مع السعودية قبل نحو شهر، بقيتا خارج القتال واكتفتا بمحاولات الوساطة مع الحوثيين.
وفسرت الصحيفة هذا الموقف برغبة أنقرة وإسلام آباد في تجنب مواجهة مباشرة مع إيران، معتبرة أن ابتعادهما عن العمليات العسكرية ترك ولي العهد السعودي في موقع أكثر عزلة في المواجهة الراهنة.
ولم تعلن باكستان تخليها عن التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية، لكنها أكدت في وقت سابق عدم وجود مناقشات بشأن مشاركة عسكرية ضد الحوثيين. كما لم تعلن تركيا استعدادها للدخول في حملة جوية أو برية داخل اليمن.
ويكشف موقف الدولتين محدودية التحالفات التي أعلنتها الرياض عندما تنتقل من بيانات التضامن إلى طلب المشاركة في حرب فعلية. فالدول التي قد توافق على حماية الأراضي السعودية أو تبادل المعلومات لا تبدو مستعدة لتحمل كلفة مهاجمة الحوثيين أو الدخول في مواجهة إقليمية مع إيران.
أما الولايات المتحدة، فقالت الصحيفة إنها لا تبدي حماساً للتدخل العسكري المباشر. ووصل قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر إلى السعودية لتقييم الوضع وزيادة مستوى التنسيق القائم، في وقت يعمل فيه عشرات العسكريين الأمريكيين داخل المملكة في مجالات المعلومات الاستخباراتية والعمليات الإقليمية.
لكن مسؤولين أمريكيين وخليجيين قالوا، وفق التقرير، إن الرئيس دونالد ترامب لا يزال متحفظاً على تقديم مساعدة عسكرية مباشرة للسعودية، رغم أن واشنطن تدرس احتمال شن غارات على مواقع حوثية جديدة مطلة على باب المندب.
وربط مسؤول مطلع احتمال تنفيذ الضربات بقيام الحوثيين بنشر رادارات ومنصات صواريخ في المواقع التي سيطروا عليها. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة قد تتدخل إذا رأت أن الانتشار الحوثي تحول إلى تهديد عسكري مباشر للسفن، لكنها لا تبدو مستعدة حالياً لخوض حملة تهدف إلى استعادة المدن والجزر لصالح القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية.
ويعيد التحفظ الأمريكي إلى الأذهان اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه واشنطن مع الحوثيين في مايو/أيار 2025، بعد حملة جوية مرتفعة الكلفة. وأتاح الاتفاق مرور السفن الأمريكية، لكنه لم يشمل السفن الإسرائيلية، ولم يؤد إلى تفكيك الترسانة الحوثية أو إنهاء قدرتها على استهداف الملاحة.
وقالت الصحيفة إن المكاسب الحوثية الأخيرة جاءت عقب هجوم واسع أدى إلى سيطرة الجماعة على مدينة المخا وجزيرة زقر، بالتزامن مع انسحاب تشكيلات كاملة من القوات المدعومة من السعودية وأسر الحوثيين وحدات ومقاتلين منها.
وكانت جزيرة ميون، الواقعة في قلب باب المندب، من أبرز أهداف الهجوم، نظراً إلى موقعها الذي يقسم المضيق إلى قناتين ويمنح القوة المتمركزة فيها قدرة متقدمة على مراقبة السفن والاقتراب من خطوط الملاحة.
وامتد القتال إلى خارج اليمن، إذ أطلق الحوثيون صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه منشآت نفطية وقواعد جوية ومدن جنوب السعودية، من بينها خميس مشيط وأبها وجازان. ورد الطيران السعودي بعشرات الغارات على مواقع في اليمن، من دون أن ينجح حتى الآن في عكس السيطرة الحوثية على الساحل والجزر.
ونقلت «إسرائيل هيوم» عن مصادر خليجية انتقادات لطريقة إدارة السعودية للحرب، ولا سيما استهدافها في وقت سابق القوات الجنوبية المناهضة للحوثيين والمدعومة من الإمارات، بما في ذلك قصف مواقعها وقوافل مساعدات أرسلتها أبوظبي.
وقالت الصحيفة إن الخلاف بين الرياض وأبوظبي أدى إلى إضعاف القوات التي كانت تقاتل الحوثيين، وأسهم في الانقسامات التي استفادت منها الجماعة خلال هجومها على الساحل الغربي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في تفسير لجوء السعودية اليوم إلى طلب الدعم من دول إقليمية وإسرائيل. فقد كانت القوات الجنوبية والساحلية تمثل، طوال سنوات، الحاجز البري الأساسي أمام الحوثيين في باب المندب، قبل أن تتعرض منظومتها العسكرية لإعادة تفكيك قسرية خلال الحرب السعودية على الجنوب مطلع العام الجاري.
وبعد إضعاف الشريك المحلي الأكثر حضوراً على الأرض، وجدت الرياض نفسها تبحث عن تعويض خارجي عبر الدعم الاستخباراتي الأمريكي والإسرائيلي والتحالفات البحرية، وهي أدوات تستطيع مراقبة الصواريخ والسفن لكنها لا توفر قوة برية قادرة على استعادة المخا وميون وتأمين المرتفعات المحيطة بالمضيق.
ورأت الصحيفة أن إيران تسعى إلى توظيف الحوثيين للضغط على التجارة والاقتصاد العالمي ورفع أسعار الطاقة قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بما يضعف موقع ترامب ويقيد قدرته على مواصلة التصعيد ضد طهران.
لكن التقرير أشار أيضاً إلى أن إسرائيل لن تتسرع في الدخول بصورة علنية في الحرب، خشية أن يدفع ذلك الحوثيين إلى استئناف هجماتهم الصاروخية والمسيّرة عليها. وتعاني إسرائيل منذ سنوات تراجع النشاط في ميناء إيلات نتيجة التهديدات الحوثية للملاحة في البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، ترى الصحيفة أن الأزمة قد تفتح نافذة جديدة لتقريب العلاقات بين الرياض وتل أبيب، إذا تمكنت إسرائيل من إظهار قدرتها على تقديم دعم لا تستطيع التحالفات الإقليمية الأخرى توفيره.
وتحمل هذه القراءة بعداً سياسياً إسرائيلياً واضحاً، لأنها تقدم التهديد الحوثي باعتباره فرصة لإعادة مسار التقارب السعودي–الإسرائيلي إلى الواجهة. إلا أن أي تعاون معلن سيضع الرياض أمام حسابات داخلية وإقليمية معقدة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب الفلسطينية وتصاعد الحساسية الشعبية تجاه التطبيع.
ويعكس طلب الدعم المنسوب إلى الرياض، إذا ثبتت صحته، حجم التحول الذي أحدثته معركة باب المندب. فالسعودية التي قادت تحالفاً عسكرياً واسعاً في اليمن منذ عام 2015 باتت تبحث عن معلومات إسرائيلية ومساندة أمريكية لحماية ممر بحري كانت قوات محلية جنوبية وساحلية تؤمن ضفته الشرقية.
وبينما لا تزال واشنطن مترددة، وتفضل تركيا وباكستان الوساطة، تحاول الرياض تدويل الخطر الحوثي عبر ربطه بالنفط وقناة السويس والتجارة العالمية. لكن نجاحها في حشد الدعم سيظل محدوداً ما لم تبنَ قوة محلية متماسكة على الأرض، لأن المعلومات الاستخباراتية والغارات الجوية قد تقلص الخطر، لكنها لن تستعيد المضيق أو الموانئ والجزر التي تغيرت خريطة السيطرة حولها.
المصدر: تقرير صحيفة «إسرائيل هيوم»



