وعود النصر تحت الضغط..

ترامب يربط نهاية حرب إيران بالانتخابات ويهوّن من خطر الحوثيين

قدّم الرئيس الأمريكي نهاية قريبة للحرب مع إيران بوصفها نتيجة محسومة، لكنه ربط توقيتها بانتخابات التجديد النصفي، في إقرار ضمني بتأثير القتال وأسعار الطاقة على الداخل الأمريكي. وفي المقابل، قلل من احتمال مواجهة الحوثيين رغم توسعهم عند باب المندب وتهديدهم المصالح السعودية.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب

واشنطن

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السبت، إن الحرب مع إيران ستنتهي «قريباً جداً»، مرجحاً أن يحدث ذلك بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، في تصريحات حاول من خلالها تقديم الصراع باعتباره يسير نحو نتيجة أمريكية محسومة، رغم دخوله شهره السابع واتساع تداعياته من مضيق هرمز إلى باب المندب.

وأضاف ترامب، خلال تصريحات للصحفيين في دبلن، أن طهران تحاول الصمود حتى موعد الانتخابات لتعقيد موقف الجمهوريين، لكنه قال إن الناخبين يدركون هذه المحاولة. ولم يوضح الأساس العسكري أو الدبلوماسي الذي يستند إليه في تحديد موعد انتهاء الحرب، أو ما إذا كانت واشنطن وطهران تجريان مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة لوقف القتال.

وقال ترامب: «أعتقد أن ذلك سيحدث قريباً جداً. أعتقد أنه سيكون على الأرجح بعد انتخابات التجديد النصفي مباشرة»، مضيفاً أن الإيرانيين «يحاولون الصمود لأطول فترة ممكنة لتعقيد الانتخابات».

وتكشف الإشارة المتكررة إلى الانتخابات حجم التداخل بين إدارة الحرب والحسابات السياسية الداخلية. فقد أدى ارتفاع أسعار النفط والوقود واتساع العمليات العسكرية إلى زيادة الضغوط على الإدارة الأمريكية، بينما أظهرت استطلاعات للرأي تراجع شعبية ترامب قبل انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني التي ستحدد قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس.

وكان ترامب قد توقع، الأربعاء، انتهاء الحرب «فوراً» بعد الانتخابات، قائلاً إن إيران لم تعد قادرة على الصمود في مواجهة الضغط الاقتصادي والعسكري. وعاد في دبلن إلى تكرار التقدير نفسه، لكنه استخدم صياغة أقل حسماً بقوله إن النهاية ستأتي «على الأرجح» بعد التصويت.

ولا يمكن فصل هذا التعديل عن استمرار العمليات الإيرانية واتساع قدرة حلفاء طهران على فتح جبهات جديدة. فخلال الأيام الأخيرة، تعرض خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي لهجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من محافظة ميسان العراقية، في حين سيطر الحوثيون على المخا وذُباب وجزر استراتيجية عند مضيق باب المندب.

وبينما يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة «تنتصر بشكل كبير»، لا تزال إيران قادرة على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز ومهاجمة السفن والمنشآت المرتبطة بحلفاء واشنطن. كما ارتفعت أسعار خام برنت فوق 100 دولار للبرميل، وتحولت كلفة الوقود إلى قضية انتخابية داخل الولايات المتحدة.

وقال ترامب إن أسعار النفط ستنخفض فور انتهاء الحرب، وهو ما يجعل وعده بقرب نهايتها جزءاً من رسالة اقتصادية موجهة إلى الناخبين، وليس تقييماً عسكرياً فقط. فالإدارة تحتاج إلى إقناع الأمريكيين بأن ارتفاع أسعار الطاقة مؤقت، وأن الحرب لن تتحول إلى التزام مفتوح يستهلك الموارد ويرفع تكاليف المعيشة.

ودخلت المواجهة الأمريكية–الإيرانية شهرها السابع من دون ظهور مؤشرات علنية على اتفاق وشيك. وكانت واشنطن وتل أبيب قد بدأتا الحرب بضربات استهدفت إيران في 28 فبراير/شباط، وردت طهران بمهاجمة إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد وقوات أمريكية.

وقال ترامب إن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، مؤكداً أنها لن تتمكن من امتلاك سلاح نووي. ولم يصدر عن طهران ما يؤكد وجود مفاوضات متقدمة، فيما تقول إيران إن برنامجها النووي سلمي وترفض التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم.

وكان مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أحال الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، ما يزيد الضغوط القانونية والسياسية على طهران، لكنه لا يضمن صدور إجراءات دولية جديدة بسبب الانقسامات بين الدول الكبرى وإمكان استخدام روسيا أو الصين حق النقض.

ويبدو أن ترامب يستخدم الملف النووي لتثبيت الهدف المعلن للحرب أمام الرأي العام الأمريكي. ففي مقابلة سابقة مع شبكة «فوكس نيوز»، قال إنه لا يشعر بالندم على قرار الحرب، وإنه سيتخذ القرار نفسه مجدداً لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

غير أن تحديد نهاية الحرب بموعد انتخابي يثير تساؤلاً بشأن طبيعة النصر الذي يتحدث عنه. فإذا كانت إيران تتعرض، وفق رواية ترامب، لهزيمة عسكرية واقتصادية حاسمة، فمن غير الواضح لماذا تستطيع تأجيل التسوية حتى انتهاء الانتخابات الأمريكية، أو كيف يمكنها التحكم بتوقيت توقف القتال.

وقد يكون المقصود أن طهران تراهن على إضعاف الجمهوريين عبر إطالة أزمة الطاقة، على أمل أن يدفع تغير التوازن داخل الكونغرس الإدارة إلى تخفيف شروطها. لكن هذا التفسير يمنح إيران قدرة سياسية على التأثير في الداخل الأمريكي، رغم تأكيد ترامب أنها فقدت معظم أوراقها.

وفي حديثه عن مضيق هرمز، قال ترامب إن الولايات المتحدة تسيطر على الممر البحري. ويبدو التصريح أقرب إلى تأكيد التفوق العسكري الأمريكي منه إلى وصف دقيق لحركة الملاحة، إذ لا تزال السفن التجارية تواجه قيوداً ومخاطر، وتراجعت أعداد الناقلات العابرة مقارنة بالمستويات المسجلة قبل الحرب.

وكان مضيق هرمز يتعامل عادة مع نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وتسببت الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران في انخفاض حركة السفن، بينما تحاول دول المنطقة التوصل إلى ترتيبات تسمح بمرور الشحنات التجارية بأمان.

ودعت إيران إلى اجتماع إقليمي في سلطنة عُمان لمناقشة الملاحة، ما يشير إلى أن السيطرة الفعلية على المضيق لا تزال موضع نزاع عسكري وتفاوض سياسي. وتملك البحرية الأمريكية القدرة على ضرب الأهداف الإيرانية وحماية قوافل محددة، لكنها لم تتمكن من إعادة حركة العبور إلى مستوياتها الطبيعية.

كما أن انتقال التهديد إلى باب المندب قلل من قيمة التفوق الأمريكي في هرمز. فالسعودية التي سعت إلى تجاوز المخاطر في الخليج بنقل النفط إلى البحر الأحمر أصبحت تواجه الحوثيين عند الممر الغربي، بالتزامن مع توقف خط أنابيب الشرق–الغرب بعد الهجوم المنطلق من العراق.

ورجح ترامب أن تكون إيران مسؤولة عن استهداف خط الأنابيب السعودي، لكنه لم يقدم أدلة علنية. وقال إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان «صديق جيد»، وإن الأمور ستسير على ما يرام.

وأكدت السلطات العراقية العثور على آثار تشير إلى إطلاق المسيّرات من محافظة ميسان، وبدأت تحقيقاً وأقالت مسؤولين أمنيين في المنطقة. وتنفي الفصائل العراقية التي يُشتبه بارتباطها بالهجوم مسؤوليتها المباشرة، رغم إشادتها بالعمليات الحوثية ضد السعودية.

وتتيح عبارة ترامب بأن إيران «على الأرجح» تقف وراء الهجوم إبقاء الاتهام سياسياً من دون إعلان قرار بالرد. كما تمنح الحكومة العراقية وقتاً للتحقيق ومحاولة احتواء الفصائل، بعدما طلب رئيس الوزراء العراقي من السعودية عدم تنفيذ ضربات انتقامية داخل العراق.

وتواجه واشنطن معضلة مشابهة لمعضلة الرياض. فتوجيه ضربات إلى إيران أو الفصائل العراقية قد يوسع الحرب ويعرض القواعد الأمريكية لهجمات إضافية، بينما قد يشجع غياب الرد الجماعات المتحالفة مع طهران على مواصلة الضغط على منشآت الطاقة.

وفي اليمن، قال ترامب إن الحوثيين لا يريدون خوض مواجهة مع الولايات المتحدة. وأوضح أن الجماعة تواصلت مع إدارته وأبدت رغبتها في عدم التدخل الأمريكي المباشر في الحرب المتصاعدة بينها وبين السعودية.

وقال إن الحوثيين يسمحون بمرور معظم السفن، باستثناء سفن دولة لم يسمها، في إشارة محتملة إلى السعودية. ويتفق ذلك مع بيان المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع، الذي قال إن الملاحة آمنة لجميع السفن باستثناء السفن السعودية المشمولة بحظر أعلنته الجماعة.

لكن هذا التعهد لا يوفر ضمانة كافية للملاحة التجارية. فملكية السفن ووجهاتها وعلاقات الشركات المشغلة بها قد تكون معقدة، كما أن أخطاء التعرف على الأهداف أو اتساع قائمة الدول المحظورة يمكن أن يحولا المضيق إلى منطقة غير آمنة.

وتكشف تصريحات ترامب عن الحوثيين سبب رفضه طلباً سعودياً بشن ضربات أمريكية ضد الجماعة. فواشنطن ترى أن الحوثيين لا يسعون حالياً إلى مهاجمة القوات أو السفن الأمريكية، ولذلك لا تريد تحويل المواجهة السعودية–الحوثية إلى حرب أمريكية جديدة.

وكان ولي العهد السعودي قد طلب من ترامب، خلال اتصالين، تنفيذ ضربات مباشرة بعد التقدم الحوثي نحو المخا وباب المندب. لكن الرئيس الأمريكي رفض، وعرض مشاركة المعلومات الاستخبارية وبيانات تحديد الأهداف، تاركاً العمليات العسكرية للسعودية والقوات اليمنية المحلية الموالية لها.

ويعكس موقف ترامب فصلاً متعمداً بين أمن الملاحة والمصالح السعودية. فالولايات المتحدة مستعدة للتحرك إذا تعرضت سفنها أو مصالحها المباشرة للخطر، لكنها لا تعتبر سقوط المخا وميون وذُباب سبباً كافياً للعودة إلى حملة عسكرية واسعة.

كما يبدو أن التواصل الحوثي مع واشنطن أدى دوراً في تهدئة المخاوف الأمريكية. فالجماعة توجه رسالة مفادها أن وجودها عند باب المندب لا يستهدف الولايات المتحدة، بل يستخدم للضغط على السعودية ضمن المواجهة الإقليمية.

غير أن قبول واشنطن بهذا التمييز يمنح الحوثيين مساحة لتثبيت مكاسبهم داخل اليمن، ما داموا يتجنبون استهداف الأمريكيين. ويترك ذلك الرياض أمام تهديد مباشر في منشآتها وسفنها من دون ضمان تدخل حليفها الرئيسي.

وقد يتغير الحساب الأمريكي إذا حاول الحوثيون إغلاق باب المندب كلياً أو هاجموا سفناً أمريكية وأوروبية. لكن تصريحات ترامب تشير إلى أن إدارته تفضل في الوقت الحالي إدارة الخطر عبر الاتصالات والاستخبارات والردع البحري، بدلاً من الانخراط في حرب برية أو جوية طويلة.

وتأتي هذه التطورات بينما بدأت القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية تنفيذ غارات على مواقع الحوثيين في المخا وذُباب، بعد سيطرة الجماعة عليهما. واستهدف القصف مركبات ومخازن ومرافق في المطار والميناء، في محاولة لمنع نقل الأسلحة وتثبيت السيطرة.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات على عملية برية كبيرة لاستعادة المناطق، ما يعني أن الغارات تركز على احتواء نتائج التقدم الحوثي. وكلما تأخر الهجوم المضاد، ازدادت قدرة الجماعة على تحصين مواقعها ونشر أسلحة قرب المضيق.

وتبدو ثقة ترامب بقرب انتهاء الحرب مع إيران منفصلة جزئياً عن هذا الواقع الميداني. فإيران قد تكون تعرضت لخسائر عسكرية واقتصادية واسعة، لكن حلفاءها لا يزالون قادرين على مهاجمة منشآت النفط وفتح جبهات وتغيير خرائط السيطرة.

وفي الملف الفلسطيني، قال ترامب إن إدارته قامت «بعمل رائع» في غزة، مشيراً إلى إطلاق مبادرة لوقف إطلاق النار والمساهمة في استعادة عدد كبير من الرهائن الإسرائيليين. ولم يقدم تفاصيل جديدة عن وضع المبادرة أو العقبات التي تواجه تثبيت السلام.

وجاءت الإشارة إلى غزة ضمن محاولة عرض سجل أوسع للسياسة الخارجية يقوم على إنهاء الحروب وإعادة الرهائن ومنع الانتشار النووي. غير أن استمرار القتال في إيران وتصاعد اليمن وتعثر الاستقرار في غزة يجعل هذه الصورة محل اختبار متواصل.

وتحمل تصريحات دبلن رسالتين مختلفتين. الأولى موجهة إلى الناخب الأمريكي، ومفادها أن الحرب تقترب من نهايتها وأن أسعار النفط ستنخفض. والثانية موجهة إلى إيران وحلفائها، وتؤكد أن واشنطن لا تريد توسيع المواجهة ما دام أمنها المباشر غير مستهدف.

لكن الربط بين نهاية الحرب وموعد الانتخابات يجعل خطاب النصر عرضة لامتحان زمني واضح. فإذا انتهى القتال بعد نوفمبر/تشرين الثاني، سيقدم ترامب ذلك بوصفه تحققاً لتوقعاته. أما إذا استمرت المواجهة، فسيكون عليه تفسير كيف استطاعت إيران الصمود، ولماذا لم تتحول السيطرة الأمريكية المعلنة على هرمز إلى تسوية أو عودة طبيعية للملاحة.

وبين الوعود الأمريكية والوقائع الميدانية، تستمر إيران في المساومة على الوقت، ويثبت الحوثيون مواقعهم عند باب المندب، وتواجه السعودية تهديداً يطال طريق تصديرها الغربي. ولهذا تبدو الحرب أقرب إلى إعادة توزيع جبهاتها منها إلى نهاية مؤكدة، مهما بدا خطاب ترامب واثقاً من أن التسوية باتت قريبة.