جبهة انهارت من الداخل..
خبير عسكري: تشتت الخصوم يمنح الحوثيين طريقاً مفتوحاً إلى "ميون"
يعزو الخبير العسكري خالد النسي الانهيار المتسارع في الساحل الغربي إلى غياب القيادة الموحدة وتعدد ولاءات القوات المناهضة للحوثيين، محذراً من أن سيطرة الجماعة على ميون تنقل تهديد الملاحة إلى مستوى أخطر، فيما تبقى اتهاماته بحدوث خيانات وتنسيق حوثي–صومالي بحاجة إلى أدلة مستقلة.
سيطر الحوثيون على ميناء المخا الاستراتيجي وباب المندب - خريطة
قال الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني خالد النسي إن التقدم السريع الذي حققه الحوثيون في الساحل الغربي لم يكن نتيجة تفوق عسكري مطلق، بقدر ما جاء ثمرة تشتت القوات المناهضة للجماعة وغياب التنسيق بين تشكيلاتها، ما أتاح للمهاجمين اختراق المرتفعات المطلة على المخا والخوخة والوصول إلى باب المندب وجزيرة ميون خلال فترة قصيرة.
وأضاف النسي، خلال مشاركته في برنامج «التاسعة» على قناة سكاي نيوز عربية، أن خطوط الدفاع كان يمكن أن توقف الهجوم الحوثي في مرتفعات غرب تعز قبل وصوله إلى الساحل، لكن تعدد القيادات ومصادر القرار أحدث فراغاً عملياتياً استغلته الجماعة لتوسيع هجومها والسيطرة على مواقع كانت خارج نطاق نفوذها.
وجاءت تصريحاته بعدما أكدت مصادر يمنية لوكالة رويترز وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون وسيطرتهم على مدينة ذُباب المقابلة لها، عقب انسحاب القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية. وسبقت ذلك سيطرة الجماعة على المخا وجزر حنيش، في تحول ميداني وضعها عند أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.
وقال النسي إن الحوثيين كثفوا هجماتهم خلال الأسبوع الماضي باتجاه قطاعات الساحل الغربي، حيث كانت تنتشر قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، ووحدات من العمالقة الجنوبية، إلى جانب تشكيلات تابعة لمحور تعز. ورأى أن وجود هذه القوات تحت قيادات منفصلة حرم الجبهة من القدرة على تبادل المعلومات والتحرك باعتبارها مسرح عمليات واحداً.
وتخضع تشكيلات محور تعز لقيادات عسكرية وسياسية محسوبة بدرجات متفاوتة على حزب التجمع اليمني للإصلاح، بينما تتبع المقاومة الوطنية قيادة مستقلة في المخا، وتحتفظ ألوية العمالقة بهيكلها القيادي الجنوبي. وبرغم أن هذه التشكيلات قاتلت الحوثيين ضمن معسكر واحد، فإنها لم تندمج في سلسلة قيادة مشتركة، وظلت علاقاتها محكومة بحسابات سياسية ومناطقية متباينة.
ويرى النسي أن هذا الانقسام أنتج إرباكاً في توزيع القوات وتحديد المسؤوليات، وسمح للحوثيين بالتركيز على نقاط الضعف بين القطاعات. واتهم بعض الوحدات في محور تعز بارتكاب ما وصفه بـ«الخيانات» التي سهّلت الاختراق، لكنه لم يقدم تفاصيل محددة عن الجهات أو الأشخاص المعنيين، ولم تظهر أدلة مستقلة تؤكد وقوع تسليم متعمد للمواقع.
ويظل من الضروري التمييز بين الخيانة، بوصفها اتهاماً جنائياً وسياسياً، وبين الانهيار الناجم عن سوء القيادة أو نقص الإمداد أو الانسحاب غير المنظم. ويمكن لغياب التنسيق أن يفسر سرعة التقدم من دون افتراض وجود اتفاق مسبق مع المهاجمين، خصوصاً في جبهة تضم تشكيلات لا تخضع لقيادة مركزية واحدة.
وبحسب النسي، تمكن الحوثيون خلال نحو 48 ساعة من السيطرة على المرتفعات المطلة على المخا والخوخة، قبل أن يتحركوا جنوباً باتجاه ذُباب وباب المندب. وتوفر هذه المرتفعات مجالاً لمراقبة الطرق الساحلية واستهداف خطوط الإمداد، كما تمنح القوة المسيطرة عليها قدرة نارية على مناطق واسعة في السهل التهامي.
وساعدت طبيعة التضاريس الحوثيين على استخدام مجموعات صغيرة تتحرك بين الجبال والطرق الفرعية، في مقابل قوات دفاعية موزعة على مواقع متباعدة. وعندما تعرضت الخطوط الخلفية والطرق الرابطة بين تعز والمخا للضغط، أصبحت الوحدات المنتشرة في الساحل مهددة بالعزل، ما دفع بعضها إلى الانسحاب قبل تطويقها.
ويشير هذا المسار إلى أن خسارة المخا بدأت في المرتفعات الواقعة شرق المدينة، لا عند الميناء نفسه. فالتراجع عن المواقع الحاكمة جعل الدفاع عن الساحل أكثر صعوبة، وأفقد القوات الموجودة في المخا العمق البري الذي تعتمد عليه في الإمداد والمناورة.
ووصف النسي الوصول إلى ميون بأنه أخطر نتائج الهجوم، نظراً إلى موقع الجزيرة في قلب باب المندب. وتقسم ميون المضيق إلى قناتين: قناة شرقية ضيقة تُعرف بباب إسكندر ويبلغ عرضها نحو ثلاثة كيلومترات، وقناة غربية أوسع يتراوح عرضها بين 20 و25 كيلومتراً وتتركز فيها حركة السفن التجارية الكبيرة.
وقال إن اقتراب الحوثيين من مسارات العبور يقلل حاجتهم إلى استخدام صواريخ بعيدة المدى، إذ يمكنهم نظرياً تهديد أهداف بحرية قريبة بأسلحة أقصر مدى، بما فيها المدفعية والصواريخ الساحلية والزوارق والطائرات المسيّرة.
لكن السيطرة على ميون لا تعني تلقائياً امتلاك القدرة الكاملة على إغلاق باب المندب أو التحكم بجميع السفن العابرة. فالقناة الغربية الواسعة تقع بين الجزيرة والساحل الإفريقي، وتستطيع القوات البحرية الدولية مراقبتها وحماية أجزاء منها. كما أن نشر أسلحة ثقيلة على الجزيرة يجعلها عرضة للاستطلاع والقصف الجوي والبحري.
مع ذلك، لا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق المضيق فعلياً لإحداث أثر اقتصادي واسع. فمجرد امتلاك القدرة على إطلاق النار باتجاه السفن يكفي لرفع أقساط التأمين، وتعليق رحلات بعض الشركات، ودفع الناقلات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
وتقدر وكالة أسوشيتد برس أن نحو 12 في المئة من تجارة السلع العالمية تمر عادة عبر باب المندب. وأدى التصعيد الحوثي منذ نهاية عام 2023 إلى انخفاض حركة الملاحة في البحر الأحمر بنحو 60 في المئة، وفق تقديرات حديثة، بعدما اختارت شركات كبرى مسارات أطول وأكثر كلفة.
وتزداد أهمية باب المندب للسعودية بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فقد اعتمدت الرياض على خط أنابيب الشرق–الغرب لنقل الخام إلى ينبع، ثم شحنه عبر البحر الأحمر، لكن هجوماً بطائرات مسيّرة انطلقت، وفق السعودية، من العراق أدى إلى إغلاق الخط مؤقتاً، بالتزامن مع وصول الحوثيين إلى ميون.
وبذلك تواجه السعودية ضغطاً على شبكة تصديرها من اتجاهات مترابطة: تهديد مضيق هرمز، وتعطل خط الأنابيب البديل، واقتراب الحوثيين من طريق السفن المغادرة من ينبع. وقالت رويترز إن الخط كان ينقل ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو خمسة في المئة من الإمدادات العالمية.
ويرى النسي أن الخطر الحوثي على الملاحة كان قائماً حتى عندما كانت الجماعة بعيدة عن باب المندب، إذ تمكنت منذ أواخر 2023 من استهداف سفن في مناطق متباعدة من البحر الأحمر. أما وجودها في ميون، فيمنحها موقعاً أفضل للمراقبة وجمع المعلومات واستخدام الأسلحة القصيرة والمتوسطة المدى.
كما يمكن للجماعة تحويل الجزيرة إلى ورقة تفاوضية في أي تسوية مقبلة. فالمواقع المشرفة على الممرات البحرية ترفع وزن الطرف المسيطر عليها، وتتيح له ربط ملفات الحرب الداخلية بأمن الطاقة والتجارة الدولية، بدلاً من حصر المفاوضات في تقاسم السلطة والرواتب والحدود.
وأشار النسي إلى معلومات عن وجود تنسيق بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، معتبراً أن السيطرة على ميون يمكن أن تسهّل التواصل بين شبكات مسلحة على ضفتي خليج عدن. ولم يقدم الخبير تفاصيل عن طبيعة المعلومات التي استند إليها، لكن تقارير أمنية ودراسات منشورة خلال العامين الماضيين تحدثت عن تعاون في مجالات التهريب ونقل الأسلحة والخبرات التقنية.
وكان مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية قد حذر من تنامي الروابط بين الحوثيين وحركة الشباب، بما يشمل شبكات تهريب الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية عبر خليج عدن. إلا أن حجم العلاقة القيادية المباشرة بين الجانبين، وقدرتها على تنفيذ عمليات مشتركة في باب المندب، لا يزالان موضع تقدير أكثر منهما حقيقة مثبتة بصورة كاملة.
وفي قراءته للبعد الإقليمي، قال النسي إن التقدم الحوثي ينسجم مع مصلحة إيرانية في فتح جبهة ضغط جديدة، بعد تراجع قدرة طهران على التحكم بالمواجهة في مضيق هرمز. واعتبر أن نقل التوتر إلى باب المندب يشتت الموارد الأمريكية ويجبر واشنطن على توزيع قواتها بين ممرين بحريين متباعدين.
وكانت رويترز قد نقلت عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية قولها إن الحرس الثوري قدم توجيهاً مباشراً للهجوم الحوثي ووعد الجماعة بمزيد من الأموال والأسلحة والضباط. وتنفي إيران إدارة القرار العسكري الحوثي، وتصف الجماعة بأنها حليف مستقل وليست وكيلاً تابعاً لها.
ولا ينفي امتلاك الحوثيين هامشاً محلياً من القرار وجود تقاطع واسع بين حركتهم ومصالح إيران. فالتقدم نحو باب المندب يمنح طهران ورقة مقابلة لضغوط مضيق هرمز، ويزيد كلفة الحرب الاقتصادية على الولايات المتحدة والسعودية من دون أن تضطر إيران إلى نشر قوات نظامية كبيرة خارج أراضيها.
ويستبعد النسي في الوقت الراهن تدخلاً أمريكياً عسكرياً مباشراً لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون، مرجحاً أن تكتفي واشنطن بتقديم المعلومات الاستخبارية وبيانات الاستهداف والدعم الفني للسعودية والقوات المحلية الموالية لها.
ويتفق هذا التقدير مع ما نقلته «أكسيوس» وأكدته رويترز عن رفض الرئيس دونالد ترامب طلباً سعودياً لتنفيذ ضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين. وأبلغت واشنطن الرياض بأنها ستساعدها استخباراتياً، لكنها لا تريد فتح جبهة جديدة في ظل تركيزها على إيران ومضيق هرمز واقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
ولا يستبعد الموقف الأمريكي توجيه ضربات محدودة إذا تعرضت السفن أو القوات الأمريكية لهجمات، لكنه يترك مسؤولية استعادة المخا وذُباب وميون للقوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية. وهذه هي النقطة التي يعيد عندها النسي القضية إلى أصلها: لا تستطيع المساندة الجوية تعويض غياب قيادة برية موحدة.
وقال إن استعادة المبادرة تتطلب جمع المقاومة الوطنية والعمالقة والتشكيلات المنتشرة في تعز والساحل ضمن غرفة عمليات واحدة، وتحديد قاطع لكل قوة، وتوحيد الاستخبارات والإمداد والقرار العسكري. ومن دون ذلك ستظل الهجمات الجوية قادرة على إبطاء الحوثيين، لكنها لن تمنعهم من استغلال الفجوات بين الوحدات.
وتدعم تجربة السنوات الماضية هذا الاستنتاج جزئياً. فقد تعرض الحوثيون لآلاف الغارات منذ بدء التدخل العسكري السعودي عام 2015، إلا أن القصف لم يؤدِّ إلى تفكيك بنيتهم أو إنهاء سيطرتهم على صنعاء. وفي المقابل، ارتبطت أبرز خسائرهم الميدانية بوجود قوات برية منظمة استطاعت استثمار الغطاء الجوي وتثبيت مواقعها.
غير أن توحيد القوات ليس قراراً تقنياً فقط. فالمقاومة الوطنية ومحور تعز والعمالقة تحمل مشاريع سياسية مختلفة، وتتلقى دعماً من قنوات متعددة، ولا تثق قياداتها بسهولة في تسليم قرارها العسكري إلى مركز واحد. ولهذا تعكس أزمة الساحل فشلاً سياسياً بقدر ما تعكس قصوراً ميدانياً.
كما أن استعادة المناطق لن تكون عملية سهلة بعد تثبيت الحوثيين قواتهم داخل المدن والمرتفعات والجزر. فكل تأخير يمنح الجماعة وقتاً لنشر الألغام وحفر التحصينات ونقل الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مواقع جديدة، ويزيد الكلفة البشرية لأي هجوم مضاد.
وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 50 ألف مدني فروا من مناطق في تعز والحديدة مع تقدم الحوثيين، وسط مخاوف من اتساع الأزمة الإنسانية ونقص المأوى والغذاء والرعاية الطبية. ويكشف النزوح أن كلفة الانهيار لا تقتصر على خريطة السيطرة أو حركة السفن، بل تمتد إلى السكان الذين وجدوا أنفسهم مجدداً أمام حرب مفتوحة بعد سنوات من الهدوء النسبي.
وتشير قراءة النسي، في جوهرها، إلى أن الحوثيين كسبوا المعركة قبل الوصول إلى باب المندب، عندما فشل خصومهم في بناء جبهة موحدة. فقد أتاح الانقسام السياسي والعسكري للجماعة اختيار مكان الهجوم وتوقيته، ونقل الضغط بين القطاعات، وإجبار تشكيلات منفصلة على التراجع من دون قدرة على تنفيذ رد جماعي.
أما ميون، فهي النتيجة الأكثر وضوحاً لهذا الفشل وليست سببه. ومن شأن بقائها تحت سيطرة الحوثيين أن يحول خطأً في إدارة الجبهة إلى أزمة تمس أمن البحر الأحمر وصادرات النفط وإيرادات قناة السويس وحسابات القوى الدولية.
ولهذا لن يتحدد مستقبل باب المندب بعدد الغارات السعودية أو بالمساعدات الاستخبارية الأمريكية وحدها، وإنما بقدرة القوى المناهضة للحوثيين على تجاوز خلافاتها وإعادة بناء خط دفاع موحد. وما لم يتحقق ذلك، ستظل الجماعة قادرة على تحويل تشتت خصومها إلى مكاسب ميدانية، ثم استخدام تلك المكاسب أوراقاً عسكرية واقتصادية في صراع يتجاوز حدود اليمن.



