تل أبيب تتمسك بالمنطقة الأمنية..

إسرائيل تتمسك بالبقاء في جنوب لبنان وتربط الانسحاب بضمانات أمنية

"جددت إسرائيل تمسكها بالبقاء داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، مؤكدة أن قواتها تحتفظ بحرية كاملة للتحرك ضد أي تهديد محتمل، فيما ربطت أي انسحاب بضمانات أمنية تمنع هجمات حزب الله وتسلل عناصره عبر الحدود."

بنيامين نتنياهو

غزة

جددت الحكومة الإسرائيلية، الإثنين، تمسكها بالإبقاء على قواتها داخل ما تصفه بـ"المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، مؤكدة أنها لن تنسحب من تلك المناطق في الوقت الراهن، رغم التفاهمات المتكررة المتعلقة بوقف إطلاق النار، في موقف يعكس استمرار القلق الإسرائيلي من عودة التوتر على الجبهة الشمالية.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن القوات الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان تتمتع بـ"حرية كاملة" للتحرك ضد أي تهديد مباشر أو محتمل، مؤكداً أن الجنود مخولون باتخاذ الإجراءات اللازمة لإحباط أي هجوم يستهدفهم أو يستهدف سكان شمال إسرائيل.

وأضاف نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي لا يواجه قيوداً في ما يتعلق بحماية قواته أو الدفاع عن المناطق الحدودية، مشدداً على أن الحكومة الإسرائيلية تقف خلف قواتها المنتشرة في الميدان، وأن بقاء هذه القوات مرتبط بالاعتبارات الأمنية التي تراها تل أبيب ضرورية لحماية حدودها الشمالية.

وتأتي تصريحات نتنياهو في ظل استمرار الجدل حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية بعد جولات متكررة من المواجهات العسكرية والتفاهمات الهشة لوقف إطلاق النار، والتي تعرضت خلال الأشهر الماضية لسلسلة من الخروقات المتبادلة.

وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من المنطقة الأمنية التي أقامتها داخل جنوب لبنان، مشيراً إلى أن تل أبيب لا تسعى إلى ضم أراضٍ لبنانية أو فرض واقع حدودي جديد، لكنها تعتبر وجود قواتها ضرورة أمنية لمنع أي تهديد محتمل من جانب حزب الله.

وقال ساعر إن إسرائيل ستواصل احترام ترتيبات وقف إطلاق النار طالما التزم بها حزب الله، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أمن الإسرائيليين سيبقى أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى، مضيفاً أن حكومته لن تقبل العودة إلى الظروف التي سبقت الحرب أو السماح بعودة ما تصفه بالبنية العسكرية للحزب إلى المناطق القريبة من الحدود.

ويعكس هذا الموقف استمرار الفجوة بين الطرفين بشأن تفسير مفهوم وقف إطلاق النار وحدود الأعمال العسكرية المسموح بها. فبينما تعتبر إسرائيل أن الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية جزء من حقها في الدفاع عن النفس، يرى لبنان وحزب الله أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يمثل انتهاكاً للسيادة ويقوض فرص تثبيت التهدئة.

وفي محاولة للحد من احتمالات التصعيد، أصدرت القيادة العسكرية الإسرائيلية خلال الفترة الماضية تعليمات جديدة لقواتها العاملة في جنوب لبنان، تقضي بحصر العمليات العسكرية في إطار الدفاع المباشر عن القوات والمواقع المنتشرة داخل المنطقة الأمنية.

وتنص هذه التعليمات على عدم اللجوء إلى استخدام القوة إلا في مواجهة تهديد وشيك أو مباشر، مع اشتراط الحصول على موافقات عسكرية عليا في بعض الحالات التي تتجاوز الإجراءات الدفاعية الروتينية.

كما تضمنت التعليمات الجديدة قيوداً على تعامل الجنود الإسرائيليين مع المدنيين اللبنانيين الذين يحاولون العودة إلى المناطق القريبة من مواقع انتشار الجيش الإسرائيلي، حيث مُنع استخدام الأعيرة التحذيرية إلا في حالات محددة تتعلق بوجود خطر مباشر على القوات.

وشملت الإجراءات أيضاً فرض قيود إضافية على عمليات تدمير المنازل أو البنية التحتية داخل المنطقة الأمنية، بحيث تتطلب مثل هذه العمليات موافقات من مستويات عسكرية رفيعة قبل تنفيذها.

ورغم هذه القيود، فإن التصريحات السياسية الصادرة عن نتنياهو وساعر تؤكد أن إسرائيل لا تزال تنظر إلى المنطقة الأمنية باعتبارها خط دفاع متقدماً يهدف إلى منع أي تهديد محتمل قبل وصوله إلى الحدود الدولية.

ويأتي هذا التشدد الإسرائيلي في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، بالتزامن مع الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة بين إسرائيل ولبنان ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة واسعة جديدة قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأسرها.

ويرى مراقبون أن تمسك إسرائيل بالبقاء داخل المنطقة الأمنية يعكس قناعة متزايدة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الترتيبات الحالية لا توفر ضمانات كافية لمنع عودة التوتر، خصوصاً في ظل استمرار الخلافات حول مستقبل سلاح حزب الله وانتشار قواته في جنوب لبنان.

وفي المقابل، تثير هذه السياسة مخاوف لبنانية من تحول الوجود العسكري الإسرائيلي المؤقت إلى واقع طويل الأمد، الأمر الذي قد يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي ويؤخر فرص التوصل إلى ترتيبات مستقرة ودائمة على الحدود.

وبين الموقفين، تبدو الجبهة اللبنانية الإسرائيلية مرشحة للبقاء في دائرة التوتر الحذر، حيث تتواصل محاولات تثبيت وقف إطلاق النار من جهة، فيما تستمر الحسابات الأمنية والعسكرية في فرض نفسها على قرارات الطرفين من جهة أخرى، ما يجعل مستقبل المنطقة الأمنية الإسرائيلية في جنوب لبنان واحداً من أبرز الملفات المفتوحة في المرحلة المقبلة.