مظلة أمنية متعددة الجنسيات..

تقرير: مضيق هرمز.. "فتيل" الألغام يهدد استقرار الممر الملاحي رغم إعلان فتحه

حذرت البحرية الأمريكية من مخاطر ألغام غير محددة في مضيق هرمز رغم إعلان فتحه، بالتزامن مع تحركات دولية لتشكيل قوة بحرية بقيادة أوروبية لتأمين الملاحة، وسط تصريحات متباينة حول إزالة الألغام واستمرار التوترات في المنطقة خلال الفترة الحالية.

سفن مكافحة الألغام تجري مناورة في بحر العرب (أرشيفية)

واشنطن

في مشهد يعكس هشاشة التهدئة في منطقة الخليج، أطلقت البحرية الأمريكية تحذيراً مباشراً للسفن بشأن مخاطر الألغام في مضيق هرمز، رغم إعلان إعادة فتح الممر الملاحي الحيوي، ما يعكس فجوة واضحة بين التصريحات السياسية والواقع الميداني.

التحذير، الذي جاء عبر بيان موجه إلى البحارة، أشار إلى أن مستوى الخطر المرتبط بالألغام لم يتم تحديده بشكل كامل، داعياً السفن إلى تجنب أجزاء من "نظام فصل ممرات الملاحة"، وهو النظام الذي ينظم حركة السفن في المضيق منذ عقود، ويُعد العمود الفقري لتنظيم المرور بين المياه الإيرانية والعمانية.

هذا التحذير يضع شركات الشحن والملاحة أمام معادلة معقدة: ممر مفتوح رسمياً… لكنه غير آمن بالكامل عملياً.

في المقابل، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتقدم صورة أكثر تفاؤلاً، حيث أكد أن إيران بدأت إزالة الألغام البحرية بدعم من الولايات المتحدة، بل وذهب أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن طهران وافقت على عدم إغلاق المضيق مجدداً.

لكن هذا التفاؤل السياسي يصطدم بواقع تقني وأمني أكثر تعقيداً، إذ إن عمليات إزالة الألغام البحرية تُعد من أكثر العمليات حساسية وبطئاً، وغالباً ما تتطلب وقتاً طويلاً لضمان سلامة الممرات بشكل كامل، وهو ما يفسر استمرار التحذيرات رغم إعلان الفتح.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المضيق بات مفتوحاً أمام الملاحة، مؤكداً أن السفن تعبر وفق مسارات منسقة، في محاولة لإعادة طمأنة المجتمع الدولي.

غير أن تعدد الروايات بين تحذيرات عسكرية وتصريحات سياسية يكشف عن حالة من "الاستقرار الهش"، حيث لا تزال الثقة في أمن الملاحة محدودة، خاصة في ظل التوترات التي سبقت وقف إطلاق النار.

بالتوازي مع ذلك، تتحرك القوى الدولية نحو بناء مظلة أمنية أوسع، حيث أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن أكثر من 12 دولة أبدت استعدادها للمشاركة في مهمة بحرية متعددة الجنسيات، بقيادة بريطانية فرنسية، بهدف تأمين المضيق.

هذه المبادرة تعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن المضيق لم يعد مسألة ثنائية بين إيران والولايات المتحدة، بل قضية دولية ترتبط مباشرة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

المهمة المقترحة، التي توصف بأنها "سلمية ودفاعية"، تهدف إلى طمأنة الملاحة التجارية ودعم عمليات إزالة الألغام، لكنها في الوقت ذاته تحمل بعداً سياسياً، يتمثل في إعادة توزيع أدوار القوى الدولية في الخليج.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتبر أن هذه القوة تمنح المجتمع الدولي قدرة على الاستمرار في تأمين المضيق على المدى الطويل، في حين ربطت إيطاليا وألمانيا مشاركتهما بشروط تتعلق بوقف الأعمال العدائية ووجود أساس قانوني واضح، مثل قرار من مجلس الأمن.

هذا التوجه يكشف عن حذر أوروبي في الانخراط العسكري، حتى وإن كان تحت عنوان "الدفاع"، وهو ما يعكس تعقيدات التوازن بين حماية المصالح وتجنب التصعيد.

في العمق، لا يتعلق ما يجري فقط بإزالة ألغام أو تأمين ممر، بل بإعادة تعريف قواعد الاشتباك في واحدة من أكثر النقاط حساسية في العالم. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر جغرافي، بل ورقة ضغط استراتيجية.

ومن هنا، يمكن فهم تأكيد ترامب على أن إيران لن تستخدم المضيق مجدداً "كسلاح"، وهو تصريح يحمل دلالة تتجاوز الواقع الحالي، ليعكس محاولة لضبط سلوك طويل الأمد.