الخليج يدخل دائرة النار
استهداف القواعد الأميركية يوسّع الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران
انتقال الصواريخ إلى القواعد الأميركية في الخليج يعني أن المواجهة خرجت من إطار الضربات داخل إيران إلى حرب إقليمية متعددة الساحات، حيث تختلط حسابات الردع العسكري بأمن الطاقة والملاحة الدولية في لحظة شديدة الحساسية.
جانب من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران - منصة إكس
دخلت المواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران مرحلة تصعيد غير مسبوقة بعد إعلان التلفزيون الإيراني أن القوات المسلحة تستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، وتأكيد البحرين تعرض مركز خدمات تابع للأسطول الأميركي الخامس لهجوم صاروخي. هذا التطور يضع الخليج في قلب الاشتباك، بعدما كان حتى ساعات قليلة جزءًا من الخلفية اللوجستية للعمليات.
إعلان البحرين عن استهداف قاعدة أميركية على أراضيها، بالتوازي مع تنبيهات عاجلة أرسلتها الحكومة القطرية إلى المواطنين تحذر من الاقتراب من المنشآت العسكرية، وإيقاف مؤقت لحركة الملاحة الجوية في قطر، وإغلاق جزئي للأجواء السورية، يشير إلى انتقال الصراع من “ضربات مركزة” إلى مشهد إقليمي مفتوح تتداخل فيه الجبهات.
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع القطرية إسقاط جميع الصواريخ التي استهدفت أراضيها، بينما أكدت وزارة الداخلية الإماراتية أنها تتابع التطورات بأعلى درجات الجاهزية، مع أولوية مطلقة لحماية المواطنين والمقيمين. هذه الرسائل تعكس إدراكًا خليجيًا بأن المرحلة الحالية لم تعد سياسية أو إعلامية، بل أمنية بامتياز.
على الجبهة الإيرانية، رفع قائد مقر “خاتم الأنبياء” سقف الخطاب بإعلانه أن “المعتدين ينتظرهم رد شديد جدًا وساحق”، فيما نقلت رويترز عن مسؤول إيراني أن جميع القواعد والمصالح الأميركية تقع ضمن مدى إيران. هذا التصريح يرسخ فكرة أن بنك الأهداف لم يعد محدودًا بإسرائيل، بل يشمل كل الحضور العسكري الأميركي في الإقليم.
في الوقت ذاته، أعلن الجيش الإسرائيلي شن هجمات واسعة النطاق على أهداف عسكرية في غرب إيران، ما يعني أن العمليات لم تتوقف عند الموجة الأولى، بل تتحول إلى حملة مستمرة. كما أفادت تقارير بدوي انفجارات في القدس مجددًا، في إشارة إلى استمرار الرد الإيراني على إسرائيل، ما يفتح جبهتين متوازيتين: إسرائيل في مرمى الصواريخ، والقواعد الأميركية في الخليج تحت التهديد.
التطور الأخطر يتمثل في امتداد الضربات إلى العراق، حيث أُفيد بمقتل شخص وإصابة آخرين جراء غارات استهدفت مقرًا للحشد الشعبي جنوب بغداد. هذا البعد العراقي يضيف طبقة جديدة للصراع، إذ يربط بين الساحة الإيرانية وشبكة الحلفاء الإقليميين، ويزيد من احتمالات توسع الاشتباك عبر “محور الرد غير المباشر”.
بيان الخارجية الإيرانية بأن الهجوم استهدف “أهدافًا دفاعية وبنية تحتية ومناطق مدنية” وجاء رغم استمرار المسار الدبلوماسي مع واشنطن، يكشف أن طهران تحاول تثبيت رواية مفادها أن ما يجري عدوان شامل لا مجرد ضربة وقائية، ما يمنحها غطاءً سياسيًا لتوسيع الرد.
دوي انفجارات في الكويت، وإطلاق صافرات الإنذار في أكثر من عاصمة، يعكس أن خطوط التماس لم تعد محصورة بين طهران وتل أبيب، بل تمتد على قوس جغرافي يبدأ من غرب إيران ويمر بالعراق والخليج وصولًا إلى شرق المتوسط. هذه ليست جولة عسكرية تقليدية، بل إعادة اختبار لمنظومة الردع الأميركية في المنطقة.
المعادلة الآن معقدة للغاية. إذا استمرت إيران في استهداف القواعد الأميركية، فإن واشنطن ستكون مضطرة للرد المباشر دفاعًا عن قواتها، ما يعني انتقال الحرب من صيغة “شراكة دعم” لإسرائيل إلى مواجهة أميركية–إيرانية مباشرة. وفي حال اتسعت الضربات لتشمل منشآت نفطية أو ممرات بحرية، فإن الاقتصاد العالمي سيدخل على خط الأزمة فورًا.
الخليج يقف في لحظة توازن دقيق. فهو من جهة حليف استراتيجي للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى الجغرافيا الأكثر عرضة لأي ارتداد صاروخي أو اضطراب في الملاحة. الرهان الإقليمي اليوم ليس على من يحقق الضربة الأقوى، بل على من ينجح في منع الانزلاق إلى حرب شاملة قد تعيد رسم خرائط الأمن والطاقة في الشرق الأوسط بأكمله.
ما بدأ كعملية مركزة ضد إيران تحوّل خلال ساعات إلى اختبار إقليمي واسع. السؤال لم يعد عن حجم الضربة الأولى، بل عن قدرة الأطراف على احتواء الضربة الثانية والثالثة. وفي منطقة مشبعة بالتاريخ والصواريخ معًا، قد يكون الخطأ في الحساب أخطر من أي قذيفة.


