د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
هندسة الغضب الصامت: كيف حولت وحدات المقاومة العام الدراسي في إيران إلى ساحة مواجهة كبرى
تشهد المنظومة السياسية والأمنية في إيران أزمات هيكلية متصاعدة مع مطلع العام الدراسي الجديد، حيث تتكشف بوضوح محدودية القبضة الأمنية لنظام الولي الفقيه في السيطرة على الفضاء العام. وفي استعراض ميداني منسق وجّه صفعة مباشرة لمحاولات عسكرة المؤسسات التعليمية، نفّذ أعضاء وحدات المقاومة والشبان الثوار 50 ممارسة ونشاطاً ثورياً مكثفاً في شوارع وساحات 10 مدن إيرانية في 21 سبتمبر 2026. وتجاوز هذا الحراك حدود التعبير الرمزي ليعكس تفككاً تدريجياً في الردع الأمني الذي تحاول أجهزة القمع فرضه عبر مفارز البسيج التعبوي. إن هذا التصعيد الميداني يعبر عن دخول الصراع بين الجيل الصاعد وسلطة الاستبداد مرحلة جديدة عنوانها كسر حاجز الخوف وتحويل المؤسسات التعليمية إلى معاقل للتغيير الجذري.
اختراق الحصون الأمنية: من عاصفة طهران إلى حواضر الأقاليم
اتسمت العمليات الميدانية بجرأة تنظيمية عالية تمثلت في اختراق شبكات المراقبة ودوريات الحرس وقوى الأمن الداخلي في عصب الدولة الإيرانية ومراكزها الحيوية. ففي العاصمة طهران وكرج، نفذ الشبان الثوار عروضاً مصورة وزعوا خلالها منشورات جدارية وبوسترات في الأحياء والشوارع الرئيسية، بل وتثبيت ملصقات المقاومة على زجاج وهياكل المركبات العامة والخاصة لنقل رسائل الانتفاضة إلى كافة الشرايين المرورية للمدينة. وفي الحواضر الكبرى مثل أصفهان، وشيراز، وقزوين، وكرمان، تداخلت العروض المصورة الثنائية مع حملات كتابة الشعارات برذاذ الطلاء على جدران المراكز الحكومية لترفض الركوع لأجهزة القمع وتؤكد على أهداف منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وفي الشمال والجنوب، تكاملت فعاليات مشهد، وجرجان، ولاهيجان، وآبادان لتؤكد وحدة الهدف والإرادة، حيث صدحت الوقفات الحركية والشعارات الجدارية برفض سياسات التخويف وتأكيد حتمية استمرار جذوة الانتفاضة.
سقوط هندسة التدجين التعليمي واستراتيجية الوعي الثوري
حملت الممارسات الثورية الخمسون أبعاداً استراتيجية بالغة الدلالة تتمثل في سقوط رهان النظام على تدجين الأجيال الجديدة عبر فرض المناهج المؤدلجة وعسكرة المدارس والجامعات. وتستند هذه التحركات إلى خارطة الطريق التي طرحتها السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، والتي دعت إلى تحويل الفصول الدراسية والمؤسسات التعليمية إلى قلاع للثورة والوعي المقاوم. إن الربط الواعي بين العلم والحرية يكرس قناعة راسخة لدى الشباب بأن استعادة كرامة المعلمين والطلاب مرتبطة حصرياً بسقوط منظومة الاستبداد برمتها، مما جعل الانخراط في صفوف وحدات المقاومة واجباً وطنياً للدفاع عن مستقبل البلاد وهويتها.
انسداد أفق الاسترضاء وحتمية التغيير الجذري بأيدي الجماهير
يبرهن هذا الحراك الواسع على أن شعلة الثورة تسري بعمق في شرايين الجيل الصاعد الذي يرفض الاستسلام لمشاريع القمع والإرهاب. وتقدم هذه المعطيات قراءة موضوعية تؤكد أن تحرير المؤسسات التعليمية وإسقاط طغمة النهب والقتل لن يتحققا عبر التعويل على الحروب والضربات الخارجية، أو التدخلات الدولية، أو سياسات الاسترضاء والمساومة، بل يُنتزعان حصرياً في شوارع المدن الإيرانية بقوة الجماهير والطلاب وإقدام وحدات المقاومة. وبتمسكها التاريخي الراسخ بشعار "لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي"، تواصل المقاومة الإيرانية خوض معركتها الشاملة لدفن الاستبداد الحاكم وسد الأبواب أمام استنساخ دكتاتورية الشاه البائدة، ماضية بثبات نحو إقامة جمهورية ديمقراطية حرة تضمن العدالة والمساواة والكرامة لكافة أبناء الشعب الإيراني.
د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي


