محمد ماموني العلوي يكتب:

الأجندة غير المعلنة لموسكو في دول شمال أفريقيا

موسكو

ليست هذه الزيارة الأولى لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى منطقة شمال أفريقيا، فقد قام بزيارة إلى الجزائر في مايو الماضي، والتي استثناها في جولته الحالية والتي شملت مالي وموريتانيا والمغرب، استكمالا لأجندته الأفريقية التي دشنها في بوتسوانا وأنغولا وجنوب أفريقيا، قبل ثمانية أشهر، فمن المهم لموسكو في هذه الظرفية الجيوسياسية أن تحافظ على علاقات تقليدية عمرها عدة سنوات مع شركائها في هاتين المنطقتين حماية لمصالحها وتعزيزا لنفوذها.

إعلان الشراكة الإستراتيجية مع الجزائر الموقع في 4 أبريل 2001 كان بهدف تطوير الحوار السياسي وتكثيف التعاون بين الطرفين، لكن يبدو أن النظام الجزائري يلعب على عدة أوراق يرى أنها تخدم مصالحه، وهو يعلم أن فرنسا هي المنافس الرئيسي لموسكو في شمال أفريقيا وغربها، وموسكو تريد أن تحد من الهيمنة الفرنسية بمحاصرتها سياسيا وأمنيا وعسكريا في المنطقة.

في الواقع، الزيارة الحالية هي محاولة من قبل وزارة الخارجية الروسية لجذب الانتباه من خلال الترويج لنفسها كحليف موثوق به وصديق لدول المنطقة، وتستخدم في ذلك خطاب مناهضة الاستعمار في تعاملها مع أفريقيا، وأنها تحارب الاستعمار الجديد القادم من الغرب، لاسيما في العلاقات مع مستعمراتها السابقة، فهي تعتبر فرنسا تهديدًا لمصالحها في غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية والمغرب العربي والساحل.

المغرب يبحث مع بلدان غرب أفريقيا كل الوسائل لبناء وخلق وضع اقتصادي مدمج، في وقت تحتاج فيه أفريقيا إلى تطوير اقتصادها لتوفير ظروف معيشية أفضل لما يقدر بنحو 1.3 مليار نسمة

وتروّج روسيا لنفسها بأنها القوة المناهضة للإمبريالية الغربية، معتمدة على سجلها في المنطقة بأنها لم يسبق أن استعمرت أيّ دولة أفريقية. كما تعتبر فرنسا تهديدًا لمصالحها في غرب أفريقيا الناطق بالفرنسية والمغرب العربي والساحل، لهذا لا تريد للجزائر أن تذهب بعيدا في علاقاتها مع الفرنسيين، وبشكل خاص في المجال العسكري والأمني، فهذا يهدد نفوذها في المنطقة المغاربية ودول الساحل والصحراء. ولن تنطلي على موسكو حيل النظام الجزائري بخلق زوبعة من الغبار باستدعاء سفيرها في باريس على خلفية ملف المعارضة أميرة بوراوي وذلك عشية زيارة لافروف إلى المنطقة.

وتريد موسكو أن تظل الجزائر أحد شركائها المفضلين داخل المنطقة المغاربية لاعتبارات جيوسياسية وأمنية واقتصادية، لكن دون أن تخاطر بعلاقاتها مع المملكة المغربية، وقررت الانفتاح على موريتانيا أيضا حيث عقد لافروف الأربعاء الماضي عدة اجتماعات في موريتانيا واجتمع مع الرئيس محمد ولد الغزواني ووزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوق، وتأكدت مشاركة الرئيس الموريتاني في القمة الروسية – الأفريقية المقرر عقدها في يوليو المقبل في سان بطرسبورغ.

موسكو على علم بمخاوف نواكشوط من تمدد الجهاديين عبر الحدود انطلاقا من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، على الرغم من أن موريتانيا لم تشهد هجومًا منذ عام 2011، لهذا غازل لافروف موريتانيا أمنيا من زاوية التهديد الإرهابي في منطقة الساحل والصحراء، عارضا تقديم الدعم في حربها ضد الجهاديين في منطقة الساحل، لكنه كان في غاية الحذر عندما أكد احترامه لموقف نواكشوط في موضوع حرب أوكرانيا. في المقابل ردد المسؤولون الموريتانيون أنهم يتفهمون المخاوف الأمنية لموسكو.

في أول زيارة عمل له إلى موريتانيا الدولة الواقعة في شمال أفريقيا، قال لافروف إن قطاع الصيد البحري يعتبر أنجح مجالات التعاون الروسي – الموريتاني، وأكد أن ليس لدى روسيا الكثير للتفاخر به على المستوى التجاري والاقتصادي، لذلك قررت توجيه جهودها الرئيسية لتنويع علاقاتها التجارية والاقتصادية، والبحث عن أشكال جديدة من التعاون. لكن المشكلة التي تواجه روسيا في علاقاتها مع دول شمال أفريقيا وغربها، ومنها المغرب وموريتانيا، أنها لعبت دورًا ضئيلًا جدًا في إعداد البنية التحتية والزراعة والصناعة في أفريقيا، ولم يتم تنفيذ العديد من الاتفاقيات الثنائية على أعلى المستويات السياسية.

غادر لافروف نواكشوط متجها نحو السودان، تحكمه رغبة موسكو في توسيع التعاون متعدد الأوجه للارتقاء بعلاقاتها مع دول المنطقة في ظل تنافس دولي لإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد الناشئ، وقبل هذين البلدين كان لافروف قد وعد بالتزام موسكو بمواصلة تقديم الدعم في الأمور الأمنية والعسكرية لحكومة مالي تحت غطاء مكافحة الإرهاب. وتعهد كبير الدبلوماسيين الروس بمساعدة الدول الأفريقية التي تواجه “النهج الاستعماري الجديد” من الغرب، وبشكل خاص فرنسا الدولة الاستعمارية السابقة والتي باتت تفقد نفوذها في هذه البلدان وتعززه بشكل كبير داخل الجزائر كأرضية لاستعادة ذلك النفوذ المفقود.

الوضع على الأرض يتطلب التركيز على الاستثمار في القطاعات الحيوية، وبناء البنى التحتية اللازمة، وتحديث الزراعة، ومرافق الإنتاج للتصنيع

على مستوى العلاقات مع المملكة المغربية وقبل الاجتماع المقرر في وقت لاحق بين المسؤولين المغاربة وسيرجي لافروف بالرباط، شكلت تسوية قضية الصحراء المغربية محور مباحثات جمعت الأربعاء في موسكو نائب وزير الشؤون الخارجية الروسي سيرجي فيرشينين وسفير المغرب بروسيا لطفي بوشعرة، مع إيلاء اهتمام خاص لتطور الأوضاع في شمال أفريقيا ومنطقة الصحراء والساحل، بما في ذلك تسوية قضية الصحراء.

موسكو تعرف جيدا موقف المغرب وتعي أن ملف الصحراء هو مفتاح تعميق العلاقات بين البلدين وتطويرها، والعمل على تقريب وجهات النظر حول القضايا الراهنة ذات الاهتمام المشترك، والواردة في جدول أعمال الأمم المتحدة. والنقطة الأخيرة جديرة بالاهتمام وتشير إلى أن الرباط تنظر إلى العلاقات من منظور دبلوماسي تعاوني وليس صداميا، إذ ما فتئت وزارة الخارجية الروسية تؤكد أن تعاونا ثنائيا متعدد الأهداف ومتبادل المنفعة يحرز تقدما كبيرا.

انخرط لافروف في خطابه الجيوسياسي وشعاراته المعادية للغرب، مهاجما بلا هوادة دولا كالولايات المتحدة وفرنسا، بناء على خطة تسعى من خلالها موسكو للحصول على دعم أفريقيا لقيادة عالم جديد متعدد الأقطاب. وتتعامل روسيا حاليا مع المغرب كبلد موثوق به له دوره الدولي والإقليمي، ولا تريد أن تفقده كشريك يملك رؤية متقدمة في تدبير قضايا شمال أفريقيا وغربها، وهو ما يعتبر أولوية في السياسة الخارجية الروسية التي لديها رغبة كبيرة في تعزيز نفوذها الجيوسياسي بالمنطقة. لكن معظم رحلات سيرجي لافروف تميزت بخطاب سياسي مليء بالتعهدات والمبادرات والشعارات التجارية التي لا حصر لها دون تنفيذ العديد من الاتفاقيات الثنائية الموقعة مع عدد من دول أفريقيا.

بدلاً من ذلك، المغرب يبحث مع بلدان غرب أفريقيا كل الوسائل لبناء وخلق وضع اقتصادي مدمج، في وقت تحتاج فيه أفريقيا إلى تطوير اقتصادها لتوفير ظروف معيشية أفضل لما يقدر بنحو 1.3 مليار نسمة.

الوضع على الأرض يتطلب التركيز على الاستثمار في القطاعات الحيوية، وبناء البنى التحتية اللازمة، وتحديث الزراعة، ومرافق الإنتاج للتصنيع. وهو واقع لا يحتاج إلى خطاب سياسي تمليه المصالح الروسية الآنية، بقدر ما يركز على توفير مستلزمات هذا الانتقال ومراعاة الحفاظ على سيادة الدول.