الحرب تضرب رؤية 2030..
الاقتصاد السعودي في مرمى نيران يمنية.. خسائر متصاعدة واستنزاف عسكري
لم تعد الهجمات الحوثية تستهدف الحدود السعودية وحدها، بل انتقلت إلى المطارات ومنشآت النفط وخطوط التصدير والأسواق. وبين إلغاء مئات الرحلات، وتعطل منشآت حيوية، واستنزاف الدفاعات الجوية، تواجه الرياض حرباً تضرب صورتها الاستثمارية وتفرض عليها كلفة اقتصادية يصعب إخفاؤها.
وترفض السعودية الافصاح عن الخسائر التي تكبدتها جراء الهجمات الحوثية - أرشيف
بعد سنوات من إنفاق مئات المليارات على التسلح والدفاعات الجوية، وجدت السعودية نفسها أمام حرب مختلفة عن تلك التي أعلنتها في اليمن عام 2015. لم يعد الخطر محصوراً في الحدود الجنوبية أو المعسكرات البعيدة، بل وصل إلى مطار العاصمة ومنشآت النفط وخطوط التصدير والأسواق المالية، مهدداً ركائز الاقتصاد الذي تحاول المملكة إعادة تقديمه للعالم من خلال «رؤية 2030».
وخلال سبتمبر/أيلول والأيام الأولى من أكتوبر/تشرين الأول، نقل الحوثيون المواجهة إلى البنية الاقتصادية السعودية، عبر حملة استهدفت المطارات ومنشآت «أرامكو» والقواعد العسكرية ومسارات تصدير النفط، بالتزامن مع توسع سيطرتهم قرب باب المندب. وبهذا أصبحت الرياض تواجه ضغطاً متزامناً على صادراتها عبر البحر الأحمر، وعلى منشآتها الحيوية في الداخل، وعلى قدرتها على الحفاظ على حركة طيران مستقرة وآمنة.
وترفض السعودية الافصاح القيمة الإجمالية للخسائر. فقد امتنعت «أرامكو» والجهات الحكومية عن نشر تقييم تفصيلي للأضرار أو حجم الإنتاج والصادرات التي توقفت. غير أن البيانات المتفرقة وتقارير الوكالات وحركة الطيران والأسواق ترسم صورة واضحة: المملكة تدفع كلفة مباشرة من المنشآت والطائرات والرحلات، وكلفة غير مباشرة من التأمين والدفاع والاستثمار والسمعة الاقتصادية.
وكان خط أنابيب الشرق–الغرب أول مؤشرات الخطر. فقد قالت وكالة «أسوشيتد برس» إن السعودية أوقفت تشغيل الخط بعد هجوم بطائرات مسيّرة، في وقت كانت فيه تعتمد عليه لنقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بعيداً عن مخاطر مضيق هرمز.
لكن تقدم الحوثيين إلى المخا وجزيرة ميون والمناطق المطلة على باب المندب أفقد هذا البديل جزءاً كبيراً من قيمته الأمنية. فالنفط الذي تتجنب السعودية تمريره عبر هرمز يصبح معرضاً للخطر عند خروجه من البحر الأحمر، حيث بات الحوثيون أقرب إلى الممر البحري وأكثر قدرة على تهديد السفن المرتبطة بالمملكة.
وهكذا أصبحت السعودية أمام معادلة لم تواجهها بهذا الشكل من قبل: الخطر الإيراني في مضيق هرمز شرقاً، والخطر الحوثي في باب المندب غرباً. وإذا تعرض الممران للاضطراب في وقت واحد، فلن تكون المشكلة مجرد تأخر ناقلة نفط، بل اختباراً لقدرة أكبر دولة مصدرة للنفط على الوصول إلى أسواقها.
وتحدثت صحيفة «الغارديان» عن توقف تحميل النفط من ينبع عقب هجمات حوثية، بالتزامن مع تجاوز سعر خام برنت 108 دولارات للبر. ولا يعني ارتفاع السعر أن السعودية مستفيدة بالضرورة؛ فإذا تعذر تحميل الصادرات أو ارتفعت تكاليف النقل والحماية والتأمين، فقد تتحول الزيادة السعرية إلى عبء تشغيلي وسياسي بدلاً من أن تكون مكسباً مالياً صافياً.
كما أعلن الحوثيون استهداف منشآت تابعة لـ«أرامكو» في الرياض وخريص ورابغ بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وقالت الجماعة إن الهجمات أدت إلى حرائق واسعة، بينما أكدت تقارير مشاهدة دخان ولهب قرب بعض المواقع، من دون صدور بيان سعودي شامل يحدد حجم الأضرار أو فترة التوقف.
ولا يمكن اعتماد رواية الحوثيين وحدها لتقدير الخسائر، لكن غياب الأرقام السعودية لا يعني أن الكلفة غير موجودة. فمجرد رفع درجة الاستعداد في منشأة نفطية، وإيقاف وحدات احترازياً، وتحريك فرق الطوارئ وإعادة جدولة الشحنات، يضيف نفقات تشغيلية كبيرة حتى عندما لا يصاب خط الإنتاج مباشرة.
أما الضربة الاقتصادية الأكثر ظهوراً، فقد وقعت في قطاع الطيران. فخلال أقل من أسبوع تعرض مطار الملك خالد الدولي في الرياض لثلاث موجات من الهجمات، أسفرت عن مقتل 16 شخصاً على الأقل في حصيلة الهجمات المتعاقبة، وإصابة أكثر من 300، وتضرر طائرة تابعة للخطوط السعودية وصالات ومعدات تشغيلية.
وأظهرت تسجيلات تحققت منها وكالة «رويترز» أعمدة من النار والدخان تتصاعد من المطار، فيما قالت مصادر للوكالة إن طائرة سعودية أصيبت بأضرار جسيمة بعد اشتعال حريق مرتبط بشظايا صاروخ جرى اعتراضه. وأدت الهجمات إلى تعليق رحلات «لوفتهانزا» و«إير إنديا» وشركات أخرى، وإرباك حركة الطيران في العاصمة.
وبعد الضربة الأكثر دموية يوم السبت، أعلنت السلطات إغلاق المطار وتمديد تعليق عملياته، بينما ألغت شركات خليجية ودولية رحلاتها إلى الرياض. وأظهرت بيانات تتبع الطيران إلغاء أكثر من 600 رحلة، بينها 313 رحلة وصول و293 رحلة مغادرة.
ولا تنتهي خسارة الرحلة الملغاة عند ثمن التذكرة. فهي تشمل إعادة الحجز، وتعويض المسافرين، وإيواء العالقين، وتغيير أطقم الطائرات، وتحويل الرحلات إلى مطارات أخرى، وزيادة استهلاك الوقود، وخسارة رسوم الهبوط والخدمات الأرضية، واضطراب الشحن الجوي وسلاسل التوريد.
كما أُجبرت شركات الطيران على تعديل جداولها في وقت قصير، وهو ما ينقل جزءاً من الكلفة إلى المطارات وشركات المناولة والفنادق والموردين وشركات السياحة. وإذا استمر اعتبار المجال الجوي السعودي منطقة عمليات عسكرية، فإن الضرر سيتحول من خسارة مؤقتة إلى تغير طويل المدى في مسارات الطيران.
وحذر الحوثيون شركات الطيران والمسافرين والعاملين من استخدام المطارات السعودية، وقالوا إن الأجواء أصبحت جزءاً من ميدان الحرب، مع استثناء مكة والمدينة. ورغم أن هذا الإعلان لا يمنح الجماعة سلطة قانونية على المجال الجوي السعودي، فإنه يرفع درجة المخاطر أمام شركات التأمين والطيران، لأن التهديد بات مصحوباً بضربات فعلية وصلت إلى صالات المسافرين.
وهنا تبدأ الكلفة الأكثر صعوبة في القياس: أقساط التأمين. فشركات التأمين لا تنتظر إعلان الحكومة أن المطار أصبح غير آمن؛ يكفي أن تتكرر الضربات وتتضرر طائرة وتُلغى مئات الرحلات حتى تعيد تسعير المخاطر. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع كلفة تشغيل كل رحلة، حتى بعد إعادة فتح المطار.
ويصيب هذا التطور قلب الاستراتيجية الاقتصادية السعودية. فالرياض أنفقت مبالغ ضخمة لتحويل المملكة إلى وجهة للسياحة والأعمال والمؤتمرات والرياضة والترفيه، وتراهن على شركات طيران جديدة ومطارات موسعة لجذب ملايين الزوار. لكن هذه الاستراتيجية تقوم على شرط واحد لا يمكن استبداله بالدعاية: أن يشعر المستثمر والمسافر بأن الوصول إلى السعودية والمغادرة منها آمنان.
وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن الهجمات الحوثية على المطارات تستهدف قطع الروابط الجوية بين السعودية والعالم، وتهدد حركة الأعمال والسياحة قبيل فعاليات دولية مهمة، بينها مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار». وأشارت إلى أن شركات أجنبية بدأت تعزيز إجراءاتها الأمنية وبحث خيارات لنقل موظفيها أو إجلائهم إذا استمر التصعيد.
ولا تحتاج السعودية إلى خروج جماعي للشركات حتى تتضرر. يكفي أن يؤجل المستثمر قراراً، أو يطلب عائداً أعلى مقابل المخاطر، أو تنقل شركة اجتماعاً إلى مدينة أخرى، حتى تبدأ الكلفة بالتراكم بعيداً عن البيانات الحكومية.
وتكمن المفارقة في أن الهجمات وقعت بينما كانت الرياض تستضيف مؤتمراً دولياً للطاقة وتحاول إظهار قدرتها على مواصلة النشاط الاقتصادي بصورة طبيعية. لكن انعقاد المؤتمر لا يلغي أن عدداً من المشاركين واجه صعوبة في الوصول، وأن المطار بقي مغلقاً، وأن المدارس تحولت إلى التعليم عن بُعد، وأن شركات في المركز المالي طلبت من موظفيها العمل من منازلهم.
تستطيع الدولة إجبار مؤسساتها على مواصلة العمل، لكنها لا تستطيع إجبار المستثمر الأجنبي على تجاهل الخطر. كما تستطيع تنظيم مؤتمر تحت إجراءات أمنية مشددة، لكنها لا تستطيع منع صور الدخان المتصاعد من المطار من الوصول إلى الأسواق العالمية.
وانعكس القلق على السوق المالية السعودية. فقد تراجع المؤشر العام في جلسات أعقبت الهجمات، وانخفض سهم «أرامكو» وأسهم شركات أخرى قبل أن تعوض جزءاً من خسائرها. ولا تمثل حركة السوق اليومية حكماً نهائياً على الاقتصاد، لكنها تعكس ارتفاع حساسية المستثمرين تجاه الحرب واحتمال امتدادها إلى منشآت إضافية.
وبعد الهجمات الأخيرة على مطار الرياض، أغلقت معظم أسواق الخليج على انخفاض، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليل المخاطر. وأشارت «رويترز» إلى أن التحذيرات الحوثية للطيران واستمرار الغارات السعودية أضافا حالة من عدم اليقين إلى السوق، فيما تعذر التحقق بصورة مستقلة من ادعاءات الطرفين بشأن حجم الأهداف التي تعرضت للقصف.
لكن الاستنزاف الأكبر قد لا يظهر في البورصة أو في خزانات النفط، بل في السماء. فقد اضطرت السعودية إلى استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن لاعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة أقل كلفة بكثير.
ولا تعلن الرياض عدد صواريخ الاعتراض التي تطلقها أو قيمتها، لكن الدفاع عن مساحة واسعة تضم مدناً ومطارات ومنشآت نفطية وموانئ وقواعد عسكرية يفرض استهلاكاً يومياً هائلاً. وكل صاروخ باليستي أو مسيّرة يطلقها الحوثيون يجبر السعودية على تشغيل الرادارات والطائرات الاعتراضية ومنظومات الدفاع، وأحياناً إطلاق أكثر من صاروخ لاعتراض هدف واحد.
وقالت «أسوشيتد برس» إن مخزونات السعودية من صواريخ الاعتراض بدأت تتراجع، ما دفع المملكة إلى طلب المساعدة من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر ودول أخرى. ويعني ذلك أن الحرب لا تستنزف الموازنة فقط، بل بدأت تستنزف المخزون نفسه، في وقت تعاني فيه السوق العالمية ضغطاً على إنتاج الصواريخ نتيجة تعدد النزاعات.
ويمثل هذا النوع من الحرب معادلة مالية شديدة الاختلال: يستطيع الحوثيون تصنيع أو تجميع مسيّرة بكلفة محدودة، بينما تحتاج السعودية إلى منظومة رصد واعتراض وتشغيل تساوي أضعاف ثمن الهدف المهاجم. وحتى عندما تنجح عملية الاعتراض، قد تسقط الشظايا على منشأة أو حي أو طريق، كما حدث في عدد من الهجمات الأخيرة.
كما تنفق الرياض على الحملة الجوية داخل اليمن. وتحدثت تقارير عن مشاركة نحو مئة مقاتلة وتنفيذ مئات الغارات خلال أيام. وتشمل كلفة الطلعة الواحدة الوقود والصيانة والذخائر وساعات تشغيل الطائرة والدعم الاستخباراتي والطواقم، من دون ضمان أن يؤدي القصف إلى تدمير المنصة المستهدفة.
والنتيجة أن السعودية تدفع مرتين: مرة لشن الغارات في اليمن، ومرة لاعتراض الردود داخل أراضيها. وإذا أخفقت الدفاعات، تضاف كلفة ثالثة تتمثل في إصلاح المنشآت وتعويض الخسائر وتعطيل النشاط الاقتصادي.
وقد تدخل كلفة الحرب من باب الموازنة العامة في توقيت حساس. فالتحول الاقتصادي السعودي يعتمد على إنفاق حكومي ضخم ومشروعات كبرى وتمويل بالعجز وجذب استثمارات أجنبية. وكل زيادة في الإنفاق الدفاعي تعني تقليص المساحة المالية المتاحة للمشروعات، أو زيادة الاقتراض، أو تأجيل بعض الخطط.
وأشارت «رويترز» إلى تعليق مشروع ملعب كأس العالم في مدينة «نيوم»، وإلغاء فعاليات ترفيهية، في سياق الضغوط الاقتصادية والأمنية التي تواجهها المملكة. ولا يمكن تحميل الهجمات الحوثية وحدها مسؤولية جميع هذه القرارات، لكنها تضيف عبئاً جديداً إلى مشروعات تعاني أصلاً ارتفاع التكاليف وتأخر التنفيذ.
وتضع الهجمات السعودية أمام تناقض يصعب حله بالقوة الجوية. فالمملكة تريد حماية صورتها الاقتصادية من خلال إظهار الحزم، لكن توسيع الحرب يمنح الحوثيين مبرراً لتكثيف ضرباتهم. وكلما ازدادت الغارات على صنعاء وصعدة والحديدة، ارتفع احتمال استهداف مطار أو مصفاة أو ميناء سعودي جديد.
وفي المقابل، فإن العودة إلى التفاوض بعد سقوط قتلى داخل مطار الرياض قد تظهر كأنها خضوع لضغط عسكري. ولهذا تبدو القيادة السعودية عالقة بين رد واسع يفتح أبواب الاستنزاف، وتهدئة تفرض عليها تنفيذ التزامات سياسية واقتصادية حاولت تأجيلها.
ولا يمكن إنكار أن الاقتصاد السعودي يمتلك احتياطيات وأصولاً وقدرة على امتصاص ضربات كبيرة. كما أن هجوماً أو سلسلة هجمات لن تؤدي وحدها إلى انهيار اقتصاد بحجم الاقتصاد السعودي. لكن السؤال ليس عن الانهيار، بل عن تكلفة استمرار الحرب ومدى تعارضها مع النموذج الذي تريد الرياض بناءه.
فـ«رؤية 2030» لا تحتاج فقط إلى المال، بل إلى بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها. والمستثمر لا ينظر إلى حجم صندوق الاستثمارات العامة وحده، بل إلى أمن المطارات، واستقرار سلاسل التوريد، وكلفة التأمين، وقدرة الدولة على حماية المنشآت والوفاء بالتزاماتها.
وقد أثبت الحوثيون أنهم لا يحتاجون إلى تدمير الاقتصاد السعودي حتى يؤثروا فيه. يكفي أن يجعلوا تشغيله أكثر كلفة، وأن يفرضوا على الرياض إنفاق مليارات إضافية على الدفاع، وأن يرفعوا المخاطر المحيطة بكل رحلة وشحنة ومؤتمر ومشروع.
ولهذا لا يمكن اختزال الخسائر في عدد خزانات النفط المحترقة أو الطائرات المتضررة. الخسارة الأوسع تقع في السمعة الاقتصادية، وفي انتقال صورة السعودية من دولة تحاول الانفتاح وجذب العالم إلى دولة تعود إليها صافرات الإنذار وإغلاق المطارات وتحذيرات السفر.
وبينما ترفض الرياض إعلان قيمة الخسائر، تتحدث الوقائع بنفسها: خط نفطي توقف، وتحميل من ينبع تعطل، ومطار دولي أُغلق، ومئات الرحلات أُلغيت، وطائرة مدنية تضررت، وأسواق تراجعت، ودول طلبت من مواطنيها الحذر، ومخزون صواريخ الاعتراض يتناقص.
هذه ليست خسائر عابرة، بل بداية فاتورة مفتوحة. وإذا استمرت الحرب بالشكل الحالي، فقد تكتشف السعودية أن أخطر ما تخسره ليس منشأة يمكن إصلاحها، وإنما الثقة التي أنفقت سنوات ومليارات الدولارات لبنائها.



