حلف الضرورة على ضفاف البحر الأحمر..
تحالف المصلحة فوق العقيدة: كيف يجمع باب المندب بين الحوثيين والقاعدة وحركة الشباب؟
«منح التقدم الحوثي على الساحل اليمني للبحر الأحمر الجماعة نفوذاً واسعاً على باب المندب، لكنه فتح أيضاً مجالاً لنشاط شبكات عابرة بين اليمن والقرن الأفريقي. ويحذر خبراء من استفادة القاعدة وحركة الشباب من الموانئ والطرق الخاضعة للحوثيين، رغم استمرار العداء المذهبي بينها.»
أعاد الهجوم الخاطف الذي نفذته جماعة الحوثي خلال سبتمبر/أيلول رسم خريطة النفوذ على الساحل اليمني للبحر الأحمر، بعدما مكّن الجماعة المتحالفة مع إيران من السيطرة على مواقع تمنحها قدرة أكبر على التأثير في مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية أهمية للتجارة والطاقة في العالم.
وخلال عملية عسكرية استمرت خمسة أيام، استولى الحوثيون على ميناء المخا وبلدة ذباب الساحلية وجزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم جزيرة بريم، قبل أن يحكموا سيطرتهم، بحلول 14 سبتمبر/أيلول، على جزيرتي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى ضمن الأرخبيل الاستراتيجي في البحر الأحمر.
وأدى التقدم السريع إلى انهيار الخطوط الدفاعية للقوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية، وإخراجها من أجزاء واسعة من الساحل الغربي، في تحول أمني لا تقتصر نتائجه على تعزيز القوة البحرية للحوثيين، بل تمتد إلى فتح مساحات أوسع أمام شبكات تهريب السلاح والمقاتلين بين اليمن والقرن الأفريقي.
وأشارت تقارير إلى أن مستشارين إيرانيين شاركوا في توجيه الهجوم، فيما احتفى الحرس الثوري الإيراني بالمكاسب الحوثية ووصفها بأنها «نصر إلهي». وتواصل طهران التأكيد أن الحوثيين حركة مستقلة، رغم الدعم السياسي والعسكري والتقني الذي تقول واشنطن وتقارير دولية إن الجماعة تتلقاه من إيران.
ويحذر خبراء في شؤون الإرهاب من أن سيطرة الحوثيين على الموانئ والجزر والطرق الساحلية قد تمنح تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وحركة الشباب الصومالية فرصاً جديدة للتحرك، والوصول إلى مراكز لوجستية وممرات بحرية تخضع لنفوذ الجماعة.
وقالت سمر أحمد، وهي محللة في شؤون الصراع اليمني مقرها واشنطن، إن التوسع الحوثي يمنح تنظيم القاعدة وحركة الشباب «هامشاً غير مسبوق للتحرك»، فضلاً عن وصول مباشر إلى منشآت ومناطق لوجستية على الساحل الغربي.
وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بسبب الحرب مع إيران، ما رفع القيمة الاستراتيجية لباب المندب والبحر الأحمر باعتبارهما طريقاً بديلاً لصادرات الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.
وتفيد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن نحو 5.6 مليون برميل من النفط عبرت باب المندب يومياً خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 3.9 مليون برميل يومياً خلال الفترة نفسها من العام السابق.
ويمر عبر البحر الأحمر قرابة 14% من التجارة البحرية العالمية ونحو 30% من حركة الحاويات، وفق تقرير للمنتدى الدولي للنقل التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما يجعل السيطرة على سواحل المضيق أداة ضغط تتجاوز حدود الحرب اليمنية.
وتعني سيطرة الحوثيين على الجانب اليمني من باب المندب امتلاكهم قدرة أكبر على مراقبة السفن وتهديدها وإرباك عمليات العبور، إلى جانب التحكم في مواقع يمكن استخدامها لنشر الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة.
لكن الخطر الأوسع يرتبط باحتمال تحوّل الساحل الغربي إلى محور لشبكات تتداخل فيها مصالح الحوثيين وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وحركة الشباب، رغم التناقض المذهبي والأيديولوجي الواضح بينها.
فالقاعدة تنتمي إلى بيئة سنية متطرفة تتبنى عداءً حاداً تجاه الشيعة، بينما نشأ الحوثيون من البيئة الزيدية الشيعية في شمال اليمن. غير أن هذا العداء لم يمنع الطرفين من التوصل إلى تفاهمات ميدانية عندما تلتقي مصالحهما الأمنية والعسكرية.
ومنذ عام 2023، تحدث خبراء تابعون للأمم المتحدة عن تنامي علاقة قائمة على المصالح بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية. وشملت هذه العلاقة، بحسب التقارير، انتقال مدربين حوثيين إلى الصومال، وتوجه مقاتلين من حركة الشباب إلى اليمن لتلقي تدريبات على استخدام الأسلحة والتقنيات الجديدة.
كما استفادت حركة الشباب من الوصول إلى شبكات تهريب وطرق بحرية ومعلومات استخباراتية وأسلحة أكثر تطوراً، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بالمتفجرات والعمليات بعيدة المدى.
وترى سمر أحمد أن العلاقة بين الحوثيين والقاعدة لا تقوم على الاندماج العقائدي، وإنما على تحالف نفعي تحكمه المصالح والاحتياجات التكتيكية. وتقول إن وجود سيف العدل، الزعيم الفعلي لتنظيم القاعدة، داخل إيران منذ أكثر من عقدين، يساعد على تفسير قدرة الأطراف المتناقضة أيديولوجياً على الحفاظ على قنوات اتصال وتعاون.
وقد يؤدي تمركز الحوثيين في المخا وذباب وميون وجزر حنيش إلى تعزيز مسارات التهريب بين السواحل اليمنية والصومالية، وخلق تهديد بحري يمتد على ضفتي باب المندب وخليج عدن.
ويجمع هذا التهديد بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق السطحية غير المأهولة التي يمتلكها الحوثيون، وبين قدرات حركة الشباب وشبكاتها الممتدة في الصومال والقرن الأفريقي.
وتقول أحمد إن الحوثيين ينقلون تقنيات متطورة للطائرات المسيّرة والمتفجرات إلى حركة الشباب، ضمن مسار قد يقود إلى إقامة «كماشة بحرية» تمتد على جانبي باب المندب بتنسيق من الحرس الثوري الإيراني.
ومن شأن هذا النقل التقني أن يرفع قدرات حركة الشباب من المراقبة والاستطلاع إلى تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة مسلحة واستخدام أسلحة بعيدة المدى ضد السفن التجارية والعسكرية القريبة من الساحل الصومالي.
لكن دانييلي غاروفالو، وهو محلل إيطالي متخصص في شؤون الإرهاب، يحذر من اعتبار التقدم الحوثي دليلاً قاطعاً على زيادة مستوى التعاون مع تنظيمي القاعدة وحركة الشباب.
ويرى غاروفالو أن السيطرة على الموانئ والسواحل تخلق فرصاً لوجستية جديدة، لكنها لا تثبت وحدها أن هذه الفرص تحولت بالفعل إلى عمليات مشتركة أو ترتيبات عسكرية دائمة.
ومع ذلك، فإن اتساع مناطق السيطرة الحوثية يمنح الشبكات المسلحة مجالاً أكبر لنقل الأسلحة والأفراد والتكنولوجيا والأموال بين اليمن والصومال، وقد يحول التعاون الظرفي إلى بنية لوجستية أكثر استقراراً تربط شبه الجزيرة العربية بالقرن الأفريقي.
كما أن تراجع حضور القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية على الساحل الغربي وتجدد الصراع يفتحان مساحات إضافية أمام تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، الذي يستفيد عادة من ضعف المؤسسات وتعدد مراكز النفوذ وانشغال القوى المحلية بالحروب المتبادلة.
وكان تقرير صادر في أغسطس/آب عن لجنة مراقبة العقوبات التابعة لمجلس الأمن قد أشار إلى تطور العلاقة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية إلى «شراكة ميدانية أقوى قائمة على تنسيق المعلومات الاستخباراتية».
وبحسب التقرير، أتاحت هذه العلاقة لتنظيم القاعدة الحصول على أسلحة لم تكن متاحة له سابقاً، كما لوحظ وجود عناصر تابعة له في مناطق يسيطر عليها الحوثيون، وهم يقاتلون إلى جانب الجماعة ضد القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية.
وتقدم هذه المعطيات صورة أكثر تعقيداً من التقسيم التقليدي للحرب اليمنية بين جماعة شيعية متحالفة مع إيران وتنظيمات سنية متطرفة. فالتناقض العقائدي يستمر، لكنه يتراجع مؤقتاً عندما تظهر مصالح مشتركة مرتبطة بالسلاح والتهريب ومواجهة الخصوم المحليين والإقليميين.
وترى فاطمة أبو الأسرار، مؤسسة مطبوعة «The Ideology Machine» المتخصصة في الحرب الأيديولوجية في الشرق الأوسط، أن الحوثيين أظهروا قدرة متكررة على تجاوز القيود العقائدية عندما يتعلق الأمر بتوسيع نفوذهم وترسيخ وجودهم.
وتقول إن الجماعة اتبعت استراتيجية أكثر تدرجاً من بعض التنظيمات السنية المتطرفة، وتجنبت في مراحل سابقة المواجهة الشاملة مع القوى الإقليمية والدولية، مفضلة فرض تكاليف اقتصادية وأمنية عبر الحرب غير المتماثلة والتصعيد المحسوب ضد شركاء الولايات المتحدة.
ويجمع الحوثيين وتنظيم القاعدة وحركة الشباب أيضاً عداء متفاوتاً للسعودية. فمنذ نشأته، وضع تنظيم القاعدة إسقاط النظام الملكي السعودي ضمن أهدافه، بينما كثف الحوثيون أخيراً هجماتهم على المملكة ومنشآتها النفطية والعسكرية.
ولا يحوّل هذا التقاطع الأطراف الثلاثة إلى تحالف رسمي، لكنه يوفر أرضية لتبادل المنافع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتهريب الأسلحة واستهداف خصوم مشتركين وتقويض القوى المحلية المرتبطة بالرياض.
ويؤكد غاروفالو أن العداء الأيديولوجي بين القاعدة والحوثيين لا يمنع التفاهم التكتيكي عندما تتقاطع المصالح، مشيراً إلى أن القلق الأساسي لدى أجهزة مكافحة الإرهاب لا يتعلق بإعلان تحالف رسمي، بل بنشوء شبكات لوجستية متينة تستطيع جماعات مختلفة استخدامها لتحقيق أهداف متقاربة.
ويظل حجم التنسيق المباشر بين هذه الأطراف موضع نقاش بين الخبراء، لكن انتقال الحوثيين إلى السيطرة على معظم الساحل اليمني للبحر الأحمر غيّر البيئة التي تعمل فيها التنظيمات المسلحة، وخلق فرصاً لم تكن متاحة لها بالقدر نفسه قبل هجوم سبتمبر.
ومن شأن ترسخ الحوثيين في المخا وميون وجزر حنيش أن يمنح إيران وحلفاءها نفوذاً متقدماً على أحد أهم الممرات البحرية، بينما تستفيد القاعدة وحركة الشباب من تراجع القوى المناهضة لهما واتساع المساحات التي يمكن استخدامها للتهريب والتدريب والتحرك.
وبذلك يتحول باب المندب من ساحة تنافس بين القوى المحلية والإقليمية إلى عقدة تربط حرب اليمن بأمن البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، حيث يمكن لتفاهمات محدودة بين جماعات متعارضة عقائدياً أن تنتج تهديداً يتجاوز بكثير الحدود اليمنية.
الهوامش:
1- الحرس الثوري الإيراني، تعليق على تقدم الحوثيين في الساحل اليمني:
https://x.com/Irgcspeaker/status/2098638377067086069?s=20
2- إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أمن الطاقة وحركة النفط عبر الممرات البحرية، 2026:
https://www.eia.gov/outlooks/steo/report/energysecurity/article.php
3- المنتدى الدولي للنقل التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تداعيات أزمة البحر الأحمر على الشحن العالمي، 2024:
https://www.itf-oecd.org/sites/default/files/repositories/red-sea-crisis-impacts-global-shipping.pdf
4- تقرير بشأن تطور العلاقات بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية:
https://alhurra.com/en/20441
5- مجلس الأمن الدولي، تقرير لجنة مراقبة العقوبات بشأن اليمن، أغسطس/آب 2026:
https://docs.un.org/en/S/2026/651



