سقوط المخا وميون يضع استراتيجية ولي العهد السعودي على المحك..
استرضاء محمد بن سلمان لجماعة الإخوان يهدد أمن السعودية ويضعها في خانة الدول الراعية للإرهاب
يرى الباحث الأمريكي مايكل روبن أن استيلاء الحوثيين على المخا وجزيرة ميون كشف خللاً عميقاً في الاستراتيجية السعودية، داعياً ولي العهد محمد بن سلمان إلى إنهاء خلافه مع الإمارات، ومراجعة تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين، وتصحيح سياسته تجاه جنوب اليمن وأرض الصومال.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتوسط الرئيسان الباكستاني والتركي في الرياض - واس
هدأت المعارك الأولية في اليمن بعد الهجوم الخاطف الذي شنّه الحوثيون للسيطرة على المخا وجزيرة ميون القريبة منها، لكن الوقائع التي فرضها الهجوم بقيت قائمة؛ فالحوثيون ما زالوا في مواقعهم، فيما لم يحقق القصف السعودي اللاحق لمطار المخا أثراً عسكرياً دائماً.
وقد يوحي اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بيع السعودية مقاتلات «إف-35» بوجود تضامن سياسي وأمني مع الرياض، غير أن الوقت اللازم لإتمام الصفقة وتسليم الطائرات وتدريب الطيارين والفرق الفنية يعني أن هذه المقاتلات لن تؤثر في البيئة العملياتية الراهنة، وقد لا تدخل المعادلة العسكرية بصورة فاعلة قبل العقد المقبل.
يتحمل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مسؤولية الخيارات التي أوصلت المملكة إلى هذه المرحلة. فقد أحكم سيطرته على عملية صنع القرار، ولذلك، وكما يُنسب إليه ما تحقق من تغييرات اجتماعية وبرامج اقتصادية ضمن «رؤية السعودية 2030»، فإنه يتحمل أيضاً مسؤولية القرارات الدبلوماسية والعسكرية وخيارات السياسة الخارجية.
وبدأ عاملون في قطاعات المال واستشارات المخاطر، ممن تستند تقديراتهم إلى الوقائع أكثر من المجاملات الدبلوماسية أو الرغبة في التودد إلى صانعي القرار في الرياض، يناقشون احتمال وجود سعودية من دون محمد بن سلمان، بصورة لم تكن مطروحة بالجدية نفسها قبل شهر.
يستطيع الاقتصاد السعودي، على الأرجح، تحمل إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب منفرداً، لكنه قد يجد صعوبة كبيرة في تحمل إغلاق الممرين معاً، ولا سيما أن عملية التحول الاقتصادي التي تقودها المملكة تعتمد بالفعل على الإنفاق بالعجز.
يستطيع الاقتصاد السعودي تحمل إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب، لكنه لا يستطيع تحمل إغلاقهما معاً.
ما الذي يمكن لمحمد بن سلمان فعله بصورة مختلفة لمعالجة تهديد الحوثيين وتأمين نمو السعودية واستقرارها على المدى البعيد؟
أولاً، يتعين عليه إنهاء المنافسة الهدامة مع دولة الإمارات العربية المتحدة. فهناك تنافس صحي يدفع الدول إلى تحسين قدراتها، وهناك تنافس مختل يبدد الموارد ويضعف الحلفاء، والديناميكية الراهنة بين الرياض وأبوظبي تنتمي إلى النوع الثاني.
قد تتحمل أبوظبي جانباً من المسؤولية عن تدهور العلاقة، لكن الإماراتيين محقون في استيائهم من تسامح محمد بن سلمان مع جماعة الإخوان المسلمين خارج السعودية، وفي مقاومتهم تمدد الجماعة وشبكاتها السياسية والأمنية.
لا وجود لطرف بلا أخطاء في الحرب الأهلية السودانية. وحتى حلفاء قوات الدعم السريع يعترفون بأن قائدها محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي»، يمثل مشكلة معقدة. ومع ذلك، فإن تسامح قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان مع جماعة الإخوان المسلمين، وتقاطعات سلطته مع قوى قريبة من الحوثيين، يحمل تداعيات أمنية طويلة الأمد على البحر الأحمر وعلى أمن السعودية نفسها.
وتُعد الحرب السودانية مثالاً آخر على اختلال العلاقة بين الرياض وأبوظبي. فضباط سودانيون قاتلوا قبل عقد إلى جانب وحدات سعودية وإماراتية في اليمن، يواجه بعضهم بعضاً اليوم داخل السودان، مدعومين من أطراف إقليمية متنافسة.
وفي ليبيا والصومال أيضاً، تنطوي سياسة محمد بن سلمان على مخاطر ارتدادية. وقد يرى ولي العهد أن ليبيا بعيدة جغرافياً عن المصالح السعودية المباشرة، لكن دعمه لعبدالحميد الدبيبة يظل خياراً مدمراً.
وإذا قرر محمد بن سلمان اختيار طرف داخل الصراع الليبي، فعليه، في الحد الأدنى، التأكد من كفاءة حليفه وقدرته على ضبط القوى التابعة له. فالدبيبة، إلى جانب الاتهامات الواسعة الموجهة إليه بالفساد، يوفر مظلة لميليشيات إسلامية لا يستطيع السيطرة عليها، وينظر بعض هذه التنظيمات إلى مكة والمدينة باعتبارهما الجائزة السياسية والدينية الكبرى.
وبينما يجد محمد بن سلمان أرضية مشتركة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الاعتراض على السياسات الإسرائيلية والسيطرة على القدس، ينبغي له ألّا يخدع نفسه بشأن طموحات أنقرة. فأردوغان يسعى أيضاً إلى تعزيز نفوذه الديني والسياسي المرتبط بمكة والمدينة.
تستمد القيادة السعودية جانباً أساسياً من شرعيتها من صفة خادم الحرمين الشريفين، لكن بعض القادة الذين تتقارب معهم الرياض يؤيدون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أفكاراً تدعو إلى تدويل إدارة المواقع المقدسة في مكة والمدينة تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي.
وتلعب السعودية أوراقاً ضعيفة في الصومال أيضاً. فهي تقف إلى جانب حكومة مقديشو، في جانب من سياستها، بسبب استيائها من علاقات أرض الصومال بأبوظبي، ومؤخراً بإسرائيل. ويمثل ذلك خطأً مزدوجاً.
فمن ناحية، يدفع الخلاف مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد السعودية إلى الاقتراب من قطر وتركيا، اللتين تتبنيان تصوراً للصومال قد تتعارض بعض ملامحه السياسية وتسامحه مع التشدد الإسلامي مع المصالح الأمنية السعودية.
ومن ناحية أخرى، يكشف العداء السعودي لأرض الصومال عن ضعف في إدارة المنافسة؛ إذ يوحي بأن الرياض لا ترى نفسها قادرة على منافسة أبوظبي هناك عبر الاستثمار والدبلوماسية وبناء العلاقات المحلية.
وإذا كانت تركيا تحتفظ بسفارة في مقديشو وقنصلية منفصلة في هرجيسا، فلا يوجد ما يمنع السعودية من تبني مقاربة مماثلة. ولا يزال كثير من سكان أرض الصومال يشعرون بالإحباط من بعض سياسات أبوظبي، وكان في إمكان قيادة سعودية أكثر استشرافاً للمستقبل أن تستثمر هذا التباين لجذب هرجيسا إلى شراكة أوثق.
قد تتمنى الرياض اختفاء قضية أرض الصومال، لكن إقليماً أدار شؤونه بصورة مستقلة طوال 35 عاماً لن يختفي بسبب غياب الاعتراف الدولي.
غير أن اليمن يظل المصدر الأكبر للفشل السعودي. وبعد صدمة سقوط المخا وميون، يتعين على محمد بن سلمان أن يحرر نفسه من دائرة المطيعين والمتملقين الذين يحجبون عنه حقيقة الأوضاع اليمنية.
وبدلاً من التعامل مع النفوذ الإماراتي السابق في اليمن باعتباره جزءاً من لعبة محصلتها صفر، ينبغي له أن يسأل جنرالاته ومستشاريه عن أسباب نجاح الإماراتيين عسكرياً وسياسياً بصورة تفوقت على الأداء السعودي.
يمكن تفسير ذلك بعاملين رئيسيين. يتعلق الأول بسلبيات سياسة «صفر أخطاء». فإذا كان الضباط السعوديون يخشون الإبلاغ عن الأخطاء والمشكلات خوفاً من العقاب أو تحميلهم المسؤولية، فإن الخلل سيتراكم داخل المؤسسة العسكرية بدلاً من اكتشافه ومعالجته.
ويحتاج محمد بن سلمان إلى تغيير الثقافة السائدة داخل الجيش، بحيث تكافئ الضابط الذي يحدد المشكلة ويقترح حلها، بدلاً من مكافأة من يخفيها أو يقدم تقارير ترضي القيادة.
أما العامل الثاني، فهو قدرة الإمارات على بناء علاقات محلية وقبلية. ففي جنوب اليمن، على الأقل، أساءت الرياض إدارة علاقاتها بالقبائل والقوى الاجتماعية بطريقة تشبه أخطاء واشنطن في تعاملها مع البنية القبلية العراقية. فالقرارات والإملاءات القادمة من الرياض غالباً ما تنتج ردود فعل معاكسة للنتائج التي تريدها.
ومن المفارقات، بالنظر إلى الطبيعة القبلية للمجتمع السعودي نفسه، أن تنسى الرياض أن العلاقات القبلية لا تُبنى بالأوامر أو التحويلات المالية وحدها، بل تحتاج إلى وقت طويل من اللقاءات والمشاورات وتبادل الثقة، وإلى فهم دقيق للتوازنات المحلية.
وكما هي الحال في ليبيا والسودان، يتعين على محمد بن سلمان أن يتبنى موقفاً متسقاً من جماعة الإخوان المسلمين. فإذا كانت الرياض تصنف الجماعة تنظيماً إرهابياً داخل السعودية، فعليها تطبيق الموقف نفسه خارج حدودها.
إن استرضاء الجماعات الإسلامية بصورة انتهازية، ومنحها فرصة لمتابعة أجندتها خارج المملكة، لا يتجاهل تجارب سابقة لقادة مثل الرئيس السوري بشار الأسد والزعيم الليبي معمر القذافي، اللذين عقدا تفاهمات مشابهة مع جماعات متشددة، بل قد يجعل السعودية عرضة لاتهامات برعاية الإرهاب أو توظيفه سياسياً.
ولا يمكن لحزب التجمع اليمني للإصلاح، المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، أن يكون شريكاً موثوقاً للسعودية على المدى البعيد. قد يقبل قادته الدعم والتمويل السعوديين، لكنهم قد لا يترددون في عقد تفاهمات منفصلة مع خصوم المملكة عندما تتغير مصالحهم.
وتمثل قضية القيادي في حزب الإصلاح أمجد خالد مثالاً على هذا النوع من الازدواجية؛ إذ وُجهت إليه اتهامات بمساعدة الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب معاً.
ينبغي لمحمد بن سلمان أيضاً إعادة النظر في معارضته الشاملة لما تصفه الرياض بالنزعات الانفصالية، وخصوصاً في ما يتعلق بأرض الصومال وجنوب اليمن.
قد يكون وصف «الانفصال» غير دقيق في الحالتين، بالنظر إلى أن كلاً من أرض الصومال وجنوب اليمن امتلك تاريخاً طويلاً من الاستقلال والحكم الذاتي قبل الدخول في اتحاد سياسي مع طرف آخر.
وعندما فشل اندماج مصر وسوريا في إطار الجمهورية العربية المتحدة، لم توصف عودة الدولتين إلى وضعهما السابق بأنها انفصال. كما لا تتعامل السعودية مع استقلال قطر عن البحرين باعتباره انفصالاً، رغم أنه قد يمثل، بالمقارنة مع أرض الصومال وجنوب اليمن، مثالاً أكثر وضوحاً على تفكك كيان سياسي سابق.
وكما هي الحال مع أرض الصومال، ليس من الضروري أن يكون جنوب اليمن المستقل أو المتمتع بحكم ذاتي معادياً للسعودية. وقد يكون الميل الجنوبي ضد الرياض نتيجة لسياساتها ومواقفها، أي نبوءة تحقق نفسها كلما واصلت المملكة رفض تطلعات الجنوبيين والتعامل معهم بوصفهم أدوات عسكرية داخل مشروع لا يعبر عنهم.
يقف الخيار السعودي اليوم بين احتمالين: إمارة حوثية توسعية تواصل الضغط على حدود المملكة وممراتها البحرية، أو تحالف مع جنوب اليمن وأرض الصومال يساعد الرياض على احتواء الحوثيين ودحرهم، وربما إنهاء تهديدهم العسكري.
إذا أراد ولي العهد محمد بن سلمان تجاوز الأزمة، فعليه أن يدرك أن استراتيجيته الدبلوماسية في واشنطن تعاني خللاً عميقاً.
وأخيراً، إذا أراد محمد بن سلمان الخروج من الأزمة، فعليه أن يعترف بأن استراتيجيته الدبلوماسية في واشنطن ضعيفة وغير فعالة.
لقد انتهت المرحلة التي كان يستطيع فيها الأمير بندر بن سلطان إدارة العلاقة مع الرؤساء الأمريكيين، من رونالد ريغان إلى جورج دبليو بوش، عبر الاتصال المباشر بالدائرة الضيقة في البيت الأبيض، مع تجاهل بقية مراكز التأثير في العاصمة الأمريكية.
أما السفيرة السعودية الحالية، الأميرة ريما بنت بندر، فعلى الرغم من معرفتها بواشنطن، فإنها لا تمتلك شبكة العلاقات نفسها، ولا تستطيع العمل بالأسلوب الذي اعتمده والدها. وقد تمر سنوات من دون أن تتواصل السفارة والدبلوماسية السعودية بفاعلية مع شخصيات ومؤسسات أمريكية لا تستطيع الرياض استمالتها بالمال أو العقود.
وبدلاً من بناء جسور مع المنتقدين ومحاولة فهم اعتراضاتهم والرد عليها، تعتمد القيادة السعودية استراتيجية قديمة تقوم على دفع الأموال إلى المستشارين، والاستعانة بحسابات إلكترونية لمهاجمة الأصوات الناقدة بدلاً من إقناعها.
تتغير السياسات والتحالفات بمرور الوقت. وقد أصبحت قطر اليوم شريكاً للسعودية بعدما كانت خصماً، لكن الجسور التي أُحرقت خلال سنوات الصراع يصعب ترميمها بسرعة.
وعندما تتهم الحسابات السعودية كل منتقد بأنه يتلقى أموالاً من أطراف أجنبية، فإنها تسيء إلى صورة الحكومة السعودية؛ لأن الهجمات الشخصية توحي بالعجز عن الرد على جوهر الانتقادات، كما تكشف اعتماد السياسة السعودية في التواصل على المال والتشهير أكثر من اعتمادها على المبادئ والحجج.
تتحالف السعودية اليوم مع تركيا وباكستان لتعزيز أمنها، كما تحاول موازنة علاقتها بالولايات المتحدة عبر توسيع تعاونها مع الصين. ولا توجد مشكلة في تنويع التحالفات من حيث المبدأ.
لكن على محمد بن سلمان أن يدرك أن المفتاح الحقيقي لأمن السعودية موجود في الرياض نفسها، وفي نوعية الاستراتيجيات والقرارات التي تعتمدها القيادة.
كان استيلاء الحوثيين على المخا وميون كارثة يمكن تجنبها. ويتعين على محمد بن سلمان أن يسأل عن الأخطاء التي ارتكبها وأفضت إلى هذه الأزمة. وإذا رفض إجراء مراجعة حقيقية، فسوف يضاعف الخطأ، وقد تتجاوز المملكة نقطة اللاعودة.
وستكون تلك مأساة لجيل جديد من السعوديين أصبح يعتمد في تطلعاته ومستقبله على إصلاحات محمد بن سلمان، كما ستكون انتكاسة للولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة.
المصدر:النص مترجم ومحرر عن المقال الأصلي المنشور في «مرصد منتدى الشرق الأوسط» بتاريخ 25 سبتمبر/أيلول 2026: The Choices Saudi Arabia Must Now Make



