معركة شروط فوق أمواج الخليج..
عراقجي ينتظر الرد الرسمي لترامب.. وهرمز يتحول إلى رهينة تفاوضية
تنتظر إيران وصول رد أميركي رسمي عبر الوسطاء على خطتها لإعادة فتح مضيق هرمز بعدما رفضها ترامب، فيما أكدت طهران أن شروطها غير قابلة للتراجع وأن مقترحها يحظى بموافقة المرشد الأعلى، وسط اتساع المواجهة إلى اليمن وتصاعد التحركات الدبلوماسية الإقليمية.
طهران تترقب الموقف الأمريكي المكتوب وترامب يرفض "المناورة" الإيرانية
قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إن طهران تنتظر وصول الموقف الأميركي النهائي عبر الوسطاء بشأن خطتها لوقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز، رغم إعلان الرئيس دونالد ترامب رفض المقترح ووصفه بأنه غير مقبول.
وأوضح عراقجي أن إيران اطّلعت على رد الفعل الأولي لترامب، لكنها لم تتلقَّ حتى الآن موقفاً رسمياً عبر الوسطاء، مؤكداً أن بلاده ستتخذ قرارها بعد تسلّم الرد النهائي. وأضاف أن الحل التفاوضي يبقى الطريق الوحيد للخروج من المأزق، وأن إعادة فتح المضيق مرتبطة بتنفيذ الشروط التي وضعتها طهران.
وكان ترامب قد رفض، السبت، المقترح الإيراني الذي ينص على وقف الأعمال العسكرية لمدة سبعة أيام، وبدء رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، ومنح إعفاءات لصادرات النفط، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.
وفي المقابل، تفتح إيران مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية خلال أسبوع وتبدأ محادثات مع الولايات المتحدة بشأن اتفاق نهائي قد يشمل برنامجها النووي والقضايا الخلافية الأخرى.
وقال ترامب للصحافيين إنه رفض المقترح، معتبراً أن إيران تسعى إلى الاتفاق بسبب الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها نتيجة اضطراب حركة الملاحة وتوقف جزء كبير من صادراتها النفطية.
وترى واشنطن أن الخطة تعيد تقديم التزامات مذكرة إسلام آباد التي وُقعت في يونيو/حزيران بشروط أكثر استعجالاً، بينما تشكك الإدارة الأميركية في استعداد المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية للالتزام بأي ترتيبات جديدة داخل المضيق.
أما طهران، فتقول إن المطالب الواردة في الخطة ليست جديدة، وإنما تمثل تنفيذاً مرحلياً لما سبق أن وافق عليه الطرفان. وقال عراقجي إن الخطوات المطلوبة من الولايات المتحدة وردت بالفعل في مذكرة التفاهم، وإن قرار قبول الجدول الجديد أصبح بيد واشنطن.
وتنص مذكرة إسلام آباد، المؤلفة من 14 بنداً، على وقف العمليات العسكرية، والبدء برفع الحصار البحري، وتخفيف العقوبات، ومنح إعفاءات لصادرات النفط الإيرانية، وإتاحة الأموال والأصول المجمدة، وضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز.
كما تضمنت المذكرة تعهد إيران بعدم امتلاك أو تطوير سلاح نووي، والدخول في مفاوضات بشأن مخزون اليورانيوم المخصب وآليات الرقابة، إلى جانب إجراء محادثات مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة المستقبلية في المضيق.
لكن الاتفاق انهار بعد فترة قصيرة نتيجة الخلاف على مسارات السفن وحق إيران في تنظيم المرور داخل المضيق. واتهمت طهران سفناً تجارية بالخروج عن المسارات المحددة من دون تنسيق، فيما رفضت الولايات المتحدة اعتبار ذلك مبرراً لاستهداف السفن أو فرض قيود إيرانية منفردة على الممر الدولي.
وتقول واشنطن وحلفاؤها إن مضيق هرمز لا يخضع لسيطرة إيران وحدها، وإن حركة السفن التجارية يجب ألا تتحول إلى ورقة تفاوضية. أما طهران فتتمسك بحقوقها بوصفها دولة ساحلية، وتطالب بترتيبات أمنية تمنع استخدام الممر لتهديد أراضيها.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن المقترح الجديد وُضع بالتنسيق مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وإن طهران ستنفذه إذا وافقت الولايات المتحدة على الالتزامات المقابلة.
وأوضح بزشكيان أن فريقاً يضم ستة أعضاء يمثلون الجيش والبرلمان والحكومة ومؤسسات أخرى شُكل لمناقشة القضايا المرتبطة بالخطة، ويتمتع بصلاحية اتخاذ القرارات اللازمة لتنفيذ الاتفاق.
وفي مقابلة مع برنامج «فيس ذا نيشن» على شبكة «سي بي إس»، أكد الرئيس الإيراني أن بلاده ستلتزم بما تتعهد به، وقال إن الخطة الحالية توزع بنود مذكرة إسلام آباد على مراحل تبدأ برفع القيود المتبادلة، ثم فتح المضيق والعودة إلى المفاوضات.
لكن الموقف الإيراني من البرنامج النووي يظل إحدى العقبات الرئيسية. فقد قال مسؤول إيراني كبير إن طهران لن تتنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، ولن توافق على نقل مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب إلى خارج البلاد، حتى إذا وافقت واشنطن على خطة وقف القتال.
وفي الوقت نفسه، أبدى بزشكيان استعداد بلاده لإجراء محادثات بشأن الملف النووي وقضايا أخرى، مؤكداً أن إيران لا تسعى إلى الحرب وأنها وافقت على عدم تطوير أسلحة نووية، لكنها لن تقبل الإكراه أو التهديد.
وتكشف هذه المواقف عن خلاف مبكر بشأن مضمون المفاوضات المفترضة. فواشنطن تريد اتفاقاً يفرض قيوداً أوسع على التخصيب والمخزون النووي، بينما تسعى إيران إلى تثبيت حقها في التخصيب مقابل التزامها بعدم تحويل البرنامج إلى مسار عسكري.
وامتدت انعكاسات الأزمة إلى اليمن، حيث قالت وسائل إعلام تابعة للحوثيين إن غارة جوية سعودية استهدفت جسر الدليل في مديرية المخادر بمحافظة إب في 26 سبتمبر/أيلول. ولم تؤكد السعودية تنفيذ الغارة أو تصدر تعليقاً بشأنها.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد المواجهة بين التحالف الذي تقوده السعودية والحوثيين، بعدما أعلن التحالف اعتراض صاروخين باليستيين وطائرات مسيّرة أطلقت باتجاه المملكة.
كما كثف الحوثيون هجماتهم على المنشآت ومسارات تصدير الطاقة السعودية، في وقت تتزايد فيه أهمية البحر الأحمر وباب المندب بعد الاضطراب المستمر في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأدى تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم على مناطق استراتيجية مطلة على باب المندب إلى مضاعفة الضغوط على السعودية، التي تواجه تهديداً متزامناً عند الممرين البحريين الرئيسيين لصادرات الطاقة والتجارة الإقليمية.
وتشير هذه التطورات إلى أن أي تسوية أميركية إيرانية تقتصر على مضيق هرمز ستظل ناقصة ما لم تتناول أذرع طهران الإقليمية، ولا سيما الحوثيين، وقدرتهم على تهديد الملاحة في البحر الأحمر والمنشآت السعودية.
وفي الأمم المتحدة، دعا وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إلى ضبط النفس والحوار، مؤكداً استعداد مسقط لمواصلة الوساطة والعمل على حماية الملاحة في مضيق هرمز. وتكتسب عُمان أهمية خاصة بحكم موقعها على الضفة المقابلة لإيران ومرور بعض السفن بمحاذاة سواحلها لتجنب القيود المفروضة في الجانب الإيراني.
وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف استعداد موسكو للمساهمة في استقرار الوضع، داعياً إلى بناء منظومة إقليمية تعزز الثقة بين إيران ودول الخليج والدول العربية.
بدوره، انتقد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان غياب تحرك دولي فاعل لحماية أمن الخليج، مؤكداً أن ضمان حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن يرتبط مباشرة بأمن الطاقة واستمرارية التجارة العالمية.
وفي مسار متصل بالعقوبات، أعلنت الحكومة العراقية عزمها إجراء محادثات مع واشنطن للحصول على استثناء لبعض المطارات العراقية من قرار منع رحلات شركات الطيران الإيرانية، لأسباب تتعلق بالعلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المدنيين.
ويضع تمسك طهران بشروطها ورفض ترامب الصيغة الحالية المقترح الإيراني في حالة تعليق، لكنه لا يغلق باب التفاوض. فإيران تنتظر رداً مكتوباً عبر الوسطاء، بينما تواصل واشنطن استخدام الحصار والضغط العسكري للحصول على اتفاق بشروط مختلفة.
وتبقى نقطة الخلاف الأساسية متعلقة بترتيب الخطوات: تطالب إيران ببدء تخفيف الحصار والعقوبات قبل فتح المضيق، في حين تريد الولايات المتحدة استعادة الملاحة الطبيعية والتأكد من التزام طهران قبل تقديم تنازلات اقتصادية.
ومع اتساع المواجهة من هرمز إلى باب المندب والمنشآت السعودية، لم تعد الأزمة محصورة بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى صراع على الممرات البحرية ومصادر الطاقة، ما يجعل أي انهيار جديد للمفاوضات مرشحاً لإعادة المنطقة إلى دورة أوسع من الهجمات والردود العسكرية.



