إرث الملوك واختبار القيادة..

السعودية التي نعرفها.. هل تبدد القيادة الجديدة رصيد الملوك السبعة؟

بنى ملوك السعودية المتعاقبون نفوذ المملكة عبر مزيج من الثقل الديني والاقتصادي والدبلوماسية الحذرة، لكن صعود محمد بن سلمان نقل القرار إلى مرحلة أكثر مركزية واندفاعاً. وبين طموحات التحديث وكلفة الصراعات، تواجه الرياض سؤالاً حول قدرتها على حماية الرصيد الذي استغرق بناؤه عقوداً.

ملوك السعودية السبعة - أرشيف

جهاد محسن

لم تعتمد مكانة المملكة العربية السعودية، طوال عقود، على الثروة النفطية أو وجود الحرمين الشريفين وحدهما، بل تشكلت كذلك بفعل سياسة اتسمت بالحذر، وقدرة على التواصل مع أطراف متخاصمة، واستعداد للتوسط في الأزمات من دون التحول دائماً إلى طرف مباشر فيها.

كانت الرياض تعرف وزنها ولا تحتاج إلى استعراضه عند كل خلاف. امتلكت المال والنفط والموقع الديني، لكنها فهمت أن النفوذ السياسي لا يقوم على الموارد وحدها، وأن الدولة التي تريد التأثير في محيطها تحتاج إلى قنوات مفتوحة مع الحلفاء والخصوم معاً.

ومنذ إعلان توحيد المملكة عام 1932، تعاقب على عرشها سبعة ملوك: عبدالعزيز، وسعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله، وسلمان. اختلفت ظروفهم وأساليبهم، ولم تخلُ عهودهم من الأخطاء أو الصراعات، لكنهم أسهموا، بدرجات متفاوتة، في بناء دولة أصبحت مركز ثقل عربياً وإسلامياً ودولياً.

اليوم، تواجه السعودية اختباراً مختلفاً. فالمسألة لم تعد مرتبطة بقدرتها الاقتصادية أو العسكرية، وإنما بقدرتها على المحافظة على الثقة التي راكمتها عبر عقود، وبما إذا كانت مركزية القرار الحالية تمنحها نفوذاً أكبر أم تستنزف المكانة التي ورثتها القيادة الجديدة.

بدأت قصة المملكة الحديثة مع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي قاد عملية توحيد البلاد حتى إعلان قيام الدولة عام 1932. ولم يكن التحدي مقتصراً على فرض سلطة مركزية داخل مساحة واسعة ومجتمع متعدد الولاءات، بل شمل أيضاً حماية الدولة الجديدة في محيط مضطرب، وبناء علاقات مع القوى العربية والدولية.

أدرك عبدالعزيز أن المملكة، بحكم موقعها واحتضانها الحرمين الشريفين، لن تُعامل كدولة معزولة عن محيطها الإسلامي. ولذلك بنى سياسته الخارجية على حماية الدولة الناشئة، وتجنب المغامرات التي يمكن أن تهدد تماسكها، وتطوير علاقات تسمح لها بالبقاء والتحرك وسط تنافس دولي متصاعد.

وعندما تولى الملك سعود الحكم بعد وفاة والده عام 1953، كانت المنطقة العربية تمر بتحولات حادة. صعدت القومية العربية، وانتشرت الانقلابات العسكرية، واشتد التنافس بين المعسكرين الغربي والشرقي. واجهت المملكة آنذاك خلافات داخلية وتحديات مالية وسياسية، لكنها حافظت على موقعها العربي والإسلامي، وواصلت تطوير علاقاتها بالقوى الدولية الكبرى.

أما الملك فيصل، فارتبط عهده بصعود السعودية إلى قلب القرار العربي والإسلامي. فقد امتلك خبرة دبلوماسية طويلة سبقت وصوله إلى العرش، وقاد السياسة الخارجية للمملكة في مراحل مبكرة، وكان يدرك أن النفوذ لا يتحقق بالصوت المرتفع، بل بالقدرة على تحويل الموارد والمكانة إلى أوراق سياسية محسوبة.

ظهرت هذه القدرة خلال أزمة النفط عام 1973، عندما استُخدمت الطاقة أداة للضغط السياسي في سياق الحرب العربية الإسرائيلية. وأكدت تلك اللحظة أن المملكة أصبحت تمتلك وزناً يتجاوز حدودها، وأن قراراتها قادرة على التأثير في حسابات القوى الكبرى.

لم يكن فيصل بعيداً عن الصراعات الإقليمية، ولم تكن سياساته خالية من الحسابات والمواجهات، لكنه أدرك حدود القوة. عرف متى يستخدم أوراق المملكة، ومتى يحافظ عليها، ومتى يرفع سقف موقفه، ومتى يترك للدبلوماسية مساحة للعمل.

وحافظ الملك خالد، بعد اغتيال فيصل عام 1975، على النهج العام للمملكة، مستفيداً من الطفرة النفطية لتوسيع الاقتصاد والبنية التحتية. وظلت السعودية خلال عهده مؤثرة في القضايا العربية والإسلامية، من دون أن ترى في التدخل المباشر الخيار الأول في كل أزمة.

كانت القوة السعودية في تلك المرحلة موزعة بين الاقتصاد والدين والسياسة والعلاقات الدولية. ولم تكن الرياض مضطرة إلى الحضور العسكري في كل ساحة لإثبات مكانتها، لأن تأثيرها المالي والدبلوماسي كان يمنحها قدرة واسعة على الحركة.

دخلت المملكة في عهد الملك فهد مرحلة أكثر تعقيداً. فقد شهدت سنوات حكمه الحرب العراقية الإيرانية، والغزو العراقي للكويت، وحرب الخليج، وتصاعد الصراع العربي الإسرائيلي، ثم نهاية الحرب الباردة وإعادة تشكيل النظام الدولي.

وضعت هذه الأزمات السعودية أمام قرارات صعبة، ولا سيما بعد غزو الكويت ووصول القوات العراقية إلى حدودها. استعانت الرياض بالقوات الأمريكية والدولية، وربطت أمنها بصورة أوضح بتحالفها مع واشنطن، لكنها حافظت في الوقت نفسه على مساحة من الحركة داخل الملفات العربية.

وكان عهد فهد نموذجاً لدبلوماسية إدارة الأزمات. فقد استخدمت المملكة ثقلها الاقتصادي وعلاقاتها الدولية للحد من الخسائر، وحاولت أن تبقى قادرة على التواصل مع الأطراف المختلفة، حتى عندما كانت منحازة إلى أحدها.

لكن هذه المرحلة شهدت أيضاً بداية انجذاب أكبر نحو الصراعات الإقليمية، وترسخ الاعتماد على الحماية الأمريكية، وظهور تناقضات داخلية وخارجية ستترك آثارها في السياسات السعودية خلال العقود اللاحقة.

في عهد الملك عبدالله، استعادت الوساطة حضوراً واضحاً في صورة المملكة. استضافت الرياض قمماً ومصالحات وحوارات، وسعت إلى معالجة خلافات عربية وإسلامية، واحتفظت بعلاقات تسمح لها بالتواصل مع أطراف لا تجمع بينها مواقف مشتركة.

لم تكن سياسة الملك عبدالله بعيدة عن التدخل أو الضغط، لكنها حافظت على فكرة أن السعودية تستطيع جمع الخصوم، وأن مكانتها تكون أكثر فاعلية عندما تبقى أبوابها مفتوحة أمام المختلفين.

هذه القدرة ليست تفصيلاً ثانوياً في السياسة الدولية. فالدولة التي تتحول إلى طرف مباشر في كل خلاف تخسر جزءاً من قدرتها على الوساطة، بينما تستطيع الدولة التي تحتفظ بمسافة محسوبة أن تؤثر في الخصوم والحلفاء معاً.

ومع تولي الملك سلمان الحكم في يناير/كانون الثاني 2015، بدأت المملكة مرحلة مختلفة في بنية السلطة وطريقة صناعة القرار. لم يكن التحول ناتجاً عن وصول ملك جديد فقط، بل عن الصعود السريع للأمير محمد بن سلمان وتركيز صلاحيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة في يده.

أطلقت القيادة الجديدة «رؤية السعودية 2030»، وبدأت تغييرات اجتماعية واقتصادية كبيرة، شملت فتح قطاعات جديدة، وتوسيع مجال الترفيه، وتقليص بعض القيود الاجتماعية، وإطلاق مشروعات ضخمة تستهدف تقليل الاعتماد على النفط.

لا يمكن إنكار حجم التحولات التي شهدها المجتمع السعودي، ولا الطموح الذي تقف عليه مشروعات التحديث. لكن نجاح الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لا يلغي الحاجة إلى فحص السياسة الخارجية والنتائج التي ترتبت على قراراتها.

فمع صعود محمد بن سلمان، أصبحت صناعة القرار أكثر مركزية وسرعة، وانتقلت المملكة من دبلوماسية تعتمد على التروي وتوزيع الأدوار داخل الأسرة الحاكمة ومؤسسات الدولة إلى نهج شديد الارتباط بتقديرات ولي العهد ودائرته المقربة.

ظهر هذا التحول بوضوح في الحرب اليمنية التي بدأت في مارس/آذار 2015. دخلت السعودية الحرب متوقعة عملية قصيرة تعيد ترتيب السلطة في صنعاء، لكنها وجدت نفسها أمام صراع طويل استنزف مواردها وأضر بصورتها وعرّض مدنها ومنشآتها النفطية لهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة.

لم تحقق الحرب أهدافها المعلنة، ولم تعد الحكومة اليمنية إلى صنعاء، ولم يُهزم الحوثيون. بل خرجت الجماعة أكثر تسليحاً وخبرة وقدرة على تهديد السعودية والملاحة الدولية.

وتكشف الحرب اليمنية مشكلة أوسع في النهج الجديد: سرعة اتخاذ القرار لا تعني بالضرورة وضوح الرؤية، وامتلاك القوة الجوية لا يعوض غياب استراتيجية سياسية لما بعد العمليات العسكرية.

دخلت الرياض الحرب بوصفها قائد تحالف إقليمي واسع، ثم تراجعت شبكة حلفائها تباعاً، وتحولت العلاقة بينها وبين بعض القوى اليمنية والإقليمية إلى خصومة أو شك متبادل. وبدلاً من إنهاء التهديد الحوثي، أصبحت المملكة تبحث عن وساطات وضمانات لحماية حدودها ومنشآتها.

ولا تقتصر الانتقادات على اليمن. فقد دخلت السعودية في خلافات إقليمية وإعلامية وسياسية متعددة، وانتقلت أحياناً بسرعة من التصعيد إلى المصالحة، ما أعطى انطباعاً بأن بعض القرارات اتُّخذت تحت ضغط اللحظة قبل أن تتراجع الرياض عنها عندما ظهرت كلفتها.

تكمن المفارقة في أن السعودية لم تفقد عناصر قوتها الأساسية. فما تزال تمتلك واحداً من أكبر الاقتصادات في المنطقة، وتؤثر في سوق الطاقة العالمية، وتحظى بعضوية مجموعة العشرين، وترتبط بتحالفات استراتيجية مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى.

لكن قوة الدولة شيء، والثقة بسياساتها شيء آخر. يمكن شراء السلاح خلال سنوات، ويمكن تشييد المدن والمطارات والمنشآت، لكن الرصيد السياسي لا يُشترى بالطريقة نفسها. فهو يتكون ببطء عبر المصداقية والقدرة على الوفاء بالتفاهمات واحترام مصالح الشركاء وحساب عواقب القرارات.

كانت الرياض تُقدَّم لسنوات باعتبارها إحدى عواصم القرار العربي، لا لأنها كانت الأغنى وحدها، بل لأنها استطاعت التحدث مع واشنطن وموسكو والقاهرة ودمشق وبيروت وعواصم الخليج، والاحتفاظ بموقع يسمح لها بالتدخل عند الحاجة إلى تسوية.

أما اليوم، فيرى منتقدو القيادة الحالية أن المملكة أصبحت طرفاً مباشراً في أزمات كان يمكنها أن تكون وسيطاً فيها، وأن اتساع دائرة خلافاتها جعل قدرتها على جمع الأطراف أقل مما كانت عليه.

لا يعني ذلك أن الماضي كان مثالياً، أو أن الملوك السابقين لم يدخلوا حروباً وصراعات. فقد ارتبطت المملكة خلال عهودهم بأزمات وتحالفات وتدخلات لا تزال موضع نقد. لكن الفارق يتعلق بطريقة إدارة القوة، وحجم المسافة بين القرار ونتائجه، وقدرة المؤسسات على مراجعته قبل أن يتحول إلى التزام طويل ومكلف.

لم يكن الملك فيصل في حاجة إلى فتح جبهة سياسية كلما أراد تأكيد مكانة بلاده. ولم يحوّل الملك فهد كل خلاف إلى معركة مفتوحة. ولم يرَ الملك عبدالله أن التدخل في كل ملف شرط لحماية نفوذ المملكة.

كانت هناك مساحة للصمت، وأخرى للمناورة، وثالثة للتراجع التكتيكي عندما تصبح كلفة المواجهة أكبر من عائدها. أما السياسة الحالية، فتواجه انتقادات بسبب الميل إلى القرارات السريعة، وتركيز السلطة، واستخدام الأدوات الاقتصادية والإعلامية والعسكرية بصورة قد تنتج خصوماً أكثر مما تصنع حلفاء.

ولا تقاس قوة الدول بعدد الطائرات والصواريخ والمشروعات الضخمة فقط. تقاس أيضاً بعدد الأبواب المفتوحة أمام دبلوماسيتها، وبمستوى الثقة التي تحظى بها، وبقدرتها على التأثير من دون اللجوء في كل مرة إلى الضغط المالي أو السياسي أو العسكري.

السعودية اليوم ليست دولة ضعيفة، ولا يمكن تجاوز وزنها النفطي والديني والاقتصادي. لكن السؤال يتعلق بمقدار ما تبقى من رصيدها السياسي القديم، وبما إذا كانت المكاسب الداخلية الجديدة تعوض خسارة أجزاء من قدرتها على الوساطة والتأثير الجامع.

ومن المهم هنا الفصل بين تحديث الدولة وتبرير سياساتها الخارجية. فالإصلاحات الاجتماعية والمشروعات الاقتصادية لا تمنح أي قيادة حصانة من المساءلة عن القرارات العسكرية والسياسية، مثلما لا ينبغي أن تتحول الانتقادات الخارجية إلى إنكار لكل تغيير إيجابي تحقق داخل المملكة.

التحدي الحقيقي أمام القيادة السعودية ليس العودة إلى الماضي، ولا التخلي عن طموحات المستقبل، بل الجمع بين التحديث وحساب العواقب، وبين امتلاك القوة وضبط استخدامها، وبين حماية المصالح واحترام مصالح الجوار.

تحتاج المملكة إلى استعادة الدبلوماسية الهادئة، وتوسيع دائرة صناعة القرار، وترك مساحة للمراجعة قبل الانتقال إلى المواجهة. كما تحتاج إلى التوقف عن التعامل مع كل اختلاف سياسي بوصفه استهدافاً لمكانتها أو تهديداً لقيادتها.

حكم السعودية سبعة ملوك، وترك كل واحد منهم بصمته وأخطاءه ونجاحاته. لكن حصيلة تلك العهود كانت دولة تمتلك مكانة تتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي، وتستفيد من ثقلها الديني والاقتصادي لبناء نفوذ سياسي واسع.

أما مسؤولية القيادة الحالية، فهي ألا تجعل استعراض القوة سبباً لخسارة المحيط، وألا يؤدي تركيز القرار إلى إضعاف الأدوات الدبلوماسية التي صنعت جانباً كبيراً من نفوذ المملكة.

فالسعودية التي عرفها العرب لم تكن مؤثرة لأنها الأكثر إنفاقاً أو تسليحاً فقط، بل لأنها عرفت متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تتدخل، ومتى تترك للدبلوماسية أن تفعل ما لا تستطيع القوة إنجازه.

وهنا يكمن اختبار محمد بن سلمان: هل يستطيع بناء السعودية الجديدة من دون تبديد رصيد السعودية القديمة، أم أن القرارات السريعة والمغامرات العسكرية واتساع الخصومات ستستهلك خلال سنوات ما احتاج الملوك السبعة إلى عقود لبنائه؟