احتجاج بالسلاح والاقتصاد..
«مجاهدو خلق» تحيي ذكرى تأسيسها وإيران تواجه نزيفاً صناعياً متسارعاً
تزامنت الذكرى الحادية والستون لتأسيس منظمة مجاهدي خلق مع إعلان وحداتها تنفيذ عشرات العمليات ضد مؤسسات أمنية وحكومية، بينما كشفت تقارير إيرانية فقدان مئات الآلاف من الوظائف الصناعية، في مشهد يجمع بين تصاعد التحرك المعارض واتساع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.
56 عملية لوحدات المقاومة في طهران و22 مدينة أخرى ضد مراكز الحرس وميليشيا الباسيج وغيرها من مؤسسات القمع
أعلنت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية تنفيذ سلسلة من العمليات ضد مقار أمنية وحكومية في طهران ومدن أخرى، بالتزامن مع الذكرى الحادية والستين لتأسيسها، في وقت تكشف فيه بيانات وتقارير منشورة داخل إيران عن خسارة مئات الآلاف من الوظائف الصناعية واتساع موجات تسريح العمال.
وقالت المنظمة إن وحدات تابعة لها نفذت، السبت 5 سبتمبر/أيلول، 56 عملية في العاصمة طهران و22 مدينة أخرى، استهدفت مراكز لقوات الحرس وميليشيا الباسيج ومؤسسات قضائية وأمنية وحكومية، وسط إجراءات أمنية مشددة وانتشار كاميرات المراقبة.
وشملت العمليات، بحسب بيان المنظمة، مدن مشهد، وجرجان، وكهكيلويه، وتشابهار، وإيرانشهر، وكرمانشاه، وبوشهر، وبم، وفارسان، وزاهدان، وتربت جام، وسرباز، وبيشين، وراسك، وكرج، وشيراز، وقزوين، وبيرجند، وأراك، وكاشان، ومراغة، وبرازجان، إلى جانب طهران.
وذكرت المنظمة أن وحداتها أضرمت النار وفجرت مراكز تابعة للباسيج في مدن كهكيلويه، وتشابهار، وكرمانشاه، وبم، وإيرانشهر، وسرباز، وتربت جام، كما هاجمت مقار تابعة للسلطة القضائية في جرجان وبوشهر.
وأضافت أن العمليات شملت مراكز دينية مرتبطة بالنظام في مدينتي مشهد وبم، ومقار ولوحات إرشادية تابعة لقوات الحرس في تشابهار وراسك، فضلاً عن استهداف دائرة الثقافة والإرشاد في إيرانشهر ومرفق تابع لبلدية رباط كريم في محافظة طهران.
وقالت المنظمة إن وحداتها أحرقت رموزاً ولافتات مرتبطة بمقار وزارة الاستخبارات في طهران، واستهدفت مبنى نقطة تفتيش في فارسان ولافتات تابعة لقوى الأمن الداخلي في بيشين.
وتضمنت الحملة، وفقاً للبيان، إحراق صور ولافتات لمؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، والمرشد علي خامنئي، والقائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني، ومجتبى خامنئي، في تحرك يحمل طابعاً سياسياً ورمزياً إلى جانب استهداف المؤسسات والمقار.
وقدمت منظمة مجاهدي خلق العمليات باعتبارها امتداداً لمسيرتها المستمرة منذ 61 عاماً ضد نظامي الشاه والجمهورية الإسلامية، وربطتها بمشروعها الرامي إلى إسقاط نظام ولاية الفقيه وإقامة جمهورية ديمقراطية.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من تنفيذ جميع العمليات المعلنة أو حجم الأضرار الناتجة عنها، كما لم تصدر السلطات الإيرانية تعليقاً فورياً على ما أعلنته المنظمة. وعادةً ما تفرض طهران قيوداً مشددة على نشر المعلومات المتعلقة بالتحركات المعارضة أو استهداف المقار الأمنية.
ويأتي تحرك الوحدات التابعة للمنظمة في وقت تواجه فيه الحكومة الإيرانية ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة، تتجاوز آثار العقوبات الخارجية إلى مشكلات بنيوية تتصل بإدارة الاقتصاد، وسيطرة المؤسسات العسكرية وشبه الحكومية على قطاعات واسعة من النشاط التجاري والصناعي.
وكشفت بيانات منسوبة إلى مركز الإحصاء الإيراني أن البلاد فقدت نحو 630 ألف وظيفة صناعية خلال ربيع عام 2026 وحده، في مؤشر على انكماش قدرة القطاع الصناعي على الاحتفاظ بالعمال واستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
ونقلت وكالة أنباء العمال الإيرانية «إيلنا»، في الثاني من أغسطس/آب، هذه الأرقام، مشيرةً إلى انخفاض حصة القطاع الصناعي من إجمالي العمالة بصورة حادة. وفي التاسع من الشهر نفسه، قالت الوكالة إن قرابة مليون شخص خرجوا من سوق العمل الرسمي.
وتعني هذه الأرقام أن الانخفاض الظاهري في معدلات البطالة لا يعكس بالضرورة تحسناً في فرص التوظيف. فعندما يتوقف العاطلون عن البحث عن عمل بسبب اليأس من العثور على وظيفة، يخرجون من قوة العمل التي تُحتسب على أساسها معدلات البطالة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض إحصائي لا يوازيه تحسن فعلي في الاقتصاد.
ويشير خروج هذا العدد من سوق العمل إلى أزمة أعمق من مجرد فقدان وظائف مؤقتة. فهو يعكس تراجع الثقة بقدرة الاقتصاد على توفير فرص مستقرة، ويدفع شرائح من العمال إلى الأنشطة غير المنظمة أو الهجرة أو الاعتماد على شبكات الدعم العائلية والمساعدات المحدودة.
وامتدت موجة تسريح العمال إلى عدد من المحافظات والمدن الصناعية. ونقلت «إيلنا»، في 28 أغسطس/آب، عن الأمين التنفيذي لـ«دار العمال» في محافظة هرمزكان قوله إن نحو 20 ألف عامل فقدوا وظائفهم في المحافظة.
وتكتسب هرمزكان أهمية اقتصادية كبيرة بسبب موقعها على مضيق هرمز واحتضانها منشآت صناعية وموانئ ومرافق مرتبطة بقطاعات النفط والغاز والتجارة البحرية. ولذلك فإن فقدان آلاف الوظائف فيها لا يعكس أزمةً محليةً معزولةً، بل يشير إلى انتقال الضغوط إلى محافظات يفترض أنها تستفيد من وجود المنشآت الاستراتيجية.
وفي مدينة بروجرد، يعاني نحو 205 عمال في مصانع النسيج البطالة منذ قرابة خمسة أشهر، وسط شكاوى من عدم حصولهم على مستحقات التأمين ضد البطالة، وفق تقرير نشرته الوكالة في 25 أغسطس/آب.
أما في مدينة ماهشهر، فقد فصلت شركة «بتروناد» للبتروكيماويات مجموعة من العمال المحليين عقب انتهاء مشاريع مؤقتة نفذها مقاولون، بينما لا يزال نحو 100 عامل يعيشون حالةً من عدم الاستقرار ويطالبون بتسوية أوضاعهم وإعادتهم إلى العمل.
وتكشف الحالات المسجلة في هرمزكان وبروجرد وماهشهر جانباً من أزمة سوق العمل التي تطال قطاعات مختلفة، من النسيج إلى البتروكيماويات والمشاريع المرتبطة بالموانئ والصناعة الثقيلة. كما تظهر أن العمال المؤقتين وموظفي الشركات المتعاقدة هم الفئة الأكثر عرضةً للفصل وحرمان الحقوق والتأمينات.
وتواجه المنشآت الإنتاجية الإيرانية ضغوطاً متراكمة، تشمل ارتفاع تكاليف المواد الأولية، وتقلب سعر العملة، وصعوبة التمويل، والعقوبات، ونقص الكهرباء والغاز، وضعف الطلب المحلي، فضلاً عن الاستيراد الذي ينافس المنتجات الوطنية في بعض القطاعات.
غير أن المعارضة الإيرانية ترى أن الأزمة لا يمكن تفسيرها بالعقوبات وحدها. وتتهم منظمة مجاهدي خلق المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بقوات الحرس وبيت المرشد بالهيمنة على قطاعات واسعة من الاقتصاد والاستفادة من الامتيازات والعقود الحكومية والاستيراد، في مقابل تراجع قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على المنافسة والاستمرار.
وتقول المنظمة إن توجيه الموارد إلى الأجهزة الأمنية والمشروع النووي والأنشطة العسكرية خارج الحدود أدى إلى إضعاف الاستثمار المنتج وزيادة الأعباء على العمال والطبقات الفقيرة. وترى أن البطالة وإغلاق المصانع نتيجة مباشرة لطبيعة النظام الاقتصادي والسياسي، وليستا أزمةً فنيةً يمكن علاجها بإجراءات حكومية محدودة.
ويمنح التدهور الاقتصادي خطاب المعارضة مساحةً أوسع، إذ لم تعد المواجهة مع النظام تقتصر على قضايا الحريات السياسية والقمع، بل أصبحت مرتبطةً بصورة مباشرة بالوظائف والأجور والتأمينات والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة.
وفي المقابل، تعتمد السلطات الإيرانية على الفصل بين الاحتجاجات المطلبية والنشاط السياسي المنظم، وتتعامل مع التنظيمات المعارضة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق، باعتبارها تهديداً أمنياً. غير أن استمرار تراجع الأوضاع الاقتصادية يجعل هذا الفصل أكثر صعوبةً، خصوصاً عندما تتقاطع مطالب العمال مع خطاب ينتقد أولويات الإنفاق الحكومي وهيمنة المؤسسات العسكرية.
وتسعى منظمة مجاهدي خلق، عبر توقيت العمليات بالتزامن مع ذكرى تأسيسها، إلى إظهار قدرتها على التحرك داخل إيران رغم الإجراءات الأمنية، وإلى ربط تاريخها السياسي بالاستياء الاجتماعي الناجم عن البطالة والفقر وتراجع الإنتاج.
كما تحاول المنظمة تقديم الأزمة الاقتصادية بوصفها دليلاً على إخفاق نظام ولاية الفقيه، وليس نتيجةً للعقوبات الدولية أو التقلبات الاقتصادية وحدها. وتطرح تغيير النظام باعتباره شرطاً لاستعادة حقوق العمال وتحرير الاقتصاد من سيطرة المؤسسات العسكرية والأمنية.
لكن تحويل الأزمة الاقتصادية إلى قوة سياسية منظمة يظل مرهوناً بعوامل عدة، من بينها قدرة المعارضة على التواصل مع الفئات المتضررة، ومدى استعداد العمال للانتقال من المطالب المهنية إلى الاحتجاج السياسي، وقدرة السلطات على احتواء التحركات عبر القمع أو تقديم تنازلات محدودة.
وتكشف التطورات، في مجملها، عن مسارين يسيران بالتوازي داخل إيران: تصاعد تحركات المعارضة المنظمة ضد مؤسسات النظام، واتساع التآكل الاقتصادي الذي يفقد مئات الآلاف وظائفهم ويزيد الضغوط على الأسر.
ولا يعني تزامن المسارين وجود ارتباط مباشر بين كل احتجاج عمالي وتحركات مجاهدي خلق، لكنه يوفر بيئةً أكثر قابليةً للاضطراب. فكل مصنع يغلق أبوابه، وكل مجموعة عمالية تفقد وظائفها أو مستحقاتها، تضيف كتلة جديدة إلى دائرة الاستياء التي تحاول قوى المعارضة توظيفها سياسياً.
وبينما احتفت منظمة مجاهدي خلق بمرور 61 عاماً على تأسيسها عبر الإعلان عن عشرات العمليات، كانت الأرقام المنشورة داخل إيران ترسم صورةً موازيةً لمعركة أخرى تدور في المصانع وسوق العمل. الأولى تستهدف رموز السلطة ومؤسساتها الأمنية، والثانية تكشف تراجع قدرة النظام على حماية الوظائف ومعيشة المواطنين.



