أسرار الحرب الباردة تعود..
وثائق أميركية تكشف كيف دفعت الحرب الباردة واشنطن لاختبار الوعي والرؤية عن بعد
لا تثبت الوثائق الأميركية القديمة امتلاك البشر قدرات خارقة كما توحي بعض العناوين المثيرة، لكنها تكشف شيئاً أكثر أهمية: إلى أي حد دفعت الحرب الباردة مؤسسات الاستخبارات والجيش في واشنطن إلى اختبار برامج تقع على هامش العلم، بحثاً عن تفوق غير تقليدي في مواجهة الخصوم.
أعادت وثيقة أميركية رفعت عنها السرية الجدل حول واحدة من أكثر الزوايا غرابة في تاريخ الحرب الباردة، بعدما كشفت تفاصيل برنامج تدريبي ارتبط بمؤسسات عسكرية واستخباراتية أميركية سعت، في ذروة الصراع مع الاتحاد السوفييتي، إلى اختبار إمكانات الوعي البشري والقدرات الذهنية غير التقليدية، بما في ذلك تحسين الأداء البدني، وتخفيف الألم، و"الإدراك عن بعد". لكن أهمية هذه الوثيقة لا تكمن في صدقية ما تزعمه من نتائج بقدر ما تكمن في ما تكشفه عن العقل الأمني الأميركي نفسه: عقل كان مستعداً، في لحظة خوف استراتيجي عميق، لأن يمد يده إلى مناطق تقع على هامش العلم بحثاً عن أي تفوق محتمل.
الوثيقة التي أعدها معهد مونرو للعلوم التطبيقية في فرجينيا عام 1977، ثم رُفعت عنها السرية لاحقاً، تُقدَّم اليوم في بعض التغطيات بوصفها دليلاً على "طريقة من خمس خطوات" قادرة على شحن الجسم بطاقة هائلة وزيادة القوة وسرعة الاستجابة. هذا التقديم، رغم جاذبيته الإعلامية، يضلل أكثر مما يشرح. فالوثيقة ليست دراسة علمية بالمعنى الصارم، ولا دليلاً على أن الجيش الأميركي اكتشف فعلاً وصفة سرية لتعزيز القدرات البشرية، بل هي جزء من مناخ أوسع ساد خلال الحرب الباردة، حين كانت المؤسسات الأمنية الأميركية تفتح ملفات غير مألوفة تتعلق بالوعي والإدراك والتأثير النفسي، في ظل اقتناع بأن الصراع مع السوفييت قد لا يُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضاً بما يمكن أن يحدث داخل الدماغ البشري نفسه.
في الصفحة التي أثارت الاهتمام أخيراً، يرد شرح لتمرين بسيط ظاهرياً: إغلاق العينين قبل مجهود بدني، أخذ شهيق عميق، تخيل الحركة المراد تنفيذها، مع تصور "طاقة حمراء قوية" تملأ الجسد، ثم الزفير وتنفيذ الحركة مباشرة. النص يوحي بأن هذه الخطوات تمنح دفعة بدنية ملحوظة وتزيد التناسق وسرعة الأداء. لكن من الصعب التعامل مع هذا الكلام بوصفه حقيقة مثبتة. ما لدينا في النهاية هو دليل تدريبي أُعد ضمن برنامج تجريبي، لا برهان علمي على وجود آلية خارقة تعيد تشكيل قدرات الجسد خلال ثوان. الأهم هنا ليس صدق التمرين أو كذبه، بل السؤال الذي يكشفه وجوده داخل أرشيف عسكري واستخباراتي: لماذا كانت أجهزة أميركية مستعدة لتخصيص وقت وموارد لمثل هذه الأفكار أصلاً؟
الجواب يبدأ من الحرب الباردة نفسها. ففي السبعينيات والثمانينيات، لم يكن الصراع بين واشنطن وموسكو صراع ترسانات فقط، بل صراع خيال استراتيجي أيضاً. كل طرف كان يخشى أن يمتلك الآخر شيئاً غير متوقع، سلاحاً أو معرفة أو قدرة نوعية تقلب ميزان الردع. في مثل هذا المناخ، تصبح الأفكار التي تبدو اليوم هامشية أو شبه أسطورية أقل غرابة مما نتصور. إذا كانت هناك تقارير، أو حتى شائعات، عن اهتمام الخصم السوفييتي بأبحاث الإدراك غير التقليدي أو السيطرة الذهنية أو التأثير النفسي، فإن الدولة الأميركية، بعقلها الأمني القلق، لن تسمح لنفسها بتجاهل ذلك بالكامل. هنا بالضبط تظهر أهمية معهد مونرو وبرنامج "غيتواي" ومشاريع مثل "ستارغيت" لاحقاً: ليست لأنها أثبتت امتلاك الإنسان قدرات ما وراء الطبيعة، بل لأنها تكشف إلى أي حد كان هاجس السباق مع الخصم قادراً على دفع مؤسسات الدولة العميقة إلى مناطق لا يغامر العلم التقليدي بدخولها بسهولة.
معهد مونرو، الذي أعد الدليل، كان يعمل على تقنيات مرتبطة بالصوت والوعي، وأشهر ما ارتبط به تقنية "هيمي-سينك" القائمة على استخدام ترددات صوتية مختلفة في كل أذن بهدف مزامنة نشاط نصفي الدماغ. الفكرة في جوهرها ليست عسكرية بالضرورة؛ فهي تنتمي إلى تقاطعات التأمل وعلم النفس والوعي الذهني. لكن دخول مؤسسات مثل وكالة الاستخبارات المركزية وقيادة الاستخبارات والأمن في الجيش الأميركي على خط الاهتمام بهذه البرامج هو ما حوّلها من تجربة بحثية هامشية إلى مادة سياسية وأمنية. فالوثيقة لا تتحدث فقط عن الاسترخاء أو تحسين التركيز، بل عن توسيع الوعي، وتخفيف الألم، وتحسين الأداء، والوصول إلى حالات ذهنية خاصة يمكن أن تكون مفيدة لعناصر الاستخبارات أو العمليات الخاصة.
وهنا تبدأ المنطقة الرمادية. فبينما يمكن فهم بعض جوانب البرنامج ضمن إطار معروف في علم النفس والأداء الذهني – مثل أثر التنفس العميق، والتصور الذهني، وتهيئة الجسم قبل الحركة – فإن أجزاء أخرى من الدليل تقفز إلى ادعاءات أكثر إثارة، مثل تخفيف الألم عبر تكرار أرقام محددة ذهنياً، أو الوصول إلى "الرؤية عن بعد"، أي القدرة على إدراك أحداث أو أشخاص أو مواقع بعيدة من دون حضور مادي. هذه النقطة تحديداً تنقلنا من حدود التمارين الذهنية والتأمل إلى قلب واحد من أكثر الملفات التباساً في تاريخ الاستخبارات الأميركية: مشروع "ستارغيت".
خلال الحرب الباردة، موّلت جهات أميركية بالفعل برامج هدفت إلى اختبار ما عُرف بـ"الرؤية عن بعد"، انطلاقاً من فرضية أن بعض الأفراد قد يمتلكون قدرة على التقاط معلومات عن أهداف بعيدة أو مخفية. خضعت هذه البرامج لسنوات من التجريب داخل مؤسسات استخباراتية وعسكرية، وشارك فيها باحثون وضباط وأشخاص زعموا امتلاك قدرات خاصة. بعض الروايات المنسوبة إلى تلك التجارب تبدو اليوم أقرب إلى الأدب الغرائبي منها إلى البحث الرصين: تحديد مواقع رهائن، رصد منشآت عسكرية سوفييتية، أو وصف أهداف على مسافات شاسعة. لكن حتى لو وضعت جانباً المبالغات التي أحاطت بهذه البرامج، فإن مجرد استمرارها لسنوات يكشف شيئاً مهماً عن البيئة التي نشأت فيها: بيئة لا تريد أن تترك أي احتمال بلا اختبار، مهما بدا هشاً أو غير قابل للتحقق الكامل.
وهذا ما يجعل تناول هذه الوثائق بحذر أمراً ضرورياً. فالخطأ الشائع في كثير من التغطيات الصحفية هو التعامل مع رفع السرية عن وثيقة ما باعتباره تصديقاً ضمنياً على محتواها. والحقيقة أن رفع السرية لا يعني سوى أن الوثيقة كانت موجودة داخل مؤسسة رسمية، لا أن ما تقوله أصبح صحيحاً علمياً. الدولة، خصوصاً في أوقات الأزمات، تختبر أفكاراً كثيرة، وبعضها ينجح وبعضها يفشل وبعضها يظل معلقاً بين الفضول والخرافة. من هنا، لا يجوز تحويل وثيقة "غيتواي" إلى دليل على أن الجيش الأميركي اكتشف فعلاً طريقة لزيادة القوة الجسدية أو لشفاء الأعصاب بالطاقة أو لرؤية أهداف بعيدة بعين العقل. الأصح أن تُقرأ بوصفها جزءاً من أرشيف القلق الأمني الأميركي، لا من أرشيف الإنجاز العلمي المؤكد.
ومع ذلك، فإن السخرية من هذه البرامج بوصفها مجرد خرافة عسكرية قد تكون قراءة ناقصة أيضاً. فحتى داخل النصوص التي تبدو اليوم مبالغاً فيها، يمكن العثور على خيط أكثر واقعية: اهتمام مبكر بما نسميه اليوم العلاقة بين الحالة الذهنية والأداء. التمارين التي تقوم على التنفس، والتصور الذهني، والتركيز قبل الحركة، ليست غريبة تماماً عن الرياضة الحديثة أو التدريب النفسي أو برامج الاستعداد الذهني لدى الجنود والرياضيين. الفرق أن الوثيقة القديمة أحاطت هذه الممارسات بلغة شديدة الحماس، ومزجتها بادعاءات أخرى أكثر هشاشة، ما جعلها تبدو أقرب إلى النصوص شبه الصوفية منها إلى الدليل العملي المتوازن. بمعنى آخر، ربما كان في قلب هذه البرامج شيء من المعرفة القابلة للنقاش، لكنه غُلف بطبقة كثيفة من الادعاءات التي أضعفت صدقيته.
ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للقصة. لسنا أمام وثيقة تثبت أن واشنطن امتلكت "جنوداً خارقين" أو "جواسيس نفسيين" كما تحب بعض العناوين أن توحي، بل أمام مرآة تكشف كيف تتصرف الدول حين تدخل مرحلة من الشك الوجودي. الحرب الباردة لم تكن مجرد سباق عسكري، بل أيضاً لحظة فقدان يقين؛ كل طرف يخشى أن يكون الطرف الآخر قد وصل إلى شيء لا يعرفه بعد. في هذه اللحظة، تتسع حدود المقبول داخل غرف القرار، ويصبح ممكناً أن تجلس أجهزة استخبارات محترفة مع باحثين في الوعي، أو أن تمول تجارب تبدو اليوم بعيدة عن الصرامة العلمية، فقط لأن كلفة تجاهلها قد تبدو، في حسابات تلك المرحلة، أعلى من كلفة اختبارها.
هذا البعد السياسي هو ما يضيع حين تُختزل القصة في "خمس خطوات لشحن الجسم" أو "رقم سري لإيقاف الألم". المسألة في جوهرها ليست تمريناً ذهنياً، بل قصة دولة عظمى كانت مستعدة لفتح كل الأدراج الممكنة في بحثها عن التفوق. وإذا كان بعض ما ورد في الوثيقة يقترب من عالم التأمل والتنفس والتصور الذهني، فإن أجزاء أخرى تكشف بوضوح انجذاباً إلى حدود العلم الزائف أو شبه العلمي، حيث تختلط الملاحظات النفسية المعقولة بلغة الطاقة والرؤية البعيدة والقدرات الاستثنائية. وهذا الخليط نفسه ليس حادثاً، بل تعبير عن مزاج تلك المرحلة: الخوف من التأخر عن الخصم، والرغبة في تحويل كل فرضية إلى أداة محتملة، ولو كانت الأدلة عليها رخوة.
بعد عقود، تعود هذه الوثائق لا لتخبرنا أن الاستخبارات الأميركية اكتشفت سر القوة البشرية، بل لتذكرنا بأن المؤسسات الأمنية، حين تتحرك تحت ضغط المنافسة والخوف، قد تصبح أكثر استعداداً لتوسيع تعريفها لما هو "معقول". وربما لهذا تبدو هذه الوثائق مثيرة حتى اليوم: لأنها تكشف هشاشة الحد الفاصل بين العلم والأمن والخيال حين تدخل الدول في سباق وجودي طويل. وفي الحالة الأميركية، لم يكن السؤال فقط كيف تهزم خصمك، بل كيف تضمن أنه لا يملك مجالاً مجهولاً للتفوق لم تفكر أنت في دخوله بعد.
في النهاية، لا تحتاج قصة "غيتواي" إلى تضخيم أو إلى تسويقها كدليل على قدرات خارقة. قوتها الحقيقية تكمن في أنها تفتح نافذة على لحظة تاريخية كان فيها الخوف من الهزيمة كافياً لدفع أكبر المؤسسات الأمنية في العالم إلى طرق أبواب الوعي البشري بأدوات لا تزال حتى اليوم موضع جدل. وما تكشفه هذه الوثيقة، قبل أي شيء آخر، هو أن الحرب الباردة لم تكن حرب صواريخ فقط، بل حرب تصورات أيضاً؛ حرباً دفعت واشنطن إلى اختبار العقل نفسه بوصفه ساحة محتملة من ساحات الصراع.



