أفريقيا تُغلق أبواب باريس..
فرنسا تخسر معركة الإعلام في النيجر.. تصاعد القطيعة بين باماكو وباريس
يعكس تصاعد الإجراءات ضد الإعلام الفرنسي في غرب أفريقيا تحوّلًا في أدوات النفوذ بين باريس ودول الساحل، حيث لم يعد الصراع محصورًا في البعد العسكري أو السياسي، بل امتد إلى الفضاء الإعلامي بوصفه ساحة مواجهة ناعمة تعيد رسم خرائط التأثير الإقليمي
مظاهرات سابقة بالنيجر
في تطور جديد يعكس اتساع رقعة التوتر بين فرنسا وعدد من دول غرب أفريقيا، أقدمت السلطات في النيجر على تعليق بث عدد من المؤسسات الإعلامية الفرنسية، في خطوة تُعد امتدادًا لمسار متصاعد من القطيعة السياسية والإعلامية بين الجانبين منذ التغيرات الانقلابية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وجاء القرار الصادر عن المجلس العسكري الحاكم في النيجر ليشمل نحو عشر مؤسسات إعلامية فرنسية ودولية، من بينها فرانس 24 وراديو فرنسا الدولي ووكالة فرانس برس وتي في 5 موند، إضافة إلى وسائل إعلام أخرى، حيث تم تبرير الإجراء بأن هذه المؤسسات تنشر محتوى “قد يهدد النظام العام والوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي”.
وبحسب البيان الرسمي، فإن التعليق يشمل جميع أشكال البث والمنصات الرقمية والتطبيقات والمواقع الإلكترونية، في خطوة تعكس رغبة واضحة لدى السلطات في النيجر في إعادة ضبط الفضاء الإعلامي الداخلي، ومنع التأثيرات الخارجية التي تعتبرها مهددة للاستقرار السياسي والاجتماعي.
ويأتي هذا القرار في سياق متصل بتراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي، حيث شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من الانقلابات العسكرية في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، أعقبها طرد أو تقليص الوجود العسكري الفرنسي، بالتزامن مع تحولات في التحالفات الإقليمية باتجاه روسيا والصين.
وكانت السلطات في النيجر قد أوقفت بالفعل بث بعض هذه المؤسسات الإعلامية، مثل “فرانس 24” و“راديو فرنسا الدولي”، عقب الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2023، في مؤشر مبكر على تصاعد التوتر مع باريس، قبل أن تتوسع دائرة الحظر لاحقًا لتشمل مؤسسات أخرى.
كما سبق أن اتخذت دول مجاورة في اتحاد دول الساحل إجراءات مماثلة، حيث أعلنت بوركينا فاسو تعليق بث قناة تي في 5 موند، في إطار توجه إقليمي متنامٍ لتقييد النفوذ الإعلامي الفرنسي داخل الفضاء العام.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التحول لا يمكن فصله عن إعادة تشكيل خريطة النفوذ في القارة الأفريقية، حيث تتراجع فرنسا تدريجيًا عن موقعها التقليدي في مستعمراتها السابقة، لصالح قوى دولية وإقليمية أخرى تسعى لتوسيع حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري في المنطقة.
وتُعد أفريقيا، خصوصًا منطقة الساحل، واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية تعقيدًا في المرحلة الراهنة، حيث تتداخل فيها ملفات الأمن والإرهاب والتنمية والتحالفات الدولية، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تموضع استراتيجي للقوى الكبرى.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن استهداف المؤسسات الإعلامية الفرنسية يعكس انتقال الصراع من مستواه التقليدي إلى ما يمكن وصفه بـ“حرب النفوذ الناعم”، حيث يصبح الإعلام أحد أدوات الصراع على تشكيل الرأي العام والتأثير في الاستقرار السياسي الداخلي.
ومع استمرار هذا المسار، تبدو العلاقة بين باريس وعدد من دول غرب أفريقيا أمام مرحلة إعادة تعريف شاملة، لا تقتصر على مراجعة الوجود العسكري، بل تمتد إلى إعادة صياغة أدوات التأثير الثقافي والإعلامي والاقتصادي في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خريطة التنافس الدولي.



