صوت من خلف المشانق..
إعدام معارض إيراني يعيد ملف القمع والاحتجاج إلى الواجهة
قال المعارض الإيراني الراحل وحيد بني عامريان إن التمسك بالمبادئ لا يمكن أن يكون ثمناً للحياة، في رسالة مسربة من داخل السجن قبيل إعدامه، عكست واحدة من أكثر الشهادات حدةً عن واقع القمع داخل إيران.
المعارض الإيراني وحيد بني عامريان - أرشيف
كشف تسجيل مسرب للمعارض الإيراني وحيد بني عامريان قبل إعدامه عن واقع القمع داخل إيران، رافضاً التهم الموجهة إليه ومؤكداً تمسكه بمبادئه. وتعيد القضية تسليط الضوء على الإعدامات السياسية وتصاعد المواجهة بين النظام والمعارضة الإيرانية المنظمة في الداخل.
وأعاد إعدام المعارض الإيراني وحيد بني عامريان في أبريل 2026 تسليط الضوء على ملف الإعدامات السياسية في إيران، بعد تسريب تسجيل مصور له من داخل السجن، قدّم فيه مرافعة أخيرة حملت طابعاً سياسياً واضحاً، تجاوز الدفاع القانوني إلى خطاب مواجهة مباشر مع النظام.
وبحسب نص المرافعة المسربة ، فإن بني عامريان، وهو مهندس كهربائي في الثانية والثلاثين من عمره، حُكم عليه بالإعدام في ديسمبر 2024 بتهمة الانتماء إلى منظمة مجاهدي خلق، قبل أن يُعدم لاحقاً بعد محاكمة وصفها بأنها "صورية"، معتبراً أن القضاء في الأنظمة الدكتاتورية لا يمثل العدالة، بل يشكل أداة للقمع.
المرافعة، التي خرجت من خلف جدران سجن إيفين، لم تكن مجرد رد على الاتهامات، بل جاءت أقرب إلى بيان سياسي، يضع المحاكمة نفسها موضع اتهام، ويعيد تعريف الصراع بوصفه مواجهة بين نظام قائم على القمع، ومعارضة تعتبر نفسها امتداداً لنضال طويل ضد الاستبداد.
وفي رسالته، رفض بني عامريان بشكل قاطع فكرة "الحياة الطبيعية" التي طُرحت عليه خلال محاكمته، معتبراً أن أي حياة تقوم على تجاهل معاناة المجتمع هي في جوهرها شكل من أشكال التواطؤ. واستند في ذلك إلى مشاهد اجتماعية وإنسانية استحضرها من تجربته الشخصية، في محاولة لإضفاء بعد أخلاقي على موقفه السياسي.
هذا الخطاب يعكس أحد أبرز تحولات المعارضة الإيرانية في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الشعارات السياسية، بل باتت ترتكز أيضاً على سرديات إنسانية واجتماعية، تسعى إلى كسب تعاطف داخلي وخارجي.
كما حملت المرافعة هجوماً مباشراً على مؤسسات الدولة، حيث وصف الأجهزة القضائية والأمنية بأنها أدوات للقمع، رافضاً الاعتراف بشرعيتها، وهو موقف يتجاوز الدفاع الفردي إلى نزع الشرعية عن النظام ككل.
وفي سياق متصل، أعلن بني عامريان اعتزازه بالانتماء إلى منظمة مجاهدي خلق، رغم أن هذه التهمة كانت الأساس في الحكم عليه بالإعدام، معتبراً أن هذا الانتماء يمثل جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى تغيير النظام وإقامة بديل سياسي.
هذا التصريح يعكس طبيعة الصراع القائم، حيث لا يُنظر إلى الانتماء السياسي كخيار فردي، بل كتهديد وجودي من قبل السلطة، وهو ما يفسر—جزئياً—تصاعد وتيرة الإعدامات المرتبطة بالانتماءات السياسية.
وتضمنت المرافعة أيضاً إشارة إلى خطة سياسية بديلة، في إشارة إلى مشروع المعارضة لإقامة نظام ديمقراطي، يقوم على مبادئ مثل فصل الدين عن الدولة وإلغاء عقوبة الإعدام، وهو ما يعكس محاولة لطرح بديل متكامل، وليس مجرد معارضة احتجاجية.
ورغم الطابع السياسي الواضح، لم تغب اللغة الرمزية عن الخطاب، حيث استخدم بني عامريان مفردات مرتبطة بالتضحية والصمود، في محاولة لإعادة صياغة الإعدام نفسه كفعل مقاومة، وليس كعقوبة.
هذا النوع من الخطاب، الذي يجمع بين التحدي والرمزية، غالباً ما يسعى إلى تحويل الضحية إلى رمز، وهو ما قد يساهم في تعزيز التعبئة داخل صفوف المعارضة، خصوصاً في بيئات تشهد توترات سياسية واجتماعية مستمرة.
وفي رده على سؤال حول "التوبة"، أعلن رفضه القاطع لأي تراجع عن مواقفه، مؤكداً أنه مستعد لدفع الثمن، في إشارة تعكس مستوى عالياً من التصعيد الخطابي، يهدف إلى تثبيت صورة الصمود حتى اللحظة الأخيرة.
هذه النقطة تحديداً تعكس أحد أبعاد الصراع في إيران، حيث لا يدور فقط حول السلطة، بل أيضاً حول الرواية: من يملك القدرة على تعريف الحقيقة، وتحديد من هو الضحية ومن هو الجاني.
وفي ختام رسالته، وجّه بني عامريان خطاباً مباشراً إلى النظام، متوعداً بمحاسبته مستقبلاً، في حال سقوطه، وهو طرح يتكرر في أدبيات المعارضة، ويعكس إيماناً بإمكانية التغيير، رغم كلفة المواجهة.
إجمالاً، لا يمكن قراءة هذه القضية بمعزل عن السياق الأوسع، حيث تتقاطع مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية، وتزايد الضغوط الدولية، واستمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران.
وبينما يرى النظام في هذه الحالات تهديداً أمنياً يستوجب الرد، ترى المعارضة فيها دليلاً على هشاشة السلطة، وهو تناقض يعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث تتداخل القوة مع القلق، والسيطرة مع الخشية من الانفجار.
في النهاية، لا يغيّر إعدام فرد واحد موازين القوى بشكل مباشر، لكنه قد يضيف طبقة جديدة إلى سردية الصراع، ويعيد طرح الأسئلة القديمة: إلى أي مدى يمكن لنظام قائم على القمع أن يستمر؟ ومتى تتحول الضغوط المتراكمة إلى نقطة تحول؟



