نساء إيران في الواجهة..
مؤتمر باريس يناقش قيادة النساء كمدخل لتغيير ديمقراطي داخل إيران
ترى المتحدثات أن لحظة التحول في إيران لن تأتي من التسويات التقليدية بل من إعادة تعريف دور المرأة داخل المجال السياسي، باعتبارها قوة تنظيمية قادرة على فرض معادلة جديدة تتجاوز ثنائية الشاه والملالي نحو نموذج ديمقراطي مختلف ومتوازن وعابر للانقسامات.
مريم رجوي
عشية اليوم العالمي للمرأة، تحوّل مؤتمر دولي عُقد في باريس إلى منصة سياسية لإعادة طرح سؤال القيادة داخل المعارضة الإيرانية، حيث ركزت الكلمات والمداخلات على فكرة مركزية مفادها أن مستقبل التغيير في إيران مرتبط بتمكين النساء في مواقع القرار، وليس فقط حضورهن الرمزي في الحراك السياسي. وجاءت كلمة مريم رجوي لتؤكد هذا الاتجاه، إذ ربطت بين قيادة النساء وبين إمكانية تحقيق انتقال سلمي للسلطة بعد أي تحول سياسي محتمل، معتبرة أن غياب هذا العامل سيعيد إنتاج أنماط الحكم السلطوية نفسها بأشكال مختلفة.
المؤتمر، الذي شاركت فيه شخصيات سياسية وبرلمانية من أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، حمل رسائل سياسية تتجاوز البعد الحقوقي التقليدي، إذ بدا وكأنه محاولة لصياغة خطاب بديل يرفض الثنائية التاريخية بين نظام الشاه والنظام الديني القائم. المتحدثات شددن على أن المساواة الجندرية ليست ملفاً جانبياً، بل معياراً لقياس صدقية أي مشروع سياسي يسعى لتقديم نفسه بديلاً للنظام الحالي، في إشارة واضحة إلى صراعات الشرعية داخل أوساط المعارضة الإيرانية.
في خطابها، حاولت رجوي إعادة تأطير الانتفاضات الإيرانية الأخيرة بوصفها لحظة كشفت عن قدرة النساء على الانتقال من موقع الضحية إلى موقع الفاعل المنظم، مشيرة إلى أن حضور النساء في مواقع قيادية داخل المجلس الوطني للمقاومة ومنظمة مجاهدي خلق يمثل، وفق رؤيتها، نموذجاً عملياً لبديل سياسي مختلف. هذا الطرح أثار نقاشاً ضمنياً حول طبيعة القيادة داخل الحركات المعارضة، وما إذا كان الخطاب النسوي المطروح يشكل تحوّلاً حقيقياً أم أداة لإعادة شرعنة مشروع سياسي قائم منذ عقود.
اللافت في المؤتمر لم يكن فقط الحضور الدولي الواسع، بل محاولة ربط قضية المرأة الإيرانية بسياق عالمي أوسع يتعلق بمستقبل الديمقراطية في الأنظمة السلطوية. شخصيات سياسية غربية اعتبرت أن التجربة الإيرانية تقدم نموذجاً لاختبار قدرة الحركات المعارضة على الجمع بين خطاب المساواة وبين مشروع سياسي قابل للتطبيق، فيما ركزت مداخلات أخرى على تفكيك الصورة النمطية التي تربط حقوق النساء حصراً بفترة حكم الشاه، معتبرة أن الاستبداد، مهما اختلفت شعاراته، يبقى عائقاً أمام المساواة.
الرسالة السياسية الأساسية التي خرج بها المؤتمر تمثلت في رفض إعادة إنتاج أي نموذج سلطوي، سواء بغطاء ديني أو ملكي، والدفع باتجاه تصور لمرحلة ما بعد النظام يقوم على فصل الدين عن الدولة وتعزيز الحريات الفردية. ومع ذلك، يظل السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الخطاب على التحول إلى مشروع سياسي مؤثر داخل الداخل الإيراني، خاصة في ظل الانقسامات الحادة بين أطياف المعارضة وتباين رؤاها بشأن شكل الدولة المستقبلية.
بدا المؤتمر، في محصلته، أقرب إلى محاولة إعادة صياغة سردية المعارضة الإيرانية عبر بوابة تمكين المرأة، حيث تم تقديم القيادة النسوية ليس كملف حقوقي فحسب، بل كأداة سياسية لإعادة تعريف معادلة التغيير نفسها، في لحظة إقليمية ودولية تشهد تصاعداً في النقاش حول مستقبل إيران وحدود التحول الممكن داخلها.


