د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
النظام الإيراني وأزمة الموارد والتهميش الاجتماعي.. قراءة في دلالات أحداث "فارياب"
تضع التطورات الأخيرة في قرية بشموكي بمنطقة فارياب بمحافظة كرمان في إيران الإصبع على واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في هيكلية الدولة الإيرانية الحديثة.. الصراع على الموارد الطبيعية وتأثيره على الاستقرار الاجتماعي في المناطق الطرفية.
إن المواجهات التي شهدتها المنطقة بين سكان محليين بلوش وقوات الأمن على خلفية الاحتجاج ضد إدارة منجم للكروميت لا تمثل مجرد حدث عابر أو نزاعاً محلياً حول استغلال الموارد بل هي تجسيد حي لـ أزمة ثقة عميقة بين المركز والأطراف وأزمة العدالة في إيران.
مركزية الموارد وهامشية المواطن
يتمحور جوهر الأزمة في فارياب حول التفاوت الاقتصادي الهيكلي.. فبينما تُعد المناطق الطرفية في إيران بما فيها تلك التي تقطنها أقليات إثنية أو دينية خزاناً غنياً بالموارد الطبيعية والمعدنية يشعر السكان المحليون أن هذه الثروات تُستنزف لصالح جهات مركزية أو استثمارات خارجية دون أن ينعكس ذلك في صورة تنمية مستدامة أو فرص عمل لأبناء المناطق أنفسهم؛ هذا التناقض يخلق بيئة خصبة للاحتقان الاجتماعي حيث يتحول "المورد الاقتصادي" من مصدر للرخاء إلى محرك للنزاع والاحتجاج المفتوح ضد سياسات الدولة.
العنف الأمني وتآكل الشرعية
إن اللجوء إلى القوة المفرطة لتفريق احتجاجات سلمية لا سيما تلك التي تشارك فيها النساء يحمل دلالات استراتيجية خطيرة؛ فمن الناحية التحليلية يشير استخدام القوة في "بشموكي" إلى عجز مؤسساتي عن إدارة الأزمات عبر قنوات الحوار أو الوساطة الاجتماعية.. وإن تعاطي الأجهزة الأمنية مع الاحتجاجات المطلبية بمنطق "الأمن القومي" بدلاً من منطق "الاستجابة التنموية" يُعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع ويحول المطالب الاقتصادية البسيطة إلى قضية حقوقية سياسية تشمل التمييز الممنهج مما يعزز من حالة الاستياء الشعبي العام في سائر المحافظات الإيرانية التي تعاني من ظروف مشابهة.
الأبعاد الجيوسياسية للاضطرابات المحلية
لا يمكن فصل هذه الأحداث عن السياق الجيوسياسي الأوسع.. فإيران التي تواجه ضغوطاً دولية وعقوبات اقتصادية خانقة تجد نفسها مضطرة لتعظيم عوائدها من الموارد الطبيعية لدعم الموازنة العامة مما يدفعها لتبني سياسات تمركزية صارمة في استغلال الثروات.. لكن هذا النهج في ظل غياب التوزيع العادل يؤدي إلى استنزاف القواعد الشعبية في الأطراف، وإن اتساع رقعة هذه الاحتجاجات يضع النظام أمام معضلة استراتيجية: هل يستمر في نهج التشدد الأمني لحماية مصالحه الاقتصادية العاجلة أم يتجه نحو تسويات محلية قد تُفهم من قِبل المركز على أنها ضعف في السيطرة؟
تفكيك بنية الأزمة.. مقاربة تحليلية
إن ما حدث في فارياب ليس سوى نموذج مصغر لما قد تشهده مناطق أخرى إذا استمرت سياسات التهميش، وإن وجود احتجاجات متزامنة في مناطق مختلفة يعكس أن "المسألة المطلبية" قد تتحول إلى رابط تنظيمي غير مباشر بين فئات سكانية متنوعة تشترك في ذات المعاناة، ومن منظور استراتيجي يمثل هؤلاء المحتجون وخاصة النساء اللواتي يتقدمن الصفوف في الاحتجاجات المحلية فاعلاً سياسياً ناشئاً يتحدى السردية الرسمية حول "الاستقرار الاجتماعي".
الاستنتاج: هشاشة "الأمن التنموي"
تخلص هذه القراءة إلى أن استراتيجية الاعتماد على "القوة الصلبة" في مواجهة المطالب الاقتصادية في مناطق مثل كرمان لن تؤدي إلا إلى تآكل النسيج الاجتماعي وزيادة تكلفة السيطرة الأمنية على المدى الطويل.
إن العدالة الاجتماعية في المناطق الطرفية لم تعد مجرد ترف حقوقي بل هي ضرورة لاستدامة استقرار الدولة نفسها، وفي غياب رؤية وطنية تعيد تعريف علاقة المركز بالأطراف ستظل الموارد الطبيعية مثل الكروميت بؤراً لتفجير الأزمات، وستبقى الاحتجاجات الميدانية بمثابة مؤشر تحذيري للنظام الإيراني بأن استقرار الأطراف هو الميزان الحقيقي لتماسك المركز.
تحليل الموقف: يتضح من خلال تحليل الواقعة أن الأزمة تتجاوز بعدها المحلي لتصل إلى عمق السياسات الاقتصادية والاجتماعية في إيران؛ الموقف يتسم بـ الاحتقان التراكمي حيث يرى السكان المحليون أن تهميشهم هو سياسة ممنهجة وليست استثناءً.
استراتيجياً.. فإن تحول النساء إلى جزء من الحراك الاحتجاجي يضفي صبغة حقوقية واجتماعية تزيد من صعوبة المعالجة الأمنية للنظام وتجعل من ملف "التنمية في الأطراف" تحدياً وجودياً للأمن الداخلي الإيراني في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.


