د. سارة مبارك تكتب:

الغموض المصطنع

أسوأ أنواع العلاقات هي تلك التي لا تستطيع أن تحدد هل هي موجودة فعلا أم لا؟ دائما، وفي كل استشارة أقدمها، سواء في سياق مهني طبي أو في حوار إنساني خاص، أجد نفسي أعود إلى نفس الحقيقة: أكثر ما يستنزف الإنسان نفسيا في العلاقات ليس الألم الواضح، بل الغموض المتكرر. ليس الرفض الصريح، بل التلاعب الصامت.

في علم النفس، نعلم أن التواصل الواضح ليس مجرد مهارة، بل هو أحد أهم مؤشرات النضج الانفعالي. الإنسان المتصالح مع ذاته لا يحتاج إلى تكتيكات ليحافظ على مكانته، ولا يلجأ إلى الغياب ليشعر الآخر بقيمته. هو ببساطة حاضر، واضح، يقول ما يشعر به دون أن يربك من أمامه.

لكن على الطرف الآخر، هناك نمط مختلف تماما، نمط يدير العلاقة وكأنها تجربة لا ارتباط. يظهر ويختفي، يقترب ثم يبتعد، يرد ثم يصمت، يراقب دون أن يتقدم. يستخدم تأخير الرد، والتجاهل، والاختفاء المفاجئ، ليس لأنه قوي، بل لأنه لا يعرف كيف يكون واضحا دون أن يشعر بالتهديد.

هذه ليست جاذبية غامضة كما يظن البعض، بل هي انعكاس مباشر لعدم الأمان العاطفي وأنماط التعلق القلق او المتجنب. الشخص المتلاعب لا يحافظ على قيمته، بل يحاول الهروب من شعوره الداخلي بعدم الكفاية، فيعوض ذلك بمحاولة التحكم في مشاعر الطرف الآخر

هو لا يريد علاقة مستقرة لأنه لا يحتملها، ولا يريد فقدك لكنه لا يعرف كيف يبقيك بطريقة صحية، فيبقيك في المنتصف، حيث لا وضوح يكفي للراحة، ولا انسحاب يكفي للنجاة.

المشكلة ليست فقط في سلوكه، بل في الأثر الذي يتركه. هذا النوع من العلاقات يضع جهازك العصبي في حالة استنفار لا تهدأ، وكأنك دائما تنتظر شيئا لن يأتي. تفكير زائد، تحليل لكل كلمة، انتظار مرهق، تقلب بين الأمل والخيبة. أكثر ما يربكك في هذا النوع من العلاقات أنك لا تتألم من موقف واحد، بل من غياب الاستقرار نفسه

القاعدة النفسية واضحة: الغموض المصطنع ليس عمقا، بل خلل في التواصل. النضج لا يظهر في قدرتك على الاختفاء، بل في قدرتك على البقاء بوضوح، او المغادرة باحترام.

الى الشخص الذي يظن أن الاختفاء قوة، وأن الصمت سيطرة، وأن ترك الآخر في الحيرة يمنحه الأفضلية: أنت لا تربك الطرف الآخر بذكائك، بل تكشف عجزك عن علاقة طبيعية. لا تدير العلاقة بمهارة، بل تهرب من نضجها. ولا تحافظ على قيمتك، بل تستهلك من أمامك حتى يفقد رغبته فيك.

والى كل من يجد نفسه عالقا في هذا النوع من العلاقات: لا تبحث عن تفسير لشخص يختار أن يكون غامضا معك. الوضوح قرار، ومن لا يختاره معك، اختار أن لا يكون لك. العلاقة التي تجعلك في حالة تساؤل دائم ليست علاقة تحتاج صبرا، بل حدودا. والانتظار الذي يستهلكك ليس حبا، بل تعلقا مؤلما.

الانسحاب هنا ليس خسارة، بل استعادة توازن. أنت لا تترك شخصا، أنت تخرج نفسك من دائرة استنزاف لا نهاية لها. لأن قيمتك لا تقاس بسرعة الرد، ولا بظهور اسمك في اشعاراته، ولا بمحاولاتك المستمرة لفهم ما لا يقال.

الذي يريدك بوضوح لا يجعلك تفسر صمته، ومن يحبك لا يضعك في اختبار، بل يمنحك شعور الامان دون ان تطلبه

العلاقات لم تخلق لتكون ساحة قلق، بل مساحة سكن، ومن لا يمنحك الطمأنينة لن يمنحك شيئا يستحق البقاء، فاخرج بكرامتك قبل ان تعتاد على القلق وكأنه حب.